الثلاثاء، 19 ربيع الأول 1448 ، 01 سبتمبر 2026

نوران الرجال تكتب لـ " اجري نيوز" زيارة شي.. قناة السويس في قلب المشهد

17781316914883202605210813471347
الكاتبة و الباحثة اللوجستية نوران الرجال
أ أ
techno seeds
techno seeds
في توقيت يشهد تصاعدًا واضحًا في المنافسة الاقتصادية والتجارية بين الولايات المتحدة والصين، تتجه الأنظار إلى زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، التي تأتي بينما تبحث بكين عن توسيع أسواقها الخارجية وتعزيز سلاسل الإمداد والاستثمار، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى إعادة رسم قواعد التجارة العالمية والضغط على الفائض الصناعي الصيني.

الزيارة، التي تأتي بعد عشر سنوات من آخر زيارة دولة للرئيس الصيني إلى مصر، تتزامن أيضًا مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين، ما يمنحها بُعدًا سياسيًا ودبلوماسيًا واضحًا.

لكن توقيتها الاقتصادي يطرح سؤالًا أكثر أهمية: هل ما يحدث بين مصر والصين مجرد تطور طبيعي لشراكة استراتيجية ممتدة، أم أن القاهرة أصبحت واحدة من الساحات المهمة التي تتحرك فيها بكين لمواجهة التحولات الاقتصادية العالمية والضغوط الأمريكية؟
ليست صدفة.. ولكنها ليست «حربًا» مباشرة أيضًا

القراءة الأكثر دقة للزيارة هي أنها ليست صدفة، لكنها أيضًا لا تعني بالضرورة أن مصر دخلت طرفًا في الحرب الاقتصادية بين واشنطن وبكين.

فالعلاقات المصرية الصينية تمتلك أساسًا مستقلًا يعود إلى عقود، وتطورت إلى شراكة استراتيجية شاملة، كما أن المصالح الاقتصادية بين البلدين شهدت توسعًا كبيرًا خلال السنوات الماضية.

لكن في الوقت نفسه، يصعب تجاهل السياق الدولي الذي تأتي فيه الزيارة. فالولايات المتحدة تضغط من أجل إعادة النظر في العلاقات التجارية مع الصين، فيما دعا وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت دول مجموعة العشرين مؤخرًا إلى تشديد الحواجز التجارية على السلع الصينية، في محاولة لمعالجة الاختلالات التجارية ودفع الصين إلى تغيير نموذجها الاقتصادي القائم بدرجة كبيرة على التصدير.

وبالتالي، فإن تحرك الصين لتعميق علاقاتها مع دول تمتلك موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا وأسواقًا واسعة مثل مصر يحمل قيمة اقتصادية تتجاوز حدود العلاقات الثنائية.

لماذا مصر تحديدًا؟

الإجابة تكمن في مجموعة من المزايا التي يصعب تجاهلها.

فمصر لا تمتلك فقط سوقًا محلية كبيرة، وإنما تقع عند نقطة اتصال بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتتحكم في أحد أهم طرق التجارة العالمية عبر قناة السويس، كما تمتلك موانئ ومناطق صناعية ولوجستية يمكن أن تتحول إلى قاعدة للإنتاج وإعادة التصدير.

وهنا تظهر أهمية المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تجمع في نطاق جغرافي واحد بين الموانئ والمناطق الصناعية والبنية التحتية وشبكات النقل.

وتشير بيانات المنطقة الاقتصادية إلى أنها تستهدف قطاعات تشمل السيارات، والبطاريات الكهربائية، والمنسوجات، واللوجستيات، والطاقة الشمسية، والبتروكيماويات وغيرها، وهو ما يتقاطع بصورة مباشرة مع القطاعات التي تحاول الصين توسيع حضورها العالمي فيها.

الأهم أن هذا التعاون ليس مجرد خطط مستقبلية؛ فقد شهد عام 2026 بالفعل تحركات صينية متتالية داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، شملت قطاعات السيارات والطاقة الجديدة والصناعات الطبية واللوجستيات. ففي يونيو الماضي، بحثت المنطقة الاقتصادية مع وفد صيني رفيع من مدينة نانجينج توسيع الشراكات الصناعية، خصوصًا في الطاقة الجديدة والمتجددة وصناعة السيارات ومكوناتها.

قناة السويس.. من ممر للتجارة إلى منصة للإنتاج

هنا تحديدًا تكمن أهمية الزيارة بالنسبة لمصر.

فالقيمة الاستراتيجية لقناة السويس لم تعد مرتبطة فقط بعوائد مرور السفن، وإنما تتزايد مع قدرة الدولة على تحويل المنطقة المحيطة بالقناة إلى مركز صناعي ولوجستي عالمي.

وهذا هو النموذج الذي تبحث عنه الصين في ظل إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية.

فبدلًا من إنتاج السلعة في الصين ثم شحنها مباشرة إلى الأسواق النهائية، يمكن أن تتحول مصر إلى قاعدة لإقامة مصانع تستفيد من الموقع الجغرافي واتفاقيات التجارة والنقل البحري، ثم توجه جزءًا من إنتاجها إلى الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية.

وتدرك القاهرة بدورها هذه المعادلة، ولذلك تركز في التعاون مع الصين على توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا وزيادة القيمة المضافة المحلية، وليس مجرد جذب استثمارات أجنبية إلى السوق المصرية.

الاستثمارات الصينية تتحرك بالفعل

المؤشرات السابقة على الزيارة تكشف أن الصين لا تنتظر نتائج اللقاءات السياسية حتى تتحرك.

ففي أغسطس 2026، بحثت الحكومة المصرية مع مجموعة صينية متخصصة في الألومنيوم إقامة مجمع صناعي متكامل داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باستثمارات قد تصل إلى 2 مليار دولار، مع توقعات بتوفير أكثر من 3 آلاف فرصة عمل.

وقبل ذلك، وقعت المنطقة الاقتصادية في يناير 2026 عقدًا مع شركة صينية لإنشاء مشروعات في منطقة السخنة الصناعية باستثمارات تبلغ 34 مليون دولار، في مجال المعدات وخطوط الإنتاج المستخدمة في صناعة كربونات الصوديوم.

كما شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة توسعًا في الاستثمارات الصينية في مجالات صناعية ولوجستية مختلفة، وهو ما يعكس أن العلاقة الاقتصادية بين البلدين أصبحت قائمة على مشروعات إنتاجية فعلية، وليس فقط اتفاقيات ومذكرات تفاهم.

يمكن قراءة المصالح الصينية في مصر من عدة زوايا:

أولًا: الوصول إلى الأسواق
مصر يمكن أن تكون قاعدة إنتاج وتصدير للصناعات الصينية إلى أسواق واسعة في أفريقيا والمنطقة العربية وأوروبا.
ثانيًا: تأمين سلاسل الإمداد
وجود مصانع صينية بالقرب من الموانئ العالمية يقلل من بعض مخاطر سلاسل النقل، ويمنح الشركات قدرة أكبر على الوصول إلى الأسواق.
ثالثًا: توسيع الاستثمارات الخارجية
في ظل الضغوط الأمريكية والأوروبية على بعض المنتجات والصناعات الصينية، يصبح توزيع الإنتاج عالميًا وتوطينه في أسواق مختلفة أكثر أهمية.

رابعًا: التكنولوجيا والطاقة

الصين تمتلك خبرات واسعة في السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة المتجددة والاتصالات والتصنيع الذكي، وهي قطاعات تحتاج مصر إلى التوسع فيها ضمن خطط توطين الصناعة.

ومن هنا، فإن حديث الرئيس عبدالفتاح السيسي عن جذب مزيد من الصناعات الصينية إلى مصر، ومنها السيارات الكهربائية وبطاريات التخزين والطاقة المتجددة والأجهزة الإلكترونية ومكونات محطات تحلية مياه البحر وبناء السفن، يعكس طبيعة المرحلة الجديدة من التعاون.

وهل تستفيد مصر من المنافسة الصينية الأمريكية؟

الإجابة: نعم، إذا أحسنت إدارة التوازن
مصر لا تحتاج إلى اختيار طرف في المنافسة بين واشنطن وبكين، بقدر ما تحتاج إلى استغلال التنافس الدولي للحصول على أفضل ما يمكن من استثمارات وتكنولوجيا وتمويل وشراكات.

وهنا تصبح المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ورقة تفاوضية مهمة؛ فكلما زادت قدرتها على جذب الاستثمارات من الصين والولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، ارتفعت القيمة الاقتصادية للموقع المصري.

لكن الاستفادة الحقيقية لا تقاس بعدد المصانع التي يتم افتتاحها فقط، وإنما بمدى قدرة هذه المشروعات على زيادة المكون المحلي، ونقل التكنولوجيا، وتدريب العمالة المصرية، وزيادة الصادرات، وربط الشركات المحلية بسلاسل الإمداد العالمية.

وهذه النقطة تحديدًا هي الفارق بين مصر باعتبارها «سوقًا» للمنتجات الصينية، ومصر باعتبارها «قاعدة إنتاج» للشركات الصينية.

ماذا تعني الزيارة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأهم اقتصاديًا

فالزيارة يمكن أن تمنح دفعة سياسية للمشروعات الصينية القائمة بالفعل، وتفتح الباب أمام مشروعات جديدة في قطاعات استراتيجية، خصوصًا السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة المتجددة واللوجستيات والصناعات التكنولوجية.

كما يمكن أن تعزز دور المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باعتبارها منصة تربط الاستثمارات الصينية بحركة التجارة العالمية.

وقد سبقت الزيارة تحركات صينية ومصرية واضحة في هذا الاتجاه؛ إذ قامت المنطقة الاقتصادية بحملات ترويجية في الصين لاستقطاب استثمارات في قطاعات من بينها السيارات الكهربائية والمنسوجات والخدمات اللوجستية والموانئ.

إذن.. هل زيارة شي جزء من الحرب الاقتصادية؟

الأدق القول إن الزيارة ليست نتيجة مباشرة للحرب الاقتصادية الأمريكية الصينية، لكنها تأتي في بيئة دولية تجعل الشراكة المصرية الصينية أكثر أهمية بالنسبة إلى بكين والقاهرة معًا.

الصين تبحث عن أسواق وقواعد إنتاج وممرات لوجستية جديدة، ومصر تبحث عن استثمارات صناعية وتكنولوجيا ونقل خبرات وزيادة الصادرات.

وبين الهدفين تبرز قناة السويس باعتبارها نقطة التقاء المصالح.

لذلك، فإن أهمية زيارة شي جين بينج لمصر لا تكمن فقط في الاتفاقيات التي قد يتم الإعلان عنها، وإنما في السؤال الأكبر: هل تستطيع القاهرة تحويل موقعها الجغرافي إلى قوة صناعية ولوجستية حقيقية تستفيد من إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي؟

إذا نجحت مصر في ذلك، فإن المنافسة بين القوى الاقتصادية الكبرى لن تكون تهديدًا فقط، بل قد تتحول إلى فرصة تاريخية؛ فرصة تجعل من قناة السويس والمنطقة الاقتصادية المحيطة بها مركزًا للإنتاج والتجارة وسلاسل الإمداد، وليس مجرد طريق لعبور السفن.
اشترك في قناة اجري نيوز على واتساب اشترك في قناة اجري نيوز على جوجل نيوز
icon

الأكثر قراءة