تشهد أسواق النفط العالمية خلال الفترة الأخيرة حالة من الهدوء النسبي، بعد انحسار جزء كبير من علاوة المخاطر الجيوسياسية التي دفعت الأسعار إلى مستويات مرتفعة خلال الأشهر الماضية، إلا أن هذا التراجع لم ينعكس حتى الآن على أسعار الوقود في السوق المصرية، ما يعكس وجود فجوة بين حركة الأسواق العالمية وآليات التسعير المحلية.
وسجل خام برنت خلال بداية يوليو تداولات بالقرب من مستوى 72 دولارًا للبرميل، فيما استقر خام غرب تكساس الوسيط حول 68 دولارًا، في استمرار لمسار تصحيحي عقب القفزة الكبيرة التي شهدتها الأسعار خلال ذروة التوترات العسكرية بين إيران والولايات المتحدة.
ويأتي هذا التراجع مدفوعًا بعدة عوامل، أبرزها انخفاض علاوة المخاطر مع تحسن المسار الدبلوماسي، وقرار تحالف "أوبك+" زيادة الإنتاج، إلى جانب تحسن حركة صادرات النفط الخليجية مقارنة بفترة التصعيد.
ورغم هذا التحسن، فإن انعكاسه على الأسواق المحلية لا يتم بصورة مباشرة، نظرًا لاختلاف آليات احتساب الأسعار من دولة إلى أخرى.
الوقود في مصر يتحرك وفق آلية مختلفة

في السوق المصرية، لا تزال أسعار المنتجات البترولية عند مستويات الزيادة الأخيرة التي أقرتها لجنة التسعير التلقائي في مارس الماضي، حيث وصل سعر لتر بنزين 95 إلى 24 جنيهًا، وبنزين 92 إلى 22.25 جنيهًا، وبنزين 80 إلى 20.75 جنيهًا، بينما سجل السولار 20.50 جنيهًا.
ومن المنتظر أن تستأنف لجنة التسعير التلقائي اجتماعاتها خلال الربع الأول من العام المالي الجديد، إلا أن عودة اللجنة لا تعني بالضرورة حدوث انخفاض في الأسعار، إذ تعتمد قراراتها على متوسطات تكلفة الإنتاج والاستيراد خلال فترة زمنية محددة، وليس على الأسعار اليومية للنفط عالميًا.

ثلاثة عوامل تحدد اتجاه الأسعار محليًا
وأوضح د. مصطفى جاد، الخبير والأكاديمي في مجال سلاسل الإمداد والعمليات، في تصريحات خاصة لـ " اجري نيوز" أن هناك عدة عوامل تجعل انخفاض أسعار النفط عالميًا لا يترجم مباشرة إلى انخفاض في أسعار الوقود محليًا.
أول هذه العوامل أن آلية التسعير تعتمد على متوسطات دورية تتأثر بتحركات الأسعار خلال كامل الفترة المحاسبية، وبالتالي فإن الارتفاعات السابقة في الأسعار العالمية قد تستمر في التأثير على تكلفة التسعير.
أما العامل الثاني فيرتبط بحدود التغير المسموح بها في الأسعار وفق آلية التسعير، والتي تهدف إلى تحقيق توازن بين انعكاس تغيرات السوق والحفاظ على استقرار الأسعار.
ويأتي العامل الثالث باعتباره الأكثر تأثيرًا، وهو ارتباط ملف الوقود في مصر بمسار إصلاح هيكلي طويل الأمد يستهدف الوصول إلى تسعير يعكس التكلفة الفعلية، بما يجعل الاتجاه العام للأسعار مرتبطًا بالسياسات الاقتصادية طويلة المدى وليس فقط بالتقلبات قصيرة الأجل.

تحسن الجنيه يدعم الاستقرار لكنه لا يكفي
وأضاف د. جاد أن تحسن سعر صرف الجنيه أمام الدولار يمثل عاملًا إيجابيًا في تقليل الضغوط على تكلفة الاستيراد، خاصة مع ارتفاع تدفقات النقد الأجنبي خلال الفترة الأخيرة، إلا أن استمرار هذا التحسن يظل مرتبطًا بقدرة الاقتصاد على جذب موارد دولارية مستدامة.وأشار إلى أن قوة العملة المحلية في الفترة الحالية ترتبط بعدة عوامل، منها تحويلات المصريين بالخارج، وتحسن تدفقات الاستثمار الأجنبي في أدوات الدين، إلى جانب التطورات المرتبطة ببرنامج الإصلاح الاقتصادي، لكنها تحتاج إلى دعم من مصادر أكثر استدامة مثل زيادة الصادرات والإيرادات الإنتاجية.
تأثير مباشر على سلاسل الإمداد والتكاليف التشغيلية
وأكد الخبير والأكاديمي في مجال سلاسل الإمداد والعمليات أن استمرار الفجوة بين انخفاض أسعار النفط عالميًا وثبات أسعار الوقود محليًا يعني أن تكاليف النقل والشحن والخدمات اللوجستية قد تظل عند مستوياتها الحالية خلال الفترة المقبلة.ولفت إلى أهمية عدم بناء خطط التكلفة قصيرة الأجل على توقعات بانخفاض سريع في أسعار الطاقة، موضحًا أن الشركات والمصنعين والموزعين يحتاجون إلى متابعة قرارات لجنة التسعير المقبلة باعتبارها المؤشر الأهم على اتجاه السوق المحلي.
واختتم د. مصطفى جاد بالتأكيد على أن تراجع أسعار النفط عالميًا وتحسن سعر الجنيه المصري يمثلان تطورين إيجابيين، لكن انتقال أثرهما إلى السوق المحلية يحتاج إلى المرور عبر منظومة التسعير والاعتبارات الاقتصادية الكلية، مشيرًا إلى أن مسار الإصلاح الهيكلي سيظل العامل الأكثر تأثيرًا في مستقبل تكلفة الطاقة داخل الاقتصاد المصري.







