في ظل تصاعد المخاوف العالمية بشأن اضطرابات سلاسل الإمداد الغذائية وتغير المناخ، كشفت دراسة حديثة نشرتها مجلة «نيتشر فود» (Nature Food) عام 2025 حقيقة صادمة: معظم دول العالم — بما فيها القوى الاقتصادية الكبرى — غير قادرة على تحقيق الاكتفاء الغذائي الكامل، ولا تستطيع تلبية احتياجات سكانها من جميع المجموعات الغذائية الأساسية دون الاعتماد على الواردات.
ووفقاً للدراسة التي شملت تحليلاً لـ186 دولة، تبرز جمهورية غيانا (في أمريكا الجنوبية) كالاستثناء النادر الوحيد، إذ تعد الدولة الوحيدة التي تحقق الاكتفاء الذاتي الكامل في جميع المجموعات الغذائية السبع الرئيسية.

المجموعات الغذائية السبع التي شملتها الدراسة:
الفواكهالخضروات
الألبان
الأسماك
اللحوم
البروتينات النباتية (البقوليات والمكسرات والبذور)
النشويات الأساسية (الحبوب والمحاصيل النشوية)
تُنتج غيانا ما يكفي — بل وتفيض في بعض الفئات مثل الحبوب والفواكه — لتلبية احتياجات سكانها البالغ عددهم حوالي 830 ألف نسمة دون الحاجة إلى أي واردات غذائية.

قوى كبرى بعيدة عن الاكتفاء الكامل
رغم قوتها الزراعية والاقتصادية، لا تستطيع دول مثل الولايات المتحدة والصين تحقيق الاكتفاء في كل المجموعات. وأظهرت الدراسة أن الصين وفيتنام تقتربان من الهدف بتغطية 6 مجموعات غذائية من أصل 7، بينما تعاني الولايات المتحدة وكندا من نقص واضح، خاصة في إنتاج الفواكه والخضروات، وتعتمدان بشكل كبير على الاستيراد.وتكشف النتائج أن الثروة الاقتصادية لا تضمن الاكتفاء الغذائي، إذ يرجع النقص في كثير من الدول المتقدمة إلى عوامل جغرافية ومناخية تحد من التنوع الزراعي على مدار العام.
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.. تحديات كبيرة
تُصنف منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من بين المناطق الأقل تحقيقاً للاكتفاء الغذائي، ويعود ذلك أساساً إلى محدودية الموارد المائية. فالمنطقة تضم نحو 6% من سكان العالم، لكنها لا تمتلك سوى أقل من 2% من الموارد المائية المتجددة، مما يفرض قيوداً شديدة على التوسع الزراعي.اختلالات في قطاع الثروة السمكية
لا تقتصر التحديات على الزراعة البرية، بل تمتد إلى الاستزراع السمكي، حيث يتركز نحو 91% من الإنتاج العالمي في آسيا، وفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة (FAO). وهذا التركز يجعل العديد من الدول تعتمد على استيراد الأسماك رغم قدرتها على إنتاج اللحوم والمحاصيل الأخرى محلياً.الأمن الغذائي أكثر من مجرد كميات
تؤكد الدراسة أن الأمن الغذائي لا يقتصر على توفير سعرات حرارية كافية، بل يشمل قدرة الدولة على تقديم نظام غذائي متوازن يغطي كل العناصر الغذائية الأساسية.وفي ختامها، ترسم الدراسة صورة واقعية معقدة: أصبح الاكتفاء الغذائي الكامل استثناءً نادراً في عالم يعتمد بشكل متزايد على التجارة الدولية. ورغم أن التبادل التجاري يوفر حلولاً مؤقتة، إلا أن التحديات الهيكلية — من تغير المناخ إلى ندرة الموارد — تظل عائقاً أمام تحقيق استقلال غذائي حقيقي ومستدام لمعظم دول العالم.





