تُعد صناعة الألبان أحد أهم قطاعات الصناعات الغذائية في مصر، إذ تساهم بصورة مباشرة في تحقيق الأمن الغذائي وتوفير البروتين الحيواني لمختلف فئات المجتمع.
إلا أن هذه الصناعة أصبحت أكثر عرضة للتقلبات الناتجة عن التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، خاصة مع استمرار الصراعات الإقليمية وتأثر الملاحة في البحر الأحمر، والاضطرابات التي طالت مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الطاقة ومدخلات الإنتاج.
وقد انعكس ذلك على تكاليف إنتاج اللبن الخام، وأسعار الأعلاف، والنقل، والتعبئة والتغليف، بالإضافة إلى اضطراب سلاسل الإمداد العالمية للمنتجات اللبنية ومستلزمات تصنيعها.
وتشير التحليلات الحديثة إلى أن التأثير لا يقتصر على ارتفاع الأسعار، بل يمتد إلى تغير أنماط الاستهلاك، وتراجع القوة الشرائية، وزيادة المخاطر الاستثمارية في قطاع الصناعات الغذائية.
شهد الشرق الأوسط خلال الأعوام الأخيرة تصاعداً في الأزمات السياسية والعسكرية، مما أدى إلى اضطرابات متكررة في حركة التجارة الدولية وأسواق الطاقة العالمية.
وتعد مصر من الدول التي تتأثر بصورة غير مباشرة بهذه الأحداث، نظراً لاعتمادها على استيراد نسبة كبيرة من مدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي، وخاصة الذرة والصويا المستخدمة في صناعة الأعلاف، بالإضافة إلى بعض خامات التعبئة والتغليف والمعدات الصناعية.
وتعتبر صناعة الألبان من أكثر الصناعات حساسية لهذه المتغيرات، لأنها تعتمد على سلسلة إنتاج تبدأ بإنتاج الأعلاف وتنتهي بوصول المنتج النهائي للمستهلك، وأي زيادة في تكلفة أحد عناصر السلسلة تنعكس مباشرة على تكلفة المنتج النهائي.
كما أن اضطراب طرق الشحن وارتفاع أسعار الوقود يزيدان من تكاليف النقل والتوزيع ويؤثران في القدرة التنافسية للمنتجات المصرية.
أولاً: إنعكاسات التوترات الجيوسياسية على الإقتصاد الغذائي
تؤثر الأزمات الجيوسياسية في القطاع الغذائي من خلال خمسة محاور رئيسية:إرتفاع أسعار النفط والغاز وزيادة تكاليف النقل البحري وإضطراب سلاسل الإمداد العالمية وإرتفاع أسعار الأسمدة والأعلاف وزيادة معدلات التضخم وإنخفاض القوة الشرائية للمستهلكين.
ثانياً: تأثيرها على إنتاج اللبن الخام في مصر
إرتفاع تكلفة الأعلاف
تمثل الأعلاف أكثر من 60–70% من تكلفة إنتاج اللبن في مزارع الأبقار والجاموس.ومع اضطراب التجارة العالمية ارتفعت أسعار: الذرة الصفراء وفول الصويا والإضافات العلفية والفيتامينات والأحماض الأمينية.
مما أدى إلى: زيادة تكلفة إنتاج الكيلو جرام من اللبن وإنخفاض هامش الربح لدى المربين وخروج بعض صغار المنتجين من السوق.
إرتفاع أسعار الطاقة
تعتمد صناعة الألبان على الطاقة في: تشغيل محالب اللبن والتبريد والبسترة والتعقيم ولتخزين المبرد والنقل المبرد.ولذلك فإن أي زيادة في أسعار الوقود أو الكهرباء تنعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج. وتشير تحليلات حديثة إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة كان أحد أسرع القنوات التي انتقلت عبرها آثار التوترات الإقليمية إلى قطاع الألبان عالميًا.
ثالثاً: تأثيرها على الصناعات اللبنية
تتأثر جميع المنتجات اللبنية بدرجات مختلفة.اللبن المبستر والمعقم
زيادة تكلفة التشغيل وزيادة تكلفة العبوات وإرتفاع تكلفة النقل.الزبادي
إرتفاع أسعار العبوات البلاستيكية وزيادة تكاليف التبريد.الجبن
تعتبر صناعة الجبن الأكثر تأثراً لأنها تعتمد على: المنفحة وبادئات البكتريا والإنزيمات ومواد التعبئة وجميعها تعتمد بدرجات متفاوتة على الإستيراد.الزبد والسمن
تتأثر بإرتفاع تكلفة اللبن الخام والطاقة والتخزين والشحن.رابعاً: تأثير اضطراب النقل البحري
أدت الاضطرابات في البحر الأحمر ومضيق هرمز إلى:زيادة مدة الشحن وإرتفاع أسعار التأمين البحري وزيادة تكلفة الحاويات وتأخير وصول المواد الخام.
وقد أدى ذلك إلى ارتفاع تكلفة مستلزمات تصنيع الألبان والمنتجات النهائية في العديد من الأسواق.
خامساً: التأثير على المستهلك المصري
أدت هذه المتغيرات إلى: إرتفاع أسعار معظم المنتجات اللبنية وإنخفاض استهلاك بعض المنتجات مرتفعة الثمن وزيادة الطلب على المنتجات الاقتصادية وتوسع الشركات في إنتاج عبوات أصغر وزيادة المنافسة بين العلامات التجارية المحلية.التوصيات
•التوسع في إنتاج الأعلاف محليًا لتقليل الاعتماد على الاستيراد.•دعم صغار مربي الأبقار والجاموس.
•تشجيع تصنيع مستلزمات صناعة الألبان محليًا (البادئات، المنفحة، مواد التعبئة).
•زيادة استخدام الطاقة الشمسية والغاز الحيوي في مزارع الألبان.
•تنويع مصادر الإستيراد وتقليل مخاطر الإعتماد على مسارات شحن محددة.
•إنشاء مخزون استراتيجي من مدخلات صناعة الألبان.
إعداد دكتورة/ محاسن محمود محمد
مركز البحوث الزراعية - معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية - قسم بحوث تكنولوجيا تصنيع الألبان





