الأربعاء , 25 نوفمبر 2020
آخر الأخبار

أين حسين عجوة؟.. بقلم الدكتور : خالد وصيف خبير موارد مائية

لم يكن محمد على الالبانى الاصل والتركى الهوى يثق بقدرة المصريين على القيام باى نشاط خارج اطار الزراعة، المصرى عنده مرادف لكلمة فلاح لايصلح سوى للزرع والقلع فاعتمد فى حروبه العسكرية على جنود اتراك والبان، واعتمد فى اعماله المدنية من زراعة وصناعة ومعمار على المدرسة الفرنسية التى كان مغرما بها.

استمرت تلك القناعة عشر سنوات كاملة من بداية حكمه حتى اتى عام 18015، وفوجئ بالتماس من شاب من عامة المصريين اسمه حسين عجوة، يطلب مقابلته لامر هام. وافق الباشا على مضض واتى الشاب يعرض آلة جديدة ابتكرها لتبييض الارز الشعير، آلة سهلة التشغيل وتعمل بثورين فقط بدلا من الآلآت المستوردة اتى كانت تعمل باربعة ثيران. اعجب محمد على بالاختراع وامر عجوة ان يذهب الى مدينة دمياط ليبنى آلة بالطريقة الجديدة للتجربة ، وزوده بمايلزم من اخشاب وحديد، وحينما انتهى عجوة من تصنيع آلة دمياطبانت نتائج باهرة فى اختصار وقت التبييض ومستوى جودته مما دفع الباشا بتوجيه المصرى حسين عجوة الى رشيد لبناء آلة اضافية انتهى  منها فى وقت وجيز لتقف مصر على اعتاب مرحلة جديدة فى عصر التصنيع الزراعى

اخذت الدهشة بعقل محمد على ولفتت انتباهه الى ان ابناء الفلاحين يمكنهم ان يقوموا باعمال عظيمة افضل من الخواجات الذين كان يعتمد عليهم بشكل اساسى فى كل انشطته. فقرر ادراج المصريين فى البعثات العلمية لفرنسا والتى كانت مقصورة على الاتراك. ثم قرر انشاء مدرسة لتعليم قواعد الحساب والهندسة اختار لها 80 طالبا مصريا كانوا نواة المهندسين المصريين الذين جاء منهم المهندس الشاب مظهر الذى قام باصلاح تصميمات القناطر الخيرية بعد ان واجهت اخفاقا فى تنفيذها على ايدى المهندسين الفرنسيين

وصلت انباء النهضة المصرية لارجاء المعمورة حتى دعت امبراطور اليابان ليرسل بعثة علمية لزيارة مصر للتعرف على تجربتها فى النهضة ومن يعرف ربما كانت ماكينات تبييض حسين عجوة ملهمة للوفد اليابانى لينطلق انطلاقته الكبرى التى عرفناها جميعا

انتهى عصر محمد على بتكالب الدول الاوروبية عليه وفرض معاهدة لندن التى سلبت مصر معظم الانجازات التى حققتها مصر خلال اربعين عاما خصوصا التوسعات فى الشام وكريت والحجاز وتم تقليم اظافر محمد على بتقليل عدد جنود الجيش المصرى وتلى ذلك اغلاق معظم المصانع التى كانت تقوم على خدمة المجهود العسكرى مثل ميناء الاسكندرية وبولاق وغيرها وبقيت حقيقة ناصحة ازاح عنها محمد على التراب واخضعها للتجربة التى اثبتت صحتها وهى ان المصرى يستطيع ان يكون جنديا باسلا وصانعا مبدعا مثلما هو فلاح شاطر

ولم تذكر كتب التاريخ الكثير عن حسين عجوة وماحدث له ولماكيناته لتبييض الارز لكن يبدو ان التجربة لم تستمر بعد معاهدة لندن التى حرصت على ربط الاقتصاد المصرى بالاقتصاد العالمى من خلال رفع اى رسوم حماية للمنتجات المصرية وبالتالى انهارت كل الصناعات وعدنا كما بدانا بلدا زراعيا يعتمد على تصدير منتجاته مواد خام مثل القطن بدون اى اضافات ليتم تدعيم مصانع لانكشير البريطانية على حساب الصناعة الناشئة المصرية

وتكررت تجربة حسين عجوة البدائية فى بداية القرن العشرين على يد طلعت حرب الذى انطلق لينشئ قاعدة صناعية واسعة تضمنت مجالات متنوعة من صناعة النسيج الى الطيران لكنها ايضا لم تكتمل او تتطور خصوصا بعد ان قامت الدولة بتاميم تلك الصناعات وقامت بادارتها بنفسها

ومرت سنوات وازداد الاعتماد على التصنيع الخارجى حتى اصبحنا دولة مستوردة لما تاكل وتشرب وتلبس وانكشف الاقتصاد المصرى عند اول منحنى لتعويم العملة الوطنية فارتفعت الاسعار ارتفاعا الهب ظهور المصريين وهو امر ما كان يحدث لو كنا نملك قاعدة تصنيع تغطى مساحة لاباس بها من الاحتياجات الشعبية

من المؤسف ان اغلب الصادرات المصرية هى منتجات زراعية من الحقل للميناء بدون اى عمليات تصنيع يمكن ان تشكل قيمة مضافة قل هذا عن الارز والفواكه والخضروات وهو احد اهم اسباب العجز فى ميزاننا التجارى

مصر مازالت تبحث عن جيل كامل كله يملك قدرات ومبادرات حسين عجوة حتى نستطيع ان نلحق بالقطار الذى ينطلق باقصى سرعة ولايلتفت قائده الا عند المحطات الكبيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *