بين الانضباط القانوني والانفلات العشوائي: رؤية واقعية لحل أزمة الكلاب الضالة في مصر يستعرضها الدكتور صالح إبراهيم خبير في منظومة الحياة البرية والاتفاقيات الدولية (25 عاماً من العمل الميداني).
شهدت الآونة الأخيرة لغطاً كبيراً حول تفسير بعض الأحكام القضائية الصادرة بشأن الكلاب الضالة في الشوارع. وهنا يبرز خيط رفيع، خطير وحاسم، بين "نص الحكم الصادر" الذي ينفي صفة الحيوان المستأنس عن الكلب العقور أو الضال لتحديد المسؤولية الجنائية، وبين "ترك الأهواء مفتوحة" للشارع للتخلص العشوائي من هذه الكائنات. إن الفارق هنا هو الفارق عينه بين الانضباط الذي تبنى به الدول، والانفلات الذي يهدد السلم المجتمعي والتوازن البيئي.
أولاً: فلسفة القانون.. الفيصل بين الدولة والمواطن
من واقع 25 عاماً أفنيتها في منظومة الحياة البرية بمصر، شملت تطبيق قانون البيئة (رقم 4 لعام 2004 وتعديلاته بالقانون رقم 9 لعام 2009)، ومراقبة التجارة الدولية عبر الموانئ والمطارات، وتنفيذ اتفاقية "سايتس" (CITES) للأمم المتحدة، أؤكد حقيقة راسخة: القانون المنظم هو الفيصل الوحيد والآمن بين الجهاز الإداري للدولة والمواطن؛ سواء كان هذا المواطن متضرراً من انتشار الكلاب، أو مدافعاً عنها.
في غياب قوانين واضحة، مفسرة، ولها لائحة تنفيذية حاسمة، لن تحل المشكلة بل ستتفاقم. إن الانفلات يعني أن يمنح المواطن نفسه سلطة "القاضي والمنفّذ" في الشارع، وهو ما يفتح الباب لقسوة مفرطة تنفطر لها القلوب، ولا تليق بمجتمعنا، فضلاً عما تسببه من إخلال بالتوازن البيئي.
درس من الطبيعة: في منظومة الحياة البرية، أدى الصيد الجائر والاتجار غير المنظم بـ "النمس المصري" إلى انخفاض أعداده، وكانت النتيجة المباشرة هي اختلال الطبيعة وظهور الثعابين بكثافة في بيئات انتشاره. الإبادة العشوائية لأي كائن في الشارع -بما فيه الكلاب- دون دراسة علمية، ستفتح الباب حتماً لظهور آفات أو حيوانات أخرى أكثر خطورة (كالفئران أو الثعالب) في بيئاتنا الحضرية.
ثانياً: خطة العمل الميدانية.. الشلاتر ليست حلاً نهائياً
يتحدث الكثيرون عن إنشاء "الشلاتر" أو الملاجئ كحل سحري، ولكن من المنظور الإداري والاقتصادي، الشلاتر المنظمة هي مجرد بداية وجزء من آلية الحل، وليست الحل كله.
داخل هذه الشلاتر، يمكن أداء عمليات التعقيم (ذكوراً وإناثاً وجراء)، وتحصينها ضد السعار وتسجيلها. ولكن، ما الخطوة التالية؟
من المستحيل علمياً ومادياً الاحتفاظ بتلك الأعداد الضخمة داخل ملاجئ مغلقة؛ لسببين رئيسيين:
1. محدودية ثقافة وثروة التبني: لو شجعنا برامج التبني للأشخاص القادرين، فإن النسبة المتوقعة للتبني في مجتمعنا لن تزيد عن 10% إلى 15%، نظراً لعدم تجذر هذه الثقافة مجتمعياً، إلى جانب الظروف الاقتصادية العامة.
2. خطر التكدس: إذا لم تدرك الدولة هذا الواقع، سنقوم بمجرد "نقل المشكلة" من الشارع إلى الشلاتر، لنستيقظ على حالة تخبط رهيب وتكدس للحيوانات، مع عجز كامل عن توفير تمويل الطعام أو الدواء لها.
ثالثاً: خارطة الطريق.. كيف نحقق "الانضباط"؟
لكي ننتقل من العشوائية إلى المؤسسية، يجب على الدولة والمشرّع المصري التجهز بالإجراءات واللوائح التنفيذية التالية:
الإدارة المنظمة المؤسسية والتخلص الآمن: إصدار لائحة تنفيذية تحدد بدقة الجهات الحكومية والمحلية والبيطرية المنوط بها التعامل مع الشكاوى، ومنع الأفراد تماماً من تسميم أو قتل الحيوانات في الشوارع لقطع الطريق على "الأهواء الشخصية".
سياسة التدوير والإطلاق الممنهج (TNR): الاحتفاظ فقط بالحيوانات العقورة (الشرسة طبيعياً) أو المريضة ميؤوس من شفائها في الشلاتر، أما الحيوانات التي تم تعقيمها وتطعيمها وتثبيت طوق (Tag) في أذنها، فيتم إعادة إطلاقها في مربعات سكنية محددة تحت إشراف وتغذية جمعيات المجتمع المدني.
فائدة الإطلاق الممنهج: الكلب المعقم تنخفض غريزته العدوانية، والكلب المحصن يمنع انتشار مرض السعار، ووجودهما معاً في منطقة ما يشكل "خط دفاع بيئي طبيعي" يمنع دخول كلاب أخرى غريبة، شرسة أو مصابة، إلى هذا المربع السكني.
إن حماية المواطن وأطفاله من خطر العقر هو واحب أصيل للدولة لا جدال فيه، ولكن تحقيقه لا يمر عبر بوابة القسوة والفوضى والعشوائية. إننا بحاجة إلى "انضباط تشريعي وتنفيذي" يدمج بين علم البيئة، وقدرات الدولة الاقتصادية، وإنسانية المجتمع، حتى لا نتحول من علاج أزمة بيئية في الشارع إلى السقوط في كارثة أخلاقية وبيئية أكبر.





