أ
أ
في البداية، اقتصر استهلاك زيت السمك على تأمين احتياجات الجسم من فيتامينَي (أ) و(د)، بوصفهما من المغذيات الدقيقة الضرورية للحفاظ على التوازن الداخلي للجسم (Homeostasis).
ولم يلتفت العالم إلى الأهمية البالغة للأحماض الدهنية البحرية متعددة غير المشبعة (أوميجا-3) إلا في منتصف سبعينيات القرن الماضي، بفضل الدراسة الشهيرة التي نشرت حول النظام الغذائي لشعب (الأسكيمو).
شعب الإسكيمو
تمتع سكان القطب الشمالي بصحة قلب ممتازة للغاية، رغم تناولهم كميات هائلة من الدهون والكوليسترول, كانت هذه النتائج صادمة؛ لأن الأبحاث وقتها كانت تربط دائماً بين الأنظمة الغذائية الغنية بالدهون وأمراض القلب, تبيّن أن الاختلاف الجوهري يكمن في مصدر الدهون؛ فبينما تعتمد الشعوب الأخرى على، دهون حيوانية ونباتية برية، يعتمد شعب الإسكيمو على مصادر بحرية نيئة (مثل لحوم الحيتان، الفقمات، والأسماك).الخلاصة العلمية
يُعزى هذا الأثر الوقائي إلى حمضين دهنيين رئيسيين من عائلة أوميجا-3حمض إيكوزابنتاينويك ويُرمز له اختصاراً بـ(EPA, C20:5)
حمض دوكوزاهكسينويك ويُرمز له اختصاراً بـ(DHA, C22:6)
وقد رُصدت ظواهر صحية مماثلة لاحقاً في مجتمعات أخرى تعتمد على الأغذية البحرية ومضادات الأكسدة (كاليروفينول)، مثل المجتمع الياباني ودول حوض البحر الأبيض المتوسط.
تحديات العصر الحديث وأمراض نمط الحياة
تسببت التكنولوجيا الحديثة في تحويل حياتنا إلى نمط سريع ومريح، لكنها فرضت في المقابل ضريبة صحية باهظة؛ حيث ظهرت "أمراض نمط الحياة" نتيجة لعدة عوامل: العادات الغذائية السيئة (الأطعمة السريعة والمصنعة الغنية بالدهون المشبعة والمتحولة).
نقص المغذيات الحيوية والإفراط في استهلاك السعرات الفارغة.
قلة النشاط البدني، وضغوط العمل، واضطراب الساعة البيولوجية.
التفاعل بين الجينات والبيئة
تحدد الجينات مدى استعدادنا للمرض، لكن العوامل البيئية والتغذوية هي التي تحسم إصابتنا الفعلية من عدمها.إن جيناتنا الحالية تشكلت قبل 40 إلى 50 ألف سنة لتلائم طعام أسلافنا، بينما شهد نظامنا الغذائي المعاصر انقلاباً جذرياً خلال الـ 150 سنة الماضية بسبب التصنيع الزراعي، مما أحدث فجوة بيولوجية تتطلب منا إعادة النظر في خياراتنا الغذائية.
التركيب البيولوجي لدهون الأسماك ومصادرها
تُعد الأسماك من أفضل وأرخص المصادر الغذائية للبروتينات والدهون عالية القيمة. ويتسم التركيب الكيميائي لدهون الأسماك بالتعقيد والتنوع, وتعمل الدهون الفوسفاتية والستيرولات كعناصر بنائية لأغشية الخلايا, و تساعد المكونات الأخرى السمكة في تخزين الطاقة وضبط قدرتها على العوم.التمايز بين أسماك المياه العذبة والمالحة
تحتوي دهون الأسماك على مزيج من الأحماض الدهنية الأحادية الغير المشبعة و الأحماض الدهنية المتعددة مشبعة وغير مشبعة ..بالأسماك المياه العذبة والأسماك البحرية والأخيرة تعد مخزن للأحماض الدهنية الغنية بأوميجا 3 يرتفع , يُطلق اسم "أوميجا-3" لأن الرابطة الكيميائية المزدوجة الأولى تقع عند ذرة الكربون الثالثة من طرف الميثيل في السلسلة الكربونية.
التطبيقات الطبية والتجارية لزيوت الأسماك
مركّب السكوالين (Squalene)
يحتوي زيت قروش أعماق البحار على نسبة نقاء تصل إلى 90% من السكوالين، وهو مركب حيوي يُستخدم في الصناعات الدوائية ومستحضرات التجميل. وقد نجح المعهد المركزي لتكنولوجيا مصايد الأسماك في تطوير تقنيات لاستخلاص السكوالين عالي النقاء وفصله، بجانب ابتكار تكنولوجيا استخلاص الأحماض الدهنية لتعزيز الأمن الغذائ.
تتوفر أوميجا-3 في الأسواق بعدة أشكال (زيوت سائلة، كبسولات، زيت كبد القد، وزيت كبد القرش)، وتتميز زيوت الكبد باحتوائها الإضافي الطبيعي على فيتامينات (أ) و(د). ونظراً لفوائدها الهائلة، أصبحت تُستخدم على نطاق واسع في تدعيم :
منتجات المخابز.
منتجات الألبان (كالحليب والزبادي).
عصائر الأطفال وتركيبات حليب الرضع.
الفوائد الصحية المدعومة علمياً لأحماض أوميجا-3.
أ. صحة القلب والأوعية الدموية
تُعزى معظم أمراض القلب إلى الالتهابات المزمنة وضيق الشرايين بفعل اللويحات العصيدية (تصلب الشرايين) أو التخثر.آلية العمل
تعمل أوميجا-3 على خفض تجمع الصفائح الدموية (زيادة مرونة الدم وتمديد وقت النزيف بنسب آمنة)، وزيادة تقلب معدل ضربات القلب. تأثيرها على الدهون
تُقلص تركيز الدهون الثلاثية الضارة في الدم بنسبة % 30 وترفع في المقابل الكوليسترول الجيد.ب. مكافحة الأورام السرطانية
أظهرت الدراسات الوبائية (مثل الأبحاث المجراة في السويد وأمريكا) أن الاستهلاك طويل الأمد للأسماك الدهنية يُبطئ نمو الأورام والتطور النسيجي المرضي، لا سيما في سرطانات الثدي، القولون، والبروستاتا، من خلال تثبيط العمليات البيوكيميائية التي تلي نشوء الخلايا السرطانية.ج. الأمراض الالتهابية والمناعية
التهاب الأمعاء
يحمي أوميجا-3 من أعراض مرض كرون والتهاب القولون التقرحي, وقد أثبتت الدراسات أن الأشخاص الذين ينخفض لديهم معدل استهلاك أوميجا-6 إلى أوميجا-3 تراجع خطر إصابتهم بمرض كرون بنسبة 21%.التهاب المفاصل
تعمل كعوامل علاجية تخفف من تصلب المفاصل الصباحي وتقلل من آلامها (تحسن مؤشر ريتشي للمفاصل).الأمراض الجلدية
تُسهم في موازنة الوسائط الالتهابية لعلاج الصدفية والإكزيما، وتوفر حماية ضوئية للبشرة ضد الأضرار والتغيرات الخلوية الناتجة عن الأشعة فوق البنفسجية.د. الصحة العقلية والوظائف العصبية
يتكون الدماغ في وزنه الجاف بنسبة 50% إلى 60% من الدهون ودور الدهون هام فى النمو العصبى .وأكدت( دراسات فى فنلندا) وجود علاقة عكسية بين تناول السمك والاكتئاب؛ حيث تعمل أوميجا-3 على تنظيم السيتوكينات المسببة للالتهاب المرتبطة بالاضطرابات النفسية.
هـ. نمو وتطور الجنين
الوقاية من الإعاقات
يقي تناول أوميجا-3 أثناء الحمل من إصابة الجنين بضعف النشاط البصري، الخلل المخيخي، التراجع الإدراكي، والاضطرابات العصبية.تقليل الولادات المبكرة
يرفع تركيز الأحماض الدهنية في أنسجة الجنين ويطيل فترة الحمل، مما يحمي الرضيع من مخاطر الولادة المبكرة الحماية من الحساسية
يقلل استهلاك الأم لأوميجا-3 من احتمالية إصابة الطفل بالحساسية مستقبلاً عبر خفض الخلايا المسببة للالتهاب.واخيرا حكمة قديمة تؤكد دائماً أن "أنت ما تأكله"
الغذاء هو الوقود الأساسي لصحتنا العقلية والبدنية. وفي ظل تعقد نمط الحياة اليومية ، يصبح دمج المأكولات البحرية والأسماك في نظامنا الغذائي ضرورة حتمية وليس مجرد رفاهية، كونها تمنح البشرية التوليفة الغذائية المثلى والوقاية الطبيعية لحياة مديدة وصحية.
إعداد/ د. علياء جمال محمود-باحث – مركز البحوث الزراعية – معهد تكنولوجيا الأغذية





