أ
أ
في خطوة تعكس الجاهزية القصوى لتأمين الأمن الغذائي المصري، كشف تقرير حديث صادر عن الإدارة المركزية لمكافحة الآفات بوزارة الزراعة عن استراتيجية متكاملة لإدارة منظومة المكافحة على مستوى الجمهورية.
وأكد التقرير أن الإدارة تمثل "الذراع التنفيذي" والرقابي للوزارة، حيث تضطلع بمسؤولية التصدي لكافة التحديات الحشرية والمرضية التي تهدد الثروة الزراعية، مستندة في ذلك إلى هيكل تنظيمي يغطي كافة ربوع البلاد.
هيكلية المواجهة: ثلاث إدارات تقود معركة الحماية
تعتمد منظومة المكافحة المصرية على ثلاث ركائز أساسية، أولاها الإدارة العامة للجراد والطيران الزراعي، والتي تدير شبكة دفاعية مكونة من 56 قاعدة منتشرة من أقصى الشمال إلى خط عرض 22 جنوباً. وتلعب القواعد الحدودية في مناطق توشكة، وأبو سنبل، وديات الحدقة دوراً حيوياً في المراقبة والاستكشاف الاستباقي للجراد الصحراوي، لمنع تشكل الأسراب التي قد تعصف بالمساحات الخضراء.
أما الركيزة الثانية فهي الإدارة العامة لمكافحة الآفات، وهي المعنية بمتابعة المحاصيل الحقلية الصيفية والشتوية وبساتين الفاكهة عبر 6 مناطق جغرافية كبرى.
وفي المركز الثالث، تأتي الإدارة العامة للقوارض، التي تدير معركة دائمة ضد "الفئران" عبر 4 مراكز إقليمية، وتنفذ ثلاث حملات قومية سنوياً، وهي الإدارة التي أنقذت المحاصيل من شبح خسائر الثمانينيات التي بلغت حينها 80% في بعض القطاعات.
حصاد الصيف واستعدادات "الذهب الأصفر"
أعلن التقرير عن نجاح الموسم الصيفي المنصرم بامتياز، حيث تم القضاء على "دودة الحشد الخريفية" التي هددت محصول الذرة، دون تسجيل أي خسائر اقتصادية تذكر. ومع الانتقال للموسم الشتوي، يبرز محصول القمح كأولوية قصوى، حيث تستهدف الدولة زراعة أكثر من 3 ملايين فدان.وتعمل الوزارة حالياً على مكافحة الحشائش في مراحل النمو الأولى، بالتوازي مع رصد الأمراض الفطرية كالصدأ (الأصفر، البني، والبرتقالي).
وبشر التقرير المزارعين بنجاح البحث العلمي المصري في استنباط أصناف مقاومة للصدأ الأصفر، مع استمرار الرقابة الدقيقة لآفة "المن" وتقديم الدعم الفني الميداني عبر المهندسين الزراعيين لضمان وصول القمح إلى مرحلة "طرد السنابل" بأمان.
ثورة المكافحة الحيوية والحلول الصديقة للبيئة
في تحول نوعي نحو الزراعة النظيفة، كشف التقرير عن توسع الوزارة في استخدام الوسائل البيئية، مثل إنتاج "طفيل التريكوجراما" لمكافحة آفات القطن والطماطم، واستخدام "المفترس الأقاروسي" لحماية محاصيل الفراولة.كما تم توفير الصابون السائل لمكافحة "العفن الهبابي" في المانجو والموالح، ما ساهم في خفض تكاليف الإنتاج وتحسين جودة الثمار للتصدير.
ولم يتوقف الابتكار عند هذا الحد، بل امتد لمكافحة "سوسة النخيل الحمراء"، حيث يتم استخدام نحو 300 حاقنة متطورة لضمان وصول المبيد لعمق الإصابة، بالإضافة إلى تجربة رائدة باستخدام الكلاب البوليسية المدربة للكشف المبكر عن الإصابة قبل ظهور الأعراض البصرية، وهو ما يعد سبباً رئيسياً في استقرار وضع النخيل بمصر.
تطهير الأسواق ودعم التنافسية التصديرية
على الصعيد الرقابي، تشن الإدارة حملات تفتيشية تشمل 12 ألف محل لبيع المبيدات لضبط المستحضرات غير الشرعية والمهربة، وذلك بالتعاون مع المعمل المركزي للمبيدات. وتهدف هذه الجهود إلى ضمان عدم وجود متبقيات مبيدات تتجاوز الحدود المسموح بها، مما يعزز من سمعة الصادرات المصرية في الأسواق العالمية (أوروبا والخليج) ويقلل من نسب رفض الشحنات.
وفي ملف ذبابة الفاكهة، حقق المشروع القومي الذي أُعيد تفعيله في 2021 نجاحاً باهراً بخفض نسب الإصابة بمقدار 85% في 6 محافظات رئيسية، مما فتح آفاقاً جديدة للمصدرين المصريين.
المسؤولية المجتمعية والمكافحة الجماعية
واختتم التقرير بالإشارة إلى الدور التوعوي، حيث يتم تدريب المزارعين على الاستخدام الآمن للمبيدات وكيفية التخلص من العبوات الفارغة لحماية البيئة. كما تم تخصيص برامج توعوية للمرأة الريفية للمشاركة في حملات مكافحة القوارض الجماعية. وبخصوص "النمل الأبيض"، أكدت الوزارة تقديم خدمات المكافحة مجاناً للأسر غير القادرة، مع التدخل الفوري بناءً على شكاوى المواطنين، لضمان حماية المنشآت السكنية من التآكل.
إن هذا التقرير يبعث برسالة طمأنة للداخل والخارج، مفادها أن منظومة حماية الغذاء في مصر باتت تعتمد على العلم، الاستباقية، والرقابة الصارمة، مما يجعلها حائط صد منيعاً ضد أي تهديدات حيوية عابرة للحدود أو محلية.





