عيد الفلاح.. تستعد مصر للاحتفال بعيد الفلاح في التاسع من سبتمبر الجاري، وهي المناسبة التي تحمل دلالة تاريخية واجتماعية تتجاوز كونها احتفالًا سنويًا، إذ يرتبط هذا اليوم بصدور قانون الإصلاح الزراعي عام 1952، الذي أعاد رسم خريطة الملكية الزراعية في مصر، وأحدث تحولًا كبيرًا في حياة قطاع واسع من الفلاحين.
ويأتي عيد الفلاح هذا العام في وقت أصبح فيه المزارع المصري في قلب معادلة الأمن الغذائي، مع استمرار الدولة في التوسع في مشروعات الاستصلاح الزراعي، وتطوير منظومة الري، ورقمنة الخدمات الزراعية، وتوفير مستلزمات الإنتاج، إلى جانب العمل على زيادة الإنتاجية وفتح أسواق جديدة أمام الصادرات الزراعية.

لماذا يحتفل المصريون بعيد الفلاح في 9 سبتمبر؟
يرجع اختيار التاسع من سبتمبر إلى عام 1952، عندما صدر قانون الإصلاح الزراعي رقم 178 لسنة 1952، بعد أسابيع قليلة من قيام ثورة يوليو، بهدف إعادة تنظيم ملكية الأراضي الزراعية والحد من سيطرة كبار الملاك على مساحات واسعة من الأراضي.ونص القانون عند صدوره على ألا يمتلك الشخص أكثر من 200 فدان من الأراضي الزراعية، مع إجراء تعديلات لاحقة على حدود الملكية، وإعادة توزيع الأراضي التي آلت إلى الدولة على صغار المزارعين.
ولم يكن القانون مجرد تشريع اقتصادي، لكنه أحدث تحولًا اجتماعيًا في الريف المصري، إذ انتقل عدد من الفلاحين من العمل كأجراء في الأراضي إلى امتلاك مساحات زراعية، فيما أُنشئت جمعيات الإصلاح الزراعي لتولي الأراضي وتوزيعها وفقًا للقواعد التي حددها القانون.

عيد الفلاح.. 818 ألف فدان و342 ألف مزارع
وتشير البيانات التاريخية إلى أنه خلال الفترة من عام 1952 وحتى عام 1970، جرى توزيع نحو 818 ألف فدان على حوالي 342 ألف مزارع، في إطار عمليات الإصلاح الزراعي وتوزيع الأراضي على صغار الفلاحين.كما ارتبطت المناسبة بأحد المشاهد الرمزية في تاريخ الإصلاح الزراعي، عندما جرى تسليم عقود ملكية الأراضي للمزارعين، لتتحول ملكية الأرض بالنسبة لقطاع من الفلاحين من حلم إلى واقع.

عيد الفلاح.. من الإصلاح الزراعي إلى الأمن الغذائي
ورغم مرور أكثر من سبعة عقود على صدور قانون الإصلاح الزراعي، فإن دور الفلاح المصري لم يعد مرتبطًا فقط بامتلاك الأرض وزراعتها، وإنما أصبح جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن الغذائي.وتؤكد الدولة أن تطوير القطاع الزراعي يستهدف رفع الإنتاجية، وتقليل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، وتحسين مستوى معيشة المزارعين، إلى جانب التوسع في استخدام التكنولوجيا الحديثة ورقمنة الخدمات الزراعية.
ووفق بيانات منشورة عن دور القطاع الزراعي، بلغ عدد المشتغلين بالنشاط الزراعي نحو 5.2 مليون مشتغل، بما يمثل 19.2% من إجمالي المشتغلين، بينما بلغت مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي نحو 14.8% خلال عام 2019/2020.

«كارت الفلاح».. الزراعة تدخل عصر الرقمنة
ومن أبرز التحولات التي شهدتها العلاقة بين الدولة والمزارع خلال السنوات الأخيرة الاتجاه إلى رقمنة الخدمات الزراعية، وعلى رأسها منظومة كارت الفلاح، التي تستهدف توفير قاعدة بيانات دقيقة للحيازات الزراعية والمزارعين، ودعم وصول الخدمات ومستلزمات الإنتاج إلى مستحقيها.كما اتجهت الدولة إلى تحديث نظم الري، والتوسع في الخدمات الإلكترونية، وتطوير أساليب الزراعة، بما يساعد على رفع كفاءة استخدام الموارد، خصوصًا في ظل محدودية المياه وارتفاع تكلفة مستلزمات الإنتاج.
تحديات جديدة أمام «جيش مصر الأخضر»
وبينما تغيرت طبيعة الزراعة المصرية على مدار العقود الماضية، لا تزال هناك تحديات تواجه المزارع، في مقدمتها ارتفاع تكاليف الإنتاج، وأسعار مستلزمات الزراعة، والحاجة إلى تحقيق عائد اقتصادي عادل للمحاصيل، فضلًا عن تأثيرات التغيرات المناخية ونقص الموارد المائية.ومن هنا، لم يعد الاحتفال بعيد الفلاح مجرد مناسبة لتكريم المزارع، وإنما فرصة لإعادة طرح الأسئلة المتعلقة بمستقبل الزراعة المصرية: هل يحصل الفلاح على العائد الذي يتناسب مع تكلفة إنتاجه؟ وهل تكفي برامج الدعم الحالية لمواجهة ارتفاع التكاليف؟ وكيف يمكن زيادة الإنتاجية من الفدان دون زيادة استهلاك المياه؟

عيد الفلاح.. مناسبة تتجدد وقضية لا تنتهي
وبعد 74 عامًا من صدور قانون الإصلاح الزراعي، تغيرت خريطة الزراعة المصرية بصورة كبيرة، وانتقلت الدولة من مرحلة إعادة توزيع الملكية إلى مرحلة أكثر تعقيدًا ترتبط بالأمن الغذائي، والاستصلاح الزراعي، والتكنولوجيا، وترشيد المياه، وزيادة الإنتاج والصادرات.ويبقى الفلاح المصري أحد الأطراف الرئيسية في هذه المعادلة، فالأرض لا تنتج وحدها، والتكنولوجيا لا تحقق أهدافها دون من يطبقها، بينما تظل قدرة الدولة على تحقيق أمنها الغذائي مرتبطة بشكل مباشر بقدرة المزارع على الاستمرار في الإنتاج وتحقيق عائد اقتصادي يحافظ على استدامة الزراعة.





