بالتزامن مع الاستعدادات المكثفة لاستقبال عيد الأضحى المبارك، وما يرافقه من تبدلات جوهرية في العادات الغذائية وزيادة استهلاك اللحوم والسكريات، أصدر معهد تكنولوجيا الأغذية التابع لمركز البحوث الزراعية بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي حزمة شاملة من التوصيات والقرارات الفنية.
واستهدفت الروشتة الرسمية صياغة دليل وقائي متكامل للمواطنين يضمن الحفاظ على صحة المعدة وسلامة الجهاز الهضمي، بجانب الكشف عن القواعد العلمية لتداول لحوم الضأن، وضوابط الشواء الآمن، وصولاً إلى إعادة هندسة "طبق الفتة" التقليدي ليكون صديقاً للجسم وصمام أمان ضد التسمم الغذائي أو الوعكات الهضمية الطارئة.
أولاً: الاستهلاك الذكي وحظر اللحوم الحمراء على وجبة الإفطار
قالت الدكتورة مروة عبد الكريم شعير، الباحثة بمعهد بحوث تكنولوجيا الأغذية بمركز البحوث الزراعية، إن هناك حزمة من الإجراءات والتدابير اللوجستية والصحية التي يتعين على الأسر المصرية تطبيقها بدقة لضمان قضاء عيد أضحى آمن وخالٍ من الاضطرابات المعوية.وأكدت الدكتورة مروة شعير، على أهمية تفعيل مبدأ "ترشيد الاستهلاك" والتخطيط المسبق لقائمة الأطباق اليومية المقدمة لأفراد الأسرة بناءً على عددهم الفعلي قبل النزول للأسواق؛ وذلك لتفادي شراء كميات زائدة عن الحاجة وتجنب الهدر الغذائي.
وحذرت الباحثة بالمعهد، من العادات المتوارثة المتمثلة في تناول اللحوم الحمراء خلال وجبة الإفطار الصباحية في أيام العيد، مشيرة إلى أن المعدة تكون في هذا التوقيت غير مهيأة نهائياً لاستقبال وهضم البروتينات المعقدة التي تتطلب طاقة وسقفاً زمنياً طويلاً للتفكيك داخل الأمعاء.
وأضافت الدكتورة مروة شعير، أن الخيار الأفضل صحياً يكمن في تناول وجبة إفطار خفيفة للغاية، على أن يتم إرجاء تناول البروتين الحيواني إلى وجبة الغداء، مستطردة أنه يفضل تحديد توقيت الغداء بدقة ليكون في الفترة الممتدة من الساعة الثانية ظهراً وحتى الرابعة عصراً؛ والهدف من ذلك هو إعطاء الجهاز الهضمي مساحة زمنية كافية لإتمام عملية الهضم بكفاءة قبل ميعاد النوم بفترة طويلة.
ثانياً: خريطة قطعيات اللحوم والتعامل البيولوجي مع "الضاني"
وعن تصنيف الذبائح وقدرة الجسم على استيعابها، قالت الدكتورة مروة عبد الكريم شعير، إن لحم "البتلو" (العجول الصغيرة) يتربع على عرش اللحوم كأفضل القطعيات على الإطلاق؛ لكونه الأسهل هضماً على الأمعاء والأقل في محتوى الدهون والشحوم المشبعة.وأشارت الباحثة، إلى أن لحم "الضأن" (الأغنام) يُعد بيولوجياً الأسهل هضماً بين اللحوم الحمراء الأخرى، مستدركة أنه في الوقت نفسه يعتبر الأغنى والأعلى في معدلات الكوليسترول، لاحتوائه على ما يُعرف بـ "الدهون الخفية" المتغلغلة بين الألياف العضلية.
وأضافت الدكتورة مروة شعير، أنه بناءً على هذه الطبيعة الكيميائية، يُفضل تناول لحوم الضأن مسلوقة؛ لأن السلق يضمن ذوبان وتحلل معظم الدهون الصلبة في الماء للتخلص منها لاحقاً، أو طهيها من خلال الفرن تلو الشواء.
وأوضحت، أن الطريقة المثلى للضاني هي تتبيله جيداً وطهيه في الفرن أولاً ثم تعريضه للشواية لفترة وجيزة؛ بهدف إذابة الدهون الصلبة التي يصعب على الجسم تفتيتها داخلياً، مما يسهل على الجهاز الإخراجي التخلص منها دون إجهاد الكبد أو الشرايين.
تحذير طبي عاجل: شددت الدكتورة مروة شعير على ضرورة توخي الحذر الشديد والامتناع عن تناول كميات كبيرة من الكبد والمخ نظراً لارتفاع محتواهما الكوليسترولي بشكل قياسي، كما طالبت بالتقليل الحاد من تناول "الكلاوي" والأعضاء الداخلية للذبيحة؛ لكونها تتسبب في رفع مستويات حمض اليوريك (اليوريك أسيد) في الدم، وهو المتسبب الرئيسي في الإصابة بمرض النقرس وآلام المفاصل الحادة.
ثالثاً: هندسة "طبق الفتة الصحى" والأسرار الحيوية للسلطة والخضار
وفي إطار تعديل الأطباق التراثية على المائدة المصرية، قالت الدكتورة مروة عبد الكريم شعير، إن طبق الفتة يمثل القطب الرئيسي للوجبات في العيد، ولذلك يُنصح باستبدال الأرز الأبيض التقليدي بـ "الأرز الأسمر البني" كمكون أساسي؛ نظراً لاحتفاظ الأخير بقشرته الخارجية الغنية بالألياف الغذائية الخشنة، والتي تؤدي دوراً حيوياً في تنظيف جدار الجهاز الهضمي من السموم والمخلفات وتنشيط حركة الأمعاء.وأضافت الباحثة، أنه يفضل كذلك الاعتماد على الخبز البلدي الأسمر بدلاً من الخبز الأبيض في إعداد الفتة؛ نظراً للمحتوى العالي من الردة والنخالة التي تمنح المستهلك إحساساً سريعاً ومستداماً بالشبع وتمنع الإصابة بسوء الهضم والإمساك.
وعلى العكس من ذلك، فجرت الدكتورة مروة شعير مفاجأة طهوية؛ حيث أشارت إلى أنه يفضل تناول "الكبدة" مع الخبز الأبيض بدلاً من الخبز البلدي الأسمر؛ مبررة ذلك بأن مركبات "الفيتات" المتواجدة بكثافة في الردة والنخالة بالخبز البلدي تعيق قدرة الجسم على امتصاص والاستفادة من عنصر الحديد المتوفر بكثرة في قطع الكبدة.
وأكدت الباحثة، على الإلزام الطبي بوضع طبق سلطة خضراء كبير كعنصر أساسي في كل وجبة، على أن يتكون من خضروات غنية بالألياف ومضادات الأكسدة مثل (الخس، الطماطم، الجرجير، البقدونس، الفلفل الألوان، والخيار)، مع تتبيله بقطرات من زيت الزيتون وعصير الليمون والزعتر بدلاً من الخل والملح، وإضافة فصوص من الثوم الطازج لقدرته الفائقة على خفض الكوليسترول وتطهير المعوية.
وأشارت، إلى تفضيل تقديم أصناف من الخضروات المشوية أو المطهية على البخار (كالكوسا، الجزر، البطاطس، والخرشوف) مع تتبيلها بزيت الزيتون بجانب اللحوم؛ لكونها تنقي الجسم من السموم وتحمي من عسر الهضم.
واختتمت الدكتورة مروة شعير نصائحها بالتحذير من تناول الحلويات الشرقية بين الوجبات؛ لتسببها في تراكم الدهون الضارة مع شحوم اللحوم، مطالبة باستبدالها بالفواكه، مع تجنب المياه الغازية تماماً والاعتماد على العصائر الطبيعية ومشروب البقدونس المغلي.
رابعاً: تحذير من الشواء على الفحم.. نكهة بطعم المواد المسرطنة
من جانبها، فجرت الدكتورة نادرة سيد، الباحثة بمعهد تكنولوجيا الأغذية، تحذيراً شديد اللهجة يتعلق بعادة شواء اللحوم مباشرة على الفحم، مؤكدة أن الفحم في حد ذاته يعد مصدراً مباشراً للتلوث البيئي والبيولوجي؛ إذ يقوم بتغيير المكونات الطبيعية للطعام وتركيبته الحيوية محولاً الفوائد إلى مضار جسيمة.وقالت الدكتورة نادرة سيد، إن الشواء المباشر يجفف الطعام من عناصره المغذية ويحولها لمركبات خطرة تهدد سلامة المعدة وتدفع باتجاه رفع احتمالات الإصابة بأورام الأمعاء وسرطانات الجهاز الهضمي، مشيرة إلى أن الغبار المتناثر من الفحم المحترق ينتج مواد كبريتية وحارقة شديدة الالتصاق بأسطح اللحوم.
وأضافت الباحثة، أن المعهد أعد مصفوفة من الإرشادات التوجيهية الصارمة لتقليل هذه المخاطر إلى حدها الأدنى إذا ما رغب المواطنون في الشواء، وجاءت القواعد على النحو التالي:
1. شروط إعداد وتتبيل لحوم الشواء
نزع الشحوم: اختيار قطعيات لحم حمراء قليلة الدهن ونزع أي قشور دهنية؛ لتقليل تناول الشحوم، ومنع تساقط الدهون على الفحم والتي تتسبب في تصاعد غازات وأبخرة هيدروكربونية مسرطنة عند احتراقها.التقطيع الصغير: تقطيع اللحوم لقطع صغيرة جداً لتسريع نضجها، مما يقلل فترة تعرضها لحرارة الفحم المباشرة، ويسمح للتتبيلة بالتغلغل لحماية النسيج العضلي.
التتبيلة الحمضية: استخدام الخل والليمون في التتبيل يخفض فرص تفحم اللحم، كما أثبتت التجارب العلمية أن استخدام مرق مكون من "مزيج الكركم والثوم" يقلل من تشكل مركبات الأحماض الأمينية الحلقية المسببة للأورام بنسبة تصل إلى 50%.
2. ضوابط التعامل مع الفحم والشواية
نوع الفحم: استخدام الحطب أو الفحم النباتي الطبيعي، وحظر استخدام الفحم الصناعي الحجري تماماً؛ لكون الحطب يصدر أدخنة تحتوي على مركبات طبيعية مضادة للأكسدة.الاشتغال الكامل: منع وضع اللحوم على الشواية إلا بعد الاشتعال الكامل للفحم وتحوله كاملاً إلى اللون الأحمر المتوهج (الرماد)؛ لضمان تطاير الأبخرة السامة والغازات الأولية.
الشوايات الجانبية: استعمال شوايات مصممة بوضعية توزيع الفحم على الجوانب مع وضع اللحوم في المنتصف، لضمان النضج عبر الحرارة غير المباشرة ومنع تلامس الأدخنة.
مسافة الأمان والغطاء: وضع اللحوم على أبعد مسافة ممكنة من الفحم، مع ترك غطاء الشواية مفتوحاً بالكامل؛ لأن إغلاقه يحبس الأدخنة المسرطنة ويعيد تكثيفها داخل أنسجة اللحم.
نزع القشرة الخارجية: التخلص من جلد الطيور أو الطبقة الخارجية للحم عقب الشواء وقبل الأكل مباشرة، مع حظر استخدام كمية الفحم نفسها لأكثر من مرتين على الأكثر.
خامساً: آليات حيوية لخفض تشكل المركبات الكيميائية الخطيرة
وأشارت الدكتورة نادرة سيد، إلى وجود بعض الحيل السلوكية التي تساهم في تقليل السقف الزمني لتعرض اللحوم للنار، ومنها طهي اللحم جزئياً وبشكل مسبق داخل فرن الميكروويف للتأكد من نضجه الداخلي قبل نقله للشواية، مع الحرص المستمر على تصفية وتجفيف اللحوم تماماً من مرق التتبيل وسوائل النقع قبل وضعها فوق الفحم.وأضافت الباحثة بمعهد تكنولوجيا الأغذية، أن عملية التقليب يجب أن تكون سريعة ومتكررة بحيث لا يمكث وجه قطعة اللحم الواحد أكثر من دقيقة واحدة في الوضعية المواجهة للنار بشكل مباشر، تجنباً للوصول لمرحلة التفحم.
وأوضحت، أن تناول وجبة الشواء يجب أن يتزامن مع استهلاك كميات وافرة من الخضروات والفواكه الطازجة الملونة (كالبقدونس، الجزر الأصفر، الفلفل الأخضر، والطماطم) لكونها منصات غنية بمضادات الأكسدة التي تطهر الجسم من الشوارد الحرة، بالإضافة إلى الحرص على شرب كوب من الشاي الساخن عقب الأكل مباشرة لتقليل التأثير السلبي للمركبات الضارة.
واختتمت الدكتورة نادرة سيد تقريرها، بتقديم البديل الصحي والأذكى لـ "نكهة الفحم"؛ حيث أشارت إلى إمكانية طهي اللحوم بالكامل وبطريقة آمنة داخل فرن المطبخ التقليدي، وفور وصول اللحم لمرحلة النضج التام، يتم وضع قطعة صغيرة من الفحم المشتعل في وعاء معدني صغير متواجد بين اللحوم، وتُسكب عليها قطرة زيت واحدة، ثم يتم تغطية الإناء بإحكام لمدة 3 دقائق فقط؛ مما يسمح للحم باكتساب رائحة ونكهة الشواء المحببة بذكاء ودون التعرض لأي من المخاطر الكيميائية أو الصحية السالف ذكرها.





