أكد الدكتور مصطفى عمارة، المتحدث الرسمي لمركز البحوث الزراعية بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، أن التعاون المصري الصيني في المجال الزراعي يمثل فرصة استراتيجية لتعزيز الأمن الغذائي، ليس في مصر فقط، وإنما في المنطقة العربية والقارة الإفريقية، في ظل ما يشهده العالم من تحديات متزايدة مرتبطة بالتغيرات المناخية وندرة المياه وارتفاع الطلب على الغذاء.
وقال عمارة إن مصر تأتي في مقدمة الدول التي تحرص الصين على تعزيز علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية معها، موضحًا أن العلاقات بين البلدين تستند إلى تاريخ طويل من التواصل، إلى جانب وجود إرادة سياسية مشتركة لتوسيع مجالات التعاون ودعم التنمية والسلام.
وأضاف أن التعاون الزراعي بين مصر والصين يشهد طفرة استراتيجية، خاصة مع الاتجاه إلى الانتقال من مرحلة تبادل الزيارات والخبرات إلى تنفيذ مشروعات بحثية وتطبيقية مشتركة تعتمد على التكنولوجيا الحديثة، والزراعة الذكية، والابتكار، وسلامة الغذاء، وتحليل الملوثات.
عمارة: الزراعة الذكية محور رئيسي في التعاون المصري الصيني
وأوضح المتحدث الرسمي لمركز البحوث الزراعية أن أحد أهم محاور التعاون بين الجانبين يتمثل في تطوير تقنيات الزراعة الذكية لمواجهة التغيرات المناخية وترشيد استخدام الموارد المائية، لافتًا إلى وجود تعاون بحثي بين مركز البحوث الزراعية وعدد من المؤسسات والمعاهد العلمية الصينية في مجال تطوير المحاصيل الاستراتيجية.وأشار إلى أن هذا التعاون يستهدف تطوير أصناف من الأرز الهجين والذرة وفول الصويا تتمتع بقدرة أكبر على تحمل الجفاف والملوحة والإجهادات البيئية، بما يساهم في زيادة الإنتاجية وتحسين قدرة القطاع الزراعي على مواجهة الظروف المناخية المتغيرة.
ولفت عمارة إلى أهمية استخدام نظم المعلومات والتقنيات الرقمية في إدارة عمليات الري وقياس رطوبة التربة، إلى جانب تطوير نظم الري الحقلي وتطبيق تقنيات الاستشعار عن بعد، بما يساعد على تحقيق أعلى إنتاجية ممكنة مع خفض استهلاك المياه.
تعاون بحثي في سلامة الغذاء وتحليل الملوثات
وأكد أن التعاون المصري الصيني لا يقتصر على الإنتاج الزراعي، وإنما يمتد إلى منظومة سلامة الغذاء، من خلال تبادل الخبرات والتكنولوجيات الحديثة في مجال تحليل متبقيات المبيدات والعناصر الثقيلة والملوثات.وأوضح أن المعمل المركزي لتحليل متبقيات المبيدات والعناصر الثقيلة في الأغذية يمثل أحد مجالات التعاون المهمة مع المؤسسات العلمية الصينية، بما يسهم في تطوير تقنيات الفحص والتحليل ورفع كفاءة منظومة سلامة الغذاء، سواء للمنتجات المتداولة محليًا أو الموجهة للتصدير.
وأضاف أن إنشاء مكتب إقليمي للمركز الصيني الإفريقي المشترك للأبحاث SAJOREC في القاهرة يمثل خطوة مهمة لتعزيز التعاون مع القارة الإفريقية، ونقل الخبرات والتكنولوجيات المرتبطة بالزراعة المستدامة إلى دول القارة.
خطة عمل جديدة للتعاون الزراعي بين مصر والصين
وأشار عمارة إلى أن وزارة الزراعة المصرية تعمل على تجديد خطة العمل التنفيذية للتعاون الزراعي المشترك الموقعة عام 2023، بهدف تطويرها والارتقاء بها إلى مستوى أكثر استراتيجية، بما يحقق استفادة أكبر لمصر ويمتد أثرها إلى المنطقة العربية وإفريقيا.وأوضح أن الخطة تستهدف التوسع في مجالات التكنولوجيا الزراعية والزراعة الذكية، وتطوير تقنيات التحكم في الري والرطوبة ودرجات الحرارة، إلى جانب برامج التنبؤ الزراعي لمواجهة آثار تغير المناخ.
كما تشمل مجالات التعاون المتوقعة بحوث التربة والمياه والاستشعار عن بعد، واستصلاح الأراضي باستخدام التقنيات الحديثة، وتطوير أصناف عالية الإنتاجية تتحمل الجفاف والملوحة، فضلًا عن تطوير نظم إدارة ومراقبة مبيدات الآفات الزراعية.
توطين صناعة مستلزمات الإنتاج والمبيدات
وأكد عمارة أن توطين صناعة مستلزمات الإنتاج الزراعي يمثل أحد الملفات المهمة في التعاون المصري الصيني، خاصة في ظل الحاجة إلى تقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز قدرات التصنيع المحلي.وأوضح أن التعاون مع المؤسسات الصينية المتخصصة يمكن أن يسهم في نقل الخبرات والتكنولوجيات الخاصة بإنتاج الآلات والمعدات الزراعية والمبيدات، مع العمل على إنشاء قاعدة صناعية محلية لإنتاج مبيدات عالية الجودة وفقًا للمعايير الدولية.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة يمكن أن تشهد مزيدًا من الشراكات الاستثمارية في مجالات التصنيع الزراعي وسلاسل الإمداد، بما يحقق قيمة مضافة للقطاع الزراعي المصري ويدعم تنافسية المنتجات المحلية.
168 مليون دولار عقود تصديرية مع مشترين صينيين
وفيما يتعلق بالتبادل التجاري، أوضح المتحدث الرسمي لمركز البحوث الزراعية أن فتح الأسواق الصينية أمام مزيد من الحاصلات الزراعية المصرية يمثل محورًا رئيسيًا في التعاون بين البلدين.وأشار إلى نجاح مصر في تصدير عدد من المنتجات الزراعية إلى الصين، من بينها الرمان والبلح والفراولة المجمدة، مع استمرار العمل على فتح السوق الصينية أمام منتجات جديدة، وفي مقدمتها المانجو.
وأضاف أن الشركات المصرية وقعت خلال أغسطس 2026 عقودًا تصديرية مع مشترين صينيين بلغت قيمتها نحو 168 مليون دولار، وشملت عددًا من المنتجات الزراعية والغذائية.
إعفاءات جمركية تفتح فرصًا أمام المنتجات المصرية
ولفت عمارة إلى أن استفادة مصر من المبادرة الصينية الخاصة بمنح إعفاءات جمركية كاملة لـ53 دولة إفريقية، والتي بدأ تطبيقها في مايو 2026، يمكن أن تساهم في تحسين فرص نفاذ المنتجات المصرية إلى السوق الصينية وتعزيز قدرتها التنافسية.وأكد أهمية استثمار هذه المزايا في زيادة الصادرات الزراعية، خاصة مع تطوير منظومة الجودة والتكويد والتتبع، والالتزام بالاشتراطات الفنية والصحية المطلوبة في الأسواق الخارجية.
شراكات صينية في الصوامع والإنتاج الزراعي
وأوضح عمارة أن التعاون المصري الصيني يشمل كذلك مشروعات تخزين الحبوب وتأمين سلاسل الإمداد، مشيرًا إلى تنفيذ شركات صينية مشروعات لصوامع تخزين الحبوب باستخدام تكنولوجيات حديثة تستهدف تقليل الفاقد والحفاظ على الاحتياطي الاستراتيجي.كما لفت إلى وجود فرص للتعاون في مشروعات الثروة الحيوانية والداجنة وإنتاج الأعلاف، إلى جانب البرامج التدريبية ونقل الخبرات الفنية للعاملين في القطاع الزراعي.
عمارة: مصر يمكن أن تكون بوابة التكنولوجيا الزراعية الصينية لإفريقيا
وأكد الدكتور مصطفى عمارة أن الموقع الجغرافي لمصر وما تمتلكه من بنية بحثية وزراعية وموانئ ومناطق صناعية يجعلها مؤهلة للقيام بدور محوري في نقل التكنولوجيا والخبرات الزراعية الصينية إلى أسواق إفريقيا والعالم العربي.وأضاف أن المرحلة المقبلة يمكن أن تشهد توسعًا في مشروعات استصلاح الأراضي الصحراوية، وإنتاج التقاوي والأصناف الاستراتيجية، وتطوير نظم الري الذكي، فضلًا عن زيادة برامج تدريب الباحثين والمزارعين المصريين في الصين.
وأشار إلى أهمية الاستثمار في العنصر البشري، من خلال برامج تدريبية متخصصة ونقل المعارف الحديثة، بما يساعد على بناء كوادر قادرة على تطبيق أحدث الممارسات الزراعية والتكنولوجية.
مجالات تعاون واسعة خلال المرحلة المقبلة
واختتم عمارة بالتأكيد على أن التعاون المصري الصيني يمكن أن يمتد خلال الفترة المقبلة إلى التصنيع المرتبط بالأنشطة الزراعية، وتوطين الآلات ومستلزمات الإنتاج، وتطوير المبيدات والأسمدة الحيوية، وسلامة الغذاء، ومعالجة المياه، وبحوث التربة، والاستشعار عن بعد، والتنبؤ الزراعي.وأكد أن تعزيز هذه الشراكة لن يقتصر على تحقيق مكاسب اقتصادية وتجارية للبلدين، بل يمكن أن يتحول إلى نموذج إقليمي للتعاون في مواجهة تحديات الأمن الغذائي وتغير المناخ، وأن يجعل من مصر مركزًا مهمًا للتعاون الزراعي والتكنولوجي بين الصين والدول العربية والإفريقية.





