حذرت دراسة بحثية أعدها باحثون من معهد بحوث المياه الجوفية التابع للمركز القومي لبحوث المياه من أن تنفيذ أعمال تبطين شاملة لشبكة الترع في شرق دلتا النيل قد ينعكس على مستويات المياه الجوفية، مشيرة إلى أن تبطين الشبكة بالكامل قد يؤدي إلى انخفاض منسوب المياه الجوفية بنحو 3.5 متر خلال 20 عامًا.
وأوضحت الدراسة، المنشورة في مجلة علوم المياه، أن التوسع في مشروعات تبطين الترع دون تقييم تأثيرها على الخزانات الجوفية قد يمثل تحديًا أمام استدامة مصادر المياه مستقبلًا، خاصة في المناطق التي تعتمد بدرجة كبيرة على المياه الجوفية.
وأكد الباحثون أن التبطين لا ينبغي أن يتم بصورة موحدة لجميع الترع، وإنما يجب تحديد المناطق الأكثر احتياجًا إليه، خصوصًا المواقع التي يؤدي تسرب المياه منها إلى مشكلات مثل ارتفاع منسوب المياه الأرضية أو زيادة ملوحة التربة، بينما يمكن الإبقاء على أجزاء غير مبطنة في المناطق التي يمثل تسرب المياه منها مصدرًا مهمًا لتغذية الخزان الجوفي.
دراسة تقترح حلولًا لتعويض تغذية الخزانات الجوفية
وأشارت الدراسة إلى أنه في الحالات التي تستدعي تبطين شبكة واسعة من الترع، يجب العمل بالتوازي على تعويض المياه التي كان الخزان الجوفي يحصل عليها نتيجة التسرب.ومن بين الحلول المقترحة تغذية الخزانات الجوفية بصورة متعمدة، وإنشاء أحواض تسمح بتسرب المياه إلى باطن الأرض، أو تخصيص مناطق يتم التحكم فيها للسماح بتسرب كميات محددة من المياه بما يحافظ على التوازن المائي للخزان الجوفي.
كما شددت الدراسة على ضرورة زيادة أعداد آبار ونقاط رصد المياه الجوفية، لمتابعة التغيرات التي قد تنتج عن أعمال التبطين، والتحقق باستمرار من دقة النماذج المستخدمة في التنبؤ بمستويات المياه مستقبلًا.
وأكدت أهمية تحقيق توازن بين رفع كفاءة نقل مياه الري وتقليل الفاقد على المدى القصير، والحفاظ على المخزون الجوفي واستدامته على المدى الطويل، موضحة أن انخفاض مستويات المياه الجوفية قد يؤدي إلى زيادة تكاليف عمليات الضخ.
36 بئرًا و97 حملة لرصد المياه الجوفية
واعتمدت الدراسة على عمليات رصد ميداني واسعة إلى جانب استخدام النمذجة الرياضية والتقنيات الحديثة، بهدف تحديد تأثير الترع المبطنة وغير المبطنة على المياه الجوفية في محافظتي القليوبية والشرقية بشرق دلتا النيل.وأنشأ الباحثون شبكة تضم 36 بئرًا لمراقبة المياه الجوفية حول أربع ترع، شملت ترعتي المكاسر والزراعي المبطنتين، وترعتي الودن ونبتيت غير المبطنتين.
وخلال الفترة من مايو 2024 حتى يونيو 2025، نفذ فريق البحث 97 حملة رصد، مع مراعاة اختلاف مواعيد تشغيل الترع، بهدف دراسة العلاقة بين مستويات المياه داخل الترع ومنسوب المياه الجوفية في ظروف الري الفعلية.
وأظهرت نتائج الرصد وجود ارتباط واضح بين مستويات المياه في الترع غير المبطنة ومنسوب المياه الجوفية، خاصة في المناطق التي تتميز بوجود طبقات طينية رقيقة.
فكلما ارتفع منسوب المياه في الترعة غير المبطنة، زادت كمية المياه المتسربة إلى التربة، وهو ما ساهم في وصولها إلى الخزان الجوفي وتغذيته.
في المقابل، أظهرت المناطق المحيطة بالترع المبطنة انخفاضًا في كمية المياه التي تصل إلى الخزان الجوفي، مع ظهور تأثيرات أكبر في المناطق التي يعتمد فيها المزارعون بصورة ملحوظة على ضخ المياه الجوفية.
ماذا يحدث عند تبطين الترع؟
واستخدم الباحثون نموذج MODFLOW-6 لمحاكاة حركة المياه الجوفية والتنبؤ بالتغيرات المستقبلية، ثم تمت مقارنة نتائج النموذج بالبيانات الفعلية التي جرى جمعها من الآبار، وأظهرت المقارنة درجة توافق مرتفعة بين المحاكاة والواقع.واختبر الباحثون سيناريوهين؛ الأول يتعلق بتبطين ترعة الودن فقط، والثاني يتضمن تبطين جميع الترع الفرعية في منطقة الدراسة.
وأظهرت المحاكاة أن تبطين ترعة واحدة قد يؤدي إلى انخفاض مستوى المياه الجوفية بنحو 0.6 متر بعد 20 عامًا، مع بقاء التأثير محدودًا ومحليًا.
أما في حالة تبطين شبكة الترع الفرعية بالكامل، فقد توقعت الدراسة انخفاضًا أوسع في مستويات المياه الجوفية، يصل إلى نحو 3.5 متر خلال 20 عامًا.
تسرب مياه الترع.. فاقد للري ومصدر لتغذية الخزان الجوفي
وأوضحت الدراسة أن هناك جانبًا مهمًا يجب أخذه في الاعتبار عند تقييم مشروعات تبطين الترع؛ فالمياه التي تتسرب من الترع غير المبطنة تمثل بالفعل فاقدًا من مياه الري، لكنها في الوقت نفسه تشكل مصدرًا لتغذية المياه الجوفية وتجديد مخزونها.ويعتمد خزان دلتا النيل الجوفي في تغذيته بدرجة أساسية على المياه المتسربة من نهر النيل والترع ومياه الري الزائدة، ما يجعله أحد مصادر المياه المهمة في ظل تزايد الاحتياجات الزراعية والمنزلية والصناعية ومحدودية الموارد المائية.
وفي المقابل، يحقق تبطين الترع عددًا من الفوائد، من بينها تقليل فاقد المياه بالتسرب، وتحسين كفاءة نقل مياه الري، والحد من نمو الحشائش وتراكم الرواسب، وتقليل أعمال الصيانة، ودعم وصول المياه إلى الأراضي المستصلحة حديثًا.
لكن الدراسة لفتت إلى أن تقليل التسرب يعني أيضًا انخفاض كمية المياه التي تصل إلى الخزان الجوفي، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع مستوياته، خاصة في المناطق التي تعتمد على المياه الجوفية في الري.
الدراسة: الحل ليس تبطين جميع الترع
وأكدت نتائج الدراسة أن تأثير تبطين الترع يختلف من منطقة إلى أخرى وفقًا لعدة عوامل، من بينها نوع وسمك طبقات التربة، ونوع المحاصيل، ونظام تشغيل الترع، ومعدلات ضخ المياه الجوفية.وخلص الباحثون إلى أن الحل الأمثل لا يتمثل بالضرورة في تبطين جميع الترع، وإنما في تحديد المواقع التي يحقق فيها التبطين أكبر فائدة، مع الإبقاء على بعض أجزاء الترع غير المبطنة في المناطق التي يمثل تسرب المياه منها عنصرًا ضروريًا لتغذية الخزان الجوفي، بشرط ألا يؤدي ذلك إلى مشكلات تتعلق بارتفاع منسوب المياه أو زيادة ملوحة التربة.





