أ
أ
في وقت يواجه فيه العالم تحديات اقتصادية ومناخية متسارعة تمس عصب الأمن الغذائي، يبرز قطاع الدواجن وبيض المائدة في مصر كأحد أهم الركائز الاستراتيجية التي نجحت الدولة في تحقيق الاكتفاء الذاتي بها، ولم يعد هذا القطاع مجرد أداة لتلبية الاحتياجات المحلية، بل تحول إلى قوة اقتصادية مؤهلة للتوسع التصديري وجلب العملة الصعبة، مستنداً إلى قاعدة علمية صلبة وبنية تحتية واستثمارية ضخمة تقترب من 200 مليار جنيه، ويعتمد عليها نحو 10 ملايين مواطن بشكل مباشر وغير مباشر.
البحث العلمي صمام أمان ضد التشكيك وترشيد الاستهلاك
وأكد الدكتور عادل عبد العظيم، رئيس مركز البحوث الزراعية، أن الاعتماد على البحث العلمي في المرحلة الحالية يعد ضرورة حتمية لإدارة الموارد ومواجهة التحديات التي تواجه القطاعات الإنتاجية، وليس مجرد رفاهية، موضحا أن الدولة نجحت في تحقيق قدر كبير من الاكتفاء الذاتي في الدواجن والبيض، باعتبارهما مصدراً آمناً وصحياً للبروتين الحيواني منخفض التكلفة.وشدد عبد العظيم على ضرورة التصدي لمحاولات التخويف والتشكيك التي تستهدف العلماء أو تطال جودة المنتج الوطني، مشيراً إلى أن توفير بيئة آمنة للبحث العلمي هو السبيل للوصول إلى حلول مبتكرة ومستدامة، تزامناً مع تبني منهج علمي لترشيد الاستهلاك لكون معدلات استهلاك بعض السلع تتجاوز المتوسطات العالمية.
التوسع الرأسي لمواجهة معضلة الفجوة الغذائية
من جانبه، استعرض الدكتور محسن البطران، رئيس لجنة الزراعة والري بمجلس الشيوخ، الأبعاد الهيكلية للتحديات التي تواجه القطاع الزراعي، والمتمثلة في محدودية الأرض والمياه وتغير المناخ.وأشار إلى أن معضلة الفجوة الغذائية ترتبط بالاستهلاك أكثر من الإنتاج؛ حيث ينمو الإنتاج الزراعي بنسبة 4%، بينما يقفز الاستهلاك بنسبة 7% سنوياً مدفوعاً بالزيادة السكانية.
وأكد البطران أن التوسع الأفقي وحده لن يكون كافياً ما لم يتزامن مع التركيز على التوسع الرأسي عبر البحث العلمي والتكنولوجيا الحديثة، وتفعيل سياسات واضحة لترشيد الاستهلاك والاعتماد على البيانات والتحليل العلمي في إدارة السوق، مشيداً بقطاع الدواجن كنموذج ناجح للاقتصاد الزراعي يفتح استقراره آفاقاً واسعة للتصدير.
خريطة استثمارية متكاملة وحماية صغار المربين
وفي سياق متصل، كشفت الدكتورة منى محرز، نائب وزير الزراعة الأسبق، عن إعداد خريطة استثمارية متكاملة لقطاع الدواجن تحدد المواقع المناسبة للمشروعات وفقاً للاشتراطات البيئية والبيطرية، مما يمثل جاذباً قوياً للاستثمارات المحلية والأجنبية، مستفيدة من ثروة بشرية من باحثي مركز البحوث الزراعية الذين يمتلكون خبرات حقلية نادرة لتشخيص احتياجات المزارع ميدانياً.وحذرت محرز من خطورة خروج صغار المربين من المنظومة نتيجة مخاوف تقلب الأسعار، مؤكدة أن حماية هذه الفئة تعد صمام أمان لمنع نقص المعروض وضمان استقرار الأسعار للمستهلك، مطالبة بتسريع آليات التصدير بشكل دائم لحماية المنظومة من الهزات السعرية وتحفيز المنتجين.
طفرة التغذية وخطط التطوير التسويقي
من جهتها، أوضحت الدكتورة نسرين سليم، أستاذة تغذية الدواجن بمعهد بحوث الإنتاج الداجني، أن طفرة النمو السريع للطيور تعود إلى الخصائص الوراثية للسلالات الحديثة وبرامج التغذية المتكاملة والمحدثة عالمياً، ولا علاقة لها بالهرمونات، لافتة إلى أن القرارات الوزارية (منذ عام 1996 والمحدثة في 2022) تمنع تماماً استخدام أي مواد محظورة.وأكدت سليم على مرونة قطاع التغذية الداجنة وقدرته على طرح منتجات مبتكرة ترفع القيمة المضافة، مثل "البيض المدعم بالسيلينيوم والأوميجا 3"، داعية إلى تفعيل قانون "منع تداول الدواجن الحية" تدريجياً عبر استراتيجيات توعوية بهدف تغيير الثقافة الاستهلاكية وبناء منظومة تسويق حديثة تعزز صحة الغذاء في مصر.





