عيد الفلاح.. يحتفل المصريون في التاسع من سبتمبر من كل عام بعيد الفلاح المصري، ذلك اليوم الذي ارتبط بصدور قانون الإصلاح الزراعي عقب ثورة 23 يوليو 1952، والذي مثّل نقطة تحول مهمة في حياة آلاف المزارعين، بعدما منح الفلاحين حق تملك الأراضي التي يعملون بها.
ويحل عيد الفلاح المصري في عام 2026 في ذكراه الـ74، ليجدد التأكيد على المكانة التي يحتلها المزارع المصري، باعتباره أحد أهم عناصر منظومة الإنتاج وتأمين الغذاء، وصاحب رحلة طويلة من الكفاح والعمل المتواصل عبر آلاف السنين.
وتعود جذور الزراعة في مصر إلى الحضارة الفرعونية، التي عرفت الزراعة باعتبارها من أهم المهن، وهو ما وثقته النقوش الموجودة على جدران المعابد، والتي أظهرت مراحل حرث الأراضي وريها ورعاية المحاصيل وصولًا إلى الحصاد.
وعلى مدار التاريخ، ارتبط اسم الفلاح المصري بالعمل الشاق والصبر والقدرة على مواجهة الظروف المختلفة، إذ يواصل العمل في الأرض على مدار العام، متحملًا مشقة الزراعة وتقلبات الطقس، من أجل إنتاج المحاصيل وتوفير احتياجات المجتمع من الغذاء.
لماذا اختارت مصر يوم 9 سبتمبر عيدًا للفلاح؟
يرتبط اختيار التاسع من سبتمبر بعيد الفلاح بحدث تاريخي مهم، ففي هذا اليوم من عام 1952 صدر قانون الإصلاح الزراعي رقم 178، بعد أسابيع قليلة من قيام ثورة 23 يوليو.وجاء القانون ضمن الإجراءات التي استهدفت القضاء على الإقطاع والحد من سيطرة كبار ملاك الأراضي، وتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية، حيث منح الفلاح للمرة الأولى حق تملك الأرض التي عمل بها لسنوات طويلة.
ومثّل الإصلاح الزراعي أحد أبرز مكتسبات الثورة، بعدما أعاد تنظيم ملكية الأراضي الزراعية، وفتح الطريق أمام الفلاحين للحصول على الأراضي بدلًا من استمرارهم كأجراء يعملون لدى كبار الملاك.
أول حفل لتوزيع عقود الإصلاح الزراعي
وفي عام 1957، أقام الزعيم الراحل جمال عبد الناصر أول احتفال لتوزيع عقود أراضي الإصلاح الزراعي في قرية الزعفرانة التابعة لمركز الحامول بمحافظة كفر الشيخ، حيث جرى توزيع 20 ألف فدان على الفلاحين من خلال نحو 8 آلاف عقد.ومنذ ذلك التاريخ، أصبح التاسع من سبتمبر مناسبة سنوية للاحتفال بالفلاح المصري، وتكريم دوره في تطوير الزراعة والمساهمة في توفير الغذاء باعتباره أحد مقومات الأمن القومي.
أحمد عرابي.. ذكرى أخرى ارتبطت بعيد الفلاح
ولا يقتصر ارتباط التاسع من سبتمبر بالإصلاح الزراعي فقط، إذ يتزامن هذا التاريخ أيضًا مع ذكرى وقفة الزعيم أحمد عرابي خلال الثورة العرابية عام 1881.ففي التاسع من سبتمبر من ذلك العام، وقف أحمد عرابي أمام الخديوي توفيق في قصر عابدين، واصطف خلفه الفلاحون، في مشهد أصبح من أبرز محطات التاريخ المصري، وردد عرابي كلمته الشهيرة:
"لقد ولدتنا أمهاتنا أحراراً ولم نخلق تراثا أو عقارا فوالله الذي لا إله إلا هو لن نُستَعبَد بعد اليوم".
عيد الفلاح المصري.. صفحة جديدة مع مشروعات دعم المزارعين
ومع قيام ثورة 30 يونيو 2013، بدأت مرحلة جديدة في ملف دعم الفلاح المصري، حيث أطلقت الدولة، خلال السنوات التالية، عددًا من المبادرات والمشروعات القومية التي استهدفت مساندة المزارعين، ورفع الإنتاجية، وزيادة الدخول، وتحسين مستوى المعيشة.وشملت هذه الجهود مشروعات تنفذها وزارة الزراعة بتكليفات مباشرة من القيادة السياسية، ومن بينها المشروع القومي لإحياء البتلو، ومشروع تحديث مراكز تجميع الألبان، والتوسع في زراعة القصب بالشتل، وتطوير منظومة القطن، والمشروع القومي لإنتاج بذور وتقاوي الخضر محليًا، بهدف تقليل فاتورة الاستيراد من الخارج.
كما امتد الاهتمام إلى الثروة الحيوانية من خلال إطلاق القوافل البيطرية في مختلف المحافظات، لتقديم الخدمات للمربين وعلاج الماشية بالمجان، إلى جانب تنفيذ حملات تحصين الحيوانات، وبرامج تحسين السلالات.
وفي مجال المحاصيل، دعمت الدولة تطبيق الزراعات التعاقدية لعدد من المحاصيل، من بينها القمح، وبنجر السكر، وفول الصويا، والذرة، وعباد الشمس، والقطن وغيرها.
«حياة كريمة».. دعم الفلاح يبدأ من تنمية الريف
وشهدت السنوات الماضية كذلك إطلاق المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» لتنمية الريف المصري، والتي تستهدف الارتقاء بمستوى معيشة سكان القرى، وتوفير فرص عمل للشباب، إلى جانب دعم المرأة الريفية والمعيلة وتشجيع المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر.كما تضمنت جهود دعم الريف برامج موجهة إلى الصيادين، بما يعزز من فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمعات الريفية.
وهكذا تحول عيد الفلاح من مجرد مناسبة للاحتفال إلى فرصة لاستعادة مسيرة طويلة من العمل والعطاء، بدأت مع الحضارة المصرية القديمة، ثم شهدت نقطة تحول بارزة مع قانون الإصلاح الزراعي، وصولًا إلى المشروعات والمبادرات الحديثة التي تستهدف دعم المزارع وتطوير الإنتاج الزراعي وتحسين حياة سكان الريف.





