أ
أ
احتفالات ليلة الرؤية في مصر عبر العصور: من المقطم إلى دار الإفتاء
تُعتبر "ليلة الرؤية" في مصر من أهم المناسبات الدينية التي تبرز خلالها روح الاحتفال والتقاليد المرتبطة بشهر رمضان المبارك.
عبر العصور، تطورت هذه الاحتفالات بدءًا من مشهد بسيط في سفح المقطم وصولًا إلى مراسم رسمية يتم نقلها عبر وسائل الإعلام.
يعكس هذا التقليد تطور المجتمع المصري في استقباله لشهر رمضان وتعزيز الهوية الوطنية والدينية.
1. الاحتفالات ليلة الرؤية في العصر الفاطمي
بداية الموكب الرسمي في مصر
في العصور الإسلامية المبكرة، كان الاحتفال برؤية هلال رمضان يبدأ بخروج القضاة في مصر لاستطلاع الهلال في يوم التاسع والعشرين من شهر شعبان.وفقًا للمؤرخ إبراهيم عناني، كان القاضي أبو عبد الله بن لهيعة من أوائل من خرجوا في ذلك الوقت لرؤية الهلال، حيث جرى تحديد مكان الرؤية في "دكة القضاة" في سفح جبل المقطم.
بناء المسجد الفاطمي وتحويله إلى مرصد للهلال
مع وصول الفاطميين إلى الحكم، تطورت هذه التقاليد، حيث أمر قائدهم بدر الجمالي ببناء مسجد على سفح المقطم وتخصيص مئذنته كمرصد لرؤية الهلال.كان الفاطميون قد بدأوا بتأسيس ما يعرف بـ "موكب رؤية الهلال"، الذي شارك فيه القاضي الأكبر، مع قضاة مصر الأربعة، وحضرته العديد من الطوائف الحرفية والتجارية.
وكانت تلك هي بداية الاحتفالات الكبيرة التي ازدادت زخماً مع مرور الزمن.
2. الاحتفالات ليلة الرؤية في العصر العثماني
عودة الرؤية إلى المقطم وسط الأضواء والموكب الكبير
في العصر العثماني، عاد مكان رؤية الهلال إلى سفح المقطم، حيث تجتمع الطبقات الدينية والفقهاء مع المحتسبين في المدرسة المنصورية بين القصرين.عند إثبات رؤية الهلال، كان الجميع ينطلقون في موكب حافل يحملون المشاعل والقناديل، ثم يعودون إلى المدرسة ليعلن المحتسب ثبوت رؤية الهلال.
التطور الكبير في التنظيم والاحتفال
أصبحت الاحتفالات أكثر تنوعًا، حيث كان أرباب الحرف، دراويش الصوفية، وأعيان القاهرة يتبعون القضاة في مسيرة متجددة من الحماس والإضاءة.وعندما وصل الخديوي عباس حلمي الثاني إلى الحكم، أمر بنقل مكان إثبات رؤية الهلال إلى المحكمة الشرعية في باب الخلق، مما عزز من هيبة هذه الاحتفالات.
3. الاحتفالات ليلة الرؤية في العصر الحاضر
دور دار الإفتاء المصرية في مراسم الاستطلاع
في العصر الحديث، قامت دار الإفتاء المصرية، التي تأسست في أواخر القرن التاسع عشر، بتولي مهمة استطلاع هلال رمضان.تتبع الدار هذه المهمة عبر لجان شرعية وعلمية تتوزع في مختلف المناطق مثل الوادي الجديد، توشكى، وسوهاج.
يتم الإعلان عن رؤية الهلال في احتفال رسمي يُعقد بحضور شخصيات دينية بارزة مثل الإمام الأكبر، والمفتون السابقون، بالإضافة إلى عدد من الشخصيات الحكومية والسفراء.
نقل الاحتفال عبر وسائل الإعلام الرسمية
تُعد هذه الاحتفالات اليوم حدثًا كبيرًا يتم تغطيته بشكل رسمي عبر الإذاعات والقنوات المرئية، حيث يتم تلاوة آيات من القرآن الكريم، ثم يُعلن المفتي ثبوت رؤية الهلال أو عدمه، وهو ما يشير إلى بداية شهر رمضان أو إتمام شهر شعبان.4. رحلة من المقطم إلى الإعلام الحديث
مظاهر التغيير والتجديد
لقد تجسدت ليلة الرؤية في مصر عبر العصور كتقليد حضاري يمتد منذ العصر الفاطمي وحتى العصر الحاضر.بدأ من "دكة القضاة" في المقطم، مرورًا بموكب الفاطميين والعثمانيين، وصولًا إلى دار الإفتاء المصرية، التي تقدم اليوم الحدث عبر الأثير الرسمي ووسائل الإعلام.
ومع كل عصر جديد، تستمر الاحتفالات بشكل يتناسب مع التطورات الحديثة، لكنها تظل تؤكد وحدة الشعب المصري في استقبال شهر رمضان.
ليلة الرؤية في مصر ليست مجرد تقليد ديني، بل هي حدث يعكس التلاحم بين الدين والوطنية، ويُجسد صورة مشرقة عن تاريخ مصر الديني والثقافي في استقباله شهر رمضان، الذي يعد مناسبة روحانية تلهب المشاعر وتجمع القلوب في جو من الفرح والتأمل.



