الأحد، 03 ربيع الأول 1448 ، 16 أغسطس 2026

د. محمود السيد يكتب.. تقنيات إنتاج منتجات الألبان منخفضة أو خالية اللاكتوز

د-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered
د. محمود إبراهيم السيد
أ أ
techno seeds
techno seeds
يعاني الكثير من المستهلكين حول العالم من عدم تحمل اللاكتوز، حيث يُصعّب عليهم تناول منتجات الألبان العادية. ونتيجةً لذلك، نشأ سوقٌ لمنتجات الألبان منخفضة/خالية اللاكتوز. ومن المعروف أن اللاكتوز يُشكّل ما يقرب من ثلث المادة الجافة في اللبن، ويؤثر أي تغيير في نسبته على الخصائص الحسية للمنتج، مثل النكهة والملمس.

لذا، يُعدّ تغيير نسبة اللاكتوز دون التأثير بشكلٍ ملحوظ على جودة المنتج الحسية تحديًا يواجه العديد من المنتجين. ولذلك نتناول في هذا المقال شرح كيفية أو آلية إنتاج منتجات الألبان الخالية أو منخفضة اللاكتوز، والعوامل المهمة التي يجب مراعاتها لضمان جودة عالية للمنتج النهائي.

وفي البداية لابد أن نتعرف سوياً علي سكر اللاكتوز وتركيبه وصفاته. فاللاكتوز هو السكر الموجود طبيعياً في اللبن ومنتجات الألبان. ويشكل اللاكتوز حوالي  4.5 % تقريباً من مكونات لبن الإبقار، مع اختلافات طفيفة في هذه النسبة وتكون ناتجة عن عوامل مختلفة مثل عمر البقرة، ومرحلة الحليب، والتغذية، والموسم.

أما من الناحية الكيميائية أو التركيبية، فاللاكتوز هو سكر ثنائي يتكون من وحدتين سكريتين أحاديتين هما الجلوكوز والجلاكتوز، واللتان ترتبطان معاً برابطة جليكوسيدية  β-(1 – 4). ويعتبر الإنسان هو النوع الوحيد من الثدييات الذي يستمر في استهلاك اللبن وهضمه يوميًا حتى تقدم العمر.

ويعود ذلك إلى إنزيم طبيعي موجود في الجهاز الهضمي، ويلعب دورًا هامًا في هضم وامتصاص سكريات اللبن، وهذا الإنزيم يسمي بإنزيم اللاكتيز.

يقوم هذا الإنزيم بكسر الرابطة بين وحدتي السكر الأحادي في جزيء اللاكتوز، منتجاً بذلك جزيء جالاكتوز وجزيء جلوكوز، اللذين يمكن امتصاصهما في الأمعاء الدقيقة.

ماذا تعرف ظاهرة عدم تحمل اللاكتوز؟

عدم تحمل اللاكتوز هو متلازمة هضمية ذات أعراض محددة تتفاوت في شدتها من شخص لآخر، وتنتج هذه المتلازمة عن نقص إنزيم اللاكتيز، وهو ما يؤدي إلى عجز جزئي أو كلي عن هضم سكر اللاكتوز.  

وقد ينتج عن هذه الظاهرة العديد من الأعراض الصحية مثل ألم في البطن، وانتفاخ، وإسهال بعد تناول اللبن ومنتجات الألبان الأخرى. ويختلف مستوى اللاكتوز الذي يُسبب هذه الأعراض من شخص لآخر.

كما تتأثر شدة الأعراض بالأصل العرقي، والعوامل الوراثية، والجنس، والعمر، وتكرار استهلاك اللاكتوز، بالإضافة إلى نوع المنتج الذي يحتوي عليه سواء كان لبن أو زبادي أو جبن، إلخ.

وقد يحدث عدم تحمل اللاكتوز للمرة الأولي لدى البشر بعد إنتهاء فترة الرضاعة الطبيعية (مرحلة الطفولة)، عندما يتوقف إنتاج إنزيم اللاكتيز الذي يُعاد تنظيمه جينيًا.

وقد ثبت أيضًا أن نقص اللاكتيز أو إستمرار إفرازه داخل الجسم قد يكون مرتبطًا بعوامل عرقية. فقد وجد أن بعض المجتمعات يستمر إنتاج اللاكتوز لديهم حتى مرحلة البلوغ، بينما قد تعاني مجتمعات أخرى والتي لا تمتلك هذه الخاصية من عدم تحمل اللاكتوز.

وقد أظهرت الدراسات الوبائية أن حوالي 70% من سكان العالم يعانون من سوء امتصاص اللاكتوز، وأن معدل انتشار هذه الظاهرة يصل إلى 95% إلى 100% في بعض الدول الآسيوية والأفريقية.

ومن المهم التأكيد على أن عدم تحمل اللاكتوز يختلف عن حساسية الحليب، وهي رد فعل مناعي خطير قد يهدد الحياة تجاه واحد أو أكثر من بروتينات اللبن. وتنصح الأنظمة الغذائية المعتمدة الأشخاص الذين يعانون من عدم تحمل اللاكتوز بتناول منتجات ألبان منخفضة أو خالية من اللاكتوز حسب طبيعة الحالة.

ما هو الفرق بين المنتجات المنخفضة والخالية من اللاكتوز؟

يعتمد تصنيف منتجات الألبان إلى خالية من اللاكتوز أو منخفضة اللاكتوز على معدل خفض محتوي اللاكتوز، وقد يختلف هذا التصنيف من بلد لآخر تبعًا للوائح والمواصفات القياسية المحلية.

لا تزال بعض الدول تفتقر إلى معايير تنظيمية محددة لفئتي المنتجات الخالية أو المنخفضة اللاكتوز، ولكن هناك العديد من الأسواق المنتشرة عالمياً تحتوي المنتجات المصنفة على أنها منخفضة اللاكتوز ( أي تحتوي علي أقل من 1% لاكتوز)، والمنتجات الخالية من اللاكتوز ( تحتوي على أقل من 0.01% لاكتوز).

كيف يمكن خفض محتوي اللاكتوز في اللبن؟

يمكن تقليل كمية اللاكتوز أو إزالته بالكامل تقريبًا من اللبن باستخدام عدة طرق منها التحلل الإنزيمي، أو الترشيح الغشائي، أو مزيج من الاثنين معا. ومع ذلك، يكمن التحدي الأكبر لعملية إزالة أو تقليل محتوى اللاكتوز في الحفاظ على نفس جودة المنتج النهائي كما هو الحال في منتجات الألبان القياسية. وهناك عدد كبير جدا من الطرق المستخدمة  في تقليل أو أزالة اللاكتوز من اللبن ومنتجاته ومن أشهر الطرق ما يلي:

طريقة التحلل الإنزيمي : حيث تتضمن عملية التحلل الإنزيمي إضافة إنزيم اللاكتيز (β-galactosidase) إلى اللبن أثناء التصنيع، مما يجعله قابلاً للهضم من قبل الأشخاص الذين لا تفرز أجسادهم هذا الإنزيم. وهي التقنية الأكثر شيوعًا لتقليل محتوى اللاكتوز في منتجات الألبان.

مع ذلك، قد يؤدي استخدام التحلل الإنزيمي وحده إلى تغيير في جودة المنتج النهائي، حيث يزيد من حلاوته، وفي بعض الحالات قد يسبب تغير في لون المنتج. لذلك فإنه من المهم أن نفهم هذه التقنية جيدًا للحد من هذه التأثيرات والمحافظة علي الصفات القياسية المميزة للمنتج.

وتعتبر المصادر الميكروبية مثلAspergillus oryzae  و Kluyveromyces lactis. من أشهر مصادرالإنزيم المستخدم علي النطاق الصناعي. وهناك عدة طرق لمعاملة اللبن بإنزيم اللاكتيز. الطريقة الأولي هي  نظام الدفعات(Batch)  حيث يتم إضافة الإنزيم للبن قبل البسترة، تتطلب جرعات كبيرة من الإنزيم.

أما الطريقة الثانية فهي الطريقة المعقمة (Aseptic) وفيها يتم حقن الإنزيم في اللبن المبرد بعد المعاملة بنظام الحرارة الفائقة (UHT) قبل التعبئة مباشرة. وبالإضافة إلي ذلك، هناك طريقة الإنزيم المثبت (Immobilized Lactase ) والتي تتيح إعادة استخدام الإنزيم لمرات عديدة (15-20 دورة)، مما يقلل التكاليف ويمنع وجود الإنزيم في المنتج النهائي.

وفي هذه الطريقة يتم تثبيت الإنزيم علي الأسطح الداخلية للأنابيب التي يمر داخلها اللبن، مثل أنابيب الكربون النانوية، أنانبيب ثاني أكسيد السيليكون النانوية، الأنابيب النانوية من الهالويسيت، والغرافين، وغيرها. وخلال تدفق اللبن داخل هذه الأنابيب يقوم الإنزيم يتكسير اللاكتوز.

طرق الترشيح الغشائي: حيث يمكن استخدام الترشيح الغشائي لفصل المكونات المختلفة في اللبن، مما يتيح إمكانية استبعاد جزء من اللاكتوز في المنتج النهائي.

وهذا بدوره يساعد على تجنب التغيرات الكبيرة في حلاوة المنتج الناتجة عن تحلل اللاكتوز أثناء تقنية التحلل الإنزيمي. وتعتبر أغشية أكسيد الجرافين (Graphene Oxide Membranes) أحد أهم التقنيات الواعدة في هذا المجال ، حيث تسمح للاكتوز بالانتشار عبر قنوات نانوية مخصصة، موفرة بذلك تدفقاً للاكتوز بمعدل أعلى بكثير من الأغشية التجارية التقليدية.

كما أنها تقاوم الانسداد (Fouling) وتتميز بقدرة ممتازة على استعادة تدفق المياه بعد التنظيف. وهناك أيضا تقنية الأغشية المقترنة (Coupling Membranes)، وهي تقنية مبتكرة تتغلب على صعوبة فصل الجزيئات المتقاربة، حيث يتم أولاً احتجاز الجزيئات الكبيرة مثل البروتينات والدهون باستخدام الترشيح الفائق (Ultrafiltration)، ثم تُفصل المعادن بواسطة الديلسة الكهربائية  (Electrodialysis)، ثم يُستعاد اللاكتوز النقي بإستخدام الترشيح النانوي (Nanofiltration) مما يسمح بإنتاج لبن مجفف منخفض اللاكتوز، و كذلك الحصول على لاكتوز مجفف عالي النقاوة كمنتج ثانوي.

إضافة إلي ذلك، هناك طريقة الترشيح بإستخدام أغشية السيراميك (Ceramic Microfiltration Membranes) ، والتي تتميز بمعدلات تدفق ونفاذية عالية وقدرة ممتازة على احتجاز البروتينات لإنتاج لبن منخفض اللاكتوز.

كما قامت العديد من الدراسات بالإستعانة بتقنية الموجات فوق الصوتية كعامل مساعد في عملية الترشيح (Ultrasound-Assisted Filtration) ، حيث أدت إلي تقليل انسداد الأغشية الناتج عن تراكم البروتينات بنسبة تصل إلى 32% تحت طاقة تشغيل مثالية.

طريقة التخمير (Fermentation): فقد وجد ان التخمير الطبيعي يقلل من محتوى اللاكتوز في اللبن بنسبة 20-30%. كما تؤثر طريقة التصنيع وطبيعة المنتج علي محتواه من اللاكتوز.

فمثلاً الألبان المتخمرة المركزة مثل الزبادي اليوناني واللبنة وغيرها تنخفض فيها نسبة اللاكتوز جدا مقارنة بالزبادي العادي واللبن الرائب بسبب عملية التركيز والتخلص من جزء كبير جدا من الشرش الغني باللاكتوز.

كذلك نجد الأجبان الصلبة (ذات المحتوي الرطوبي المنخفض) مثل جبن البارميزان والجبن الرومي (الراس) وغيرها، تعد شبه خالية من اللاكتوز، لأن معظم اللاكتوز يخرج مع شرش اللبن خلال عمليات الكبس القوية لأقراص الجبن، كما يتحول أي متبقيات أخري من اللاكتوز إلى حمض لاكتيك أو لاكتات أثناء التسوية.

التدعيم بالبروبيوتك: فعلاوة علي دورها في تخمير اللاكتوز وتحويله إلي حامض لاكتيك ، فقد وجد أن تدعيم منتجات الألبان ببعض سلالات البروبيوتك مثلBifidobacterium longum  وLactobacillus rhamnosus  تساعد علي التخلص من بعض الأعراض المصاحبة لعدم تحمل اللاكتوز مثل الانتفاخ والإمساك.

وختاما، فإن تطور تقنيات إنتاج الألبان الخالية من اللاكتوز لم يعد يقتصر على مجرد إزالة السكر، بل امتد ليشمل تحسين الكفاءة الإنتاجية وتعزيز القيمة الغذائية.

ويكمن مستقبل هذا القطاع في استخدام الهندسة الوراثية لتطوير إنزيمات أكثر استقراراً، وتقنيات أغشية متطورة تضمن منتجات تضاهي أو تتفوق على الألبان التقليدية في خصائصها الحسية والوظيفية.

د. محمود إبراهيم السيد
معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية- مركز البحوث الزراعية
اشترك في قناة اجري نيوز على واتساب اشترك في قناة اجري نيوز على جوجل نيوز
icon

الأكثر قراءة