في السنوات الأخيرة، برزت البلازما الباردة (Cold Plasma) كإحدى أكثر التقنيات الحديثة إثارة للاهتمام في مجال علوم وتكنولوجيا الأغذية، لما تتمتع به من قدرة فريدة على تحقيق التوازن بين سلامة الغذاء وجودته دون الحاجة إلى استخدام الحرارة أو المواد الكيميائية التقليدية.
وتعد البلازما الباردة إحدى التطبيقات الحديثة للبلازما، وهي الحالة الرابعة من حالات المادة إلى جانب الصلبة والسائلة والغازية، حيث تتكوّن عندما يكتسب الغاز طاقة كافية تؤدي إلى تأينه وتحوله إلى مزيج من الجسيمات النشطة مثل الأيونات والإلكترونات والجذور الحرة. وتتميز هذه التقنية بأنها تعمل عند درجات حرارة منخفضة نسبيًا، مما يجعلها تقنية غير حرارية واعدة لمعالجة الأغذية الحساسة دون التأثير السلبي على قيمتها الغذائية أو خصائصها الحسية، وهو ما يفتح آفاقًا جديدة أمام تقنيات حفظ الغذاء الحديثة.
تعرف البلازما بأنها غاز متأين يحتوي على مزيج من الجسيمات المشحونة، بما في ذلك الإلكترونات الحرة والأيونات الموجبة إلى جانب عدد من الجزيئات النشطة كيميائيًا، والتي تمتاز بدرجة عالية من التفاعل مع المكونات المحيطة. وتعد البلازما حالة فريدة من حالات المادة نظرًا لخصائصها الفيزيائية والكيميائية المميزة.
تنقسم البلازما بشكل رئيسي إلى نوعين:
أولًا: البلازما الحرارية (Thermal Plasma)
في هذا النوع تكون جميع مكونات البلازما—من إلكترونات وجزيئات ثقيلة—في حالة اتزان حراري، حيث ترتفع درجة حرارتها بشكل كبير ومتقارب. ونتيجة لذلك، تتسم البلازما الحرارية بارتفاع شديد في درجة الحرارة، مما يجعلها غير مناسبة للتطبيقات الغذائية، إذ قد تؤدي إلى تدهور المكونات الغذائية الحساسة وفقدان خصائصها الوظيفية والحسية.ثانيًا: البلازما الباردة (Cold Plasma)
تتميز البلازما الباردة بكون الإلكترونات ذات طاقة حركية مرتفعة للغاية، في حين تبقى الجسيمات الثقيلة مثل الذرات والجزيئات عند درجات حرارة منخفضة نسبيًا تتراوح تقريبًا بين (25–60°C). ويجعل هذا الانفصال الحراري بينها تقنية غير حرارية، مما يسمح باستخدامها في معالجة الأغذية الحساسة دون إحداث تلف حراري.طرق إنتاج البلازما الباردة
يمكن توليد البلازما الباردة عبر طريقتين رئيسيتين:بلازما الضغط الجوي (Atmospheric Pressure Plasma)
تنتج مباشرة في الهواء المحيط دون الحاجة إلى تفريغ هوائي.
تتميز بصغر حجمها مع وجود مجال كهربائي عالي الكثافة.
تستخدم غالبًا في التطبيقات السطحية السريعة.
بلازما الضغط المنخفض (Low Pressure Plasma)
تنتج داخل أنظمة مفرغة من الهواء (تفريغ جزئي أو كامل).
تتيح تحكمًا أكبر في خصائص البلازما.
يمكن من خلالها إنتاج أحجام أكبر وأكثر تجانسًا.
وفي كلتا الحالتين، يتم توليد البلازما من خلال تفريغ كهربائي داخل وسط غازي يؤدي إلى تأينه وتكوين الجسيمات النشطة.
آلية التأثير الميكروبي للبلازما الباردة
تعتمد البلازما الباردة في قدرتها على التعقيم على مجموعة من التفاعلات المعقدة التي تستهدف الخلايا الميكروبية على مستويات متعددة:
تدمير غشاء الخلية
تتراكم الجسيمات المشحونة على سطح الغشاء الخلوي، مما يؤدي إلى إحداث اضطراب في بنيته وانتهاء الأمر بتمزقه وفقدان سلامته الوظيفية.أكسدة البروتينات والدهون
تؤدي الأنواع التفاعلية الناتجة عن البلازما إلى تحفيز تفاعلات أكسدة داخل الخلية، تستهدف البروتينات والدهون الحيوية، مما يسبب تعطيل وظائفها الحيوية الأساسية.إتلاف المادة الوراثية (DNA)
تساهم الأشعة فوق البنفسجية والجسيمات النشطة في إحداث تغييرات في بنية الحمض النووي (DNA)، مما يعيق عمليات التضاعف والتكاثر. وبالتالى ينتج عن هذه التأثيرات المتكاملة فقدان الخلية الميكروبية لقدرتها الحيوية على البقاء أو التكاثر، مما يؤدي إلى القضاء عليها أو تثبيط نشاطها بشكل فعال، وهو ما يفسر القوة التطهيرية العالية لتقنية البلازما الباردة في التطبيقات الغذائية الحديثة.تأثير البلازما الباردة على الخصائص الحسية والوظيفية وجودة الأغذية
تعد تقنية البلازما الباردة (Cold Plasma) من التقنيات غير الحرارية الحديثة التي أثبتت تأثيرًا واسعًا على جودة الأغذية، ليس فقط من حيث سلامتها الميكروبية، بل أيضًا من حيث الخصائص الحسية (Organoleptic properties)، والمكونات الحيوية، والخصائص الوظيفية للغذاء. ويعتمد هذا التأثير بشكل رئيسي على طبيعة الجسيمات النشطة المتولدة، مثل أنواع الأكسجين والنيتروجين التفاعلية، والتي تتفاعل مع مكونات الغذاء بدرجات متفاوتة تبعًا لظروف المعالجة.
أولًا: التأثير على الخصائص الحسية (Organoleptic Properties)
اللون (Color)يعد اللون من أهم المؤشرات الحسية التي تحدد قبول المستهلك للغذاء. ويتأثر اللون بعدة عوامل عند استخدام البلازما الباردة، من أهمها:
زمن التعرض (حيث غالبًا لا تلاحظ تغييرات كبيرة عند أزمنة أقل من 5 دقائق)
شدة التفريغ الكهربائي
طبيعة الغذاء (صلب، سائل، أو مقطع)
نوع الغاز الحامل (Carrier gas)
وقد أوضحت الدراسات الحديثة فى ذلك السياق أن زيادة زمن التعرض للبلازما في عصير الطماطم تؤدي إلى تغيرات ملحوظة في اللون الكلي، ويعزى ذلك إلى تحلل أصباغ الكاروتينويد. كما أظهر عصير التفاح تحسنًا في درجة الإضاءة مع ميول لونية أكثر اصفرارًا نتيجة حدوث أكسدة وتغيرات في البنية الكيميائية للأصباغ (Pigment isomerization).
في المقابل، لوحظت تغيرات لونية في بعض المنتجات مثل عصير جوز الهند، النقانق الجاهزة، ومعجون القرع، بينما لم تُسجل تغيرات جوهرية في أطعمة أخرى مثل الدجاج، عصير التوت الأزرق، والفراولة. ويُعزى هذا التباين إلى اختلاف طبيعة الصبغات النباتية والحيوانية، ودرجة حساسيتها للتفاعلات التأكسدية الناتجة عن البلازما.
تطبيقات البلازما الباردة في اللحوم
أشارت الدراسات الحديثة إلى إمكانية استخدام البلازما الباردة كبديل جزئي للمواد الحافظة مثل النيتريت، حيث تسهم في تحسين المظهر اللوني للحوم. فعلى سبيل المثال، أدى تطبيق البلازما على سمك الـHairtal إلى زيادة الإشراق اللوني مقارنة بالعينات غير المعاملة، ويعزى ذلك إلى تحسين قدرة البروتينات على الاحتفاظ بالماء، مما ينعكس إيجابيًا على ثبات اللون ولمعانه.القوام (Texture)
يعد القوام من الخصائص الحسية الحاسمة التي تؤثر على جودة الغذاء وإدراك المستهلك له، كما يرتبط مباشرة بقدرة المنتج على التخزين والنقل.
وقد أظهرت الدراسات أن معالجة بعض الأغذية بالبلازما الباردة تؤدي إلى تحسينات ملحوظة في القوام، ومن ذلك:
في المشروم: لم تسجل تغيرات فورية في الصلابة، إلا أن العينات المعاملة أظهرت زيادة في التماسك بعد أسبوع من التخزين مقارنة بالعينات الضابطة.
في الأسماك: أدت المعاملة إلى تحسين القوام نتيجة أكسدة البروتينات العضلية وتكثيف الشبكات البروتينية، مما عزز تماسك النسيج العضلي.
في التمور: أدى التعرض للبلازما إلى زيادة مسامية السطح، مما ساهم في تسريع فقد الماء وتحسين خصائص التجفيف.
في الفلفل والبامية والذرة: لوحظ تسريع في معدل فقد الرطوبة، وبالتالي تحسين القوام النهائي.
في اللوز والنودلز الرطبة: ارتفعت الصلابة نتيجة التفاعلات بين البلازما ومحتوى الرطوبة.
النكهة (Flavor)
تعد النكهة من أكثر الخصائص تعقيدًا وتأثرًا بالمعالجات الغذائية. وقد بينت الدراسات أن البلازما الباردة قد تؤثر عليها بشكل مزدوج.ففي بعض الحالات، مثل أسماك القاروص، أدت المعالجة إلى ظهور روائح غير مرغوبة، ويعزى ذلك إلى تسارع أكسدة الدهون بفعل الأنواع التفاعلية الناتجة عن البلازما، مما أدى إلى انخفاض القبول الحسي.
في المقابل، أظهرت بعض الدراسات تحسنًا في الطعم في اللحوم، ويرتبط ذلك بتغيرات في البنية السطحية للبروتينات وزيادة درجة الكارهية للماء (Hydrophobicity)، مما يؤثر إيجابيًا على التفاعل مع المركبات النكهية.
كما تبين أن استخدام مستخلص قشور جوز الهند كمضاد أكسدة قبل المعالجة بالبلازما ساهم في تحسين النكهة في أسماك القاروص، من خلال تقليل أكسدة الدهون ومنع تكوّن المركبات المسؤولة عن الروائح غير المرغوبة.





