تُعد
صناعة الدواجن في مصر ملحمة اقتصادية وإستراتيجية ضخمة، تحولت على مدار العقود
الماضية من مجرد تربية منزلية بسيطة إلى واحدة من أهم ركائز الأمن الغذائي القومي.
وتستند هذه الصناعة الحيوية إلى هيكل إنتاجي متطور وضخم تبلغ استثماراته الحالية
نحو 200 مليار جنيه، ويستوعب قوة عاملة تتجاوز 3.5 مليون عامل، في حين يمثل صغار
المربين الكتلة الأساسية والركيزة الجوهرية للنشاط بنسبة تصل إلى 70% من إجمالي
حجم السوق.
وفي سياق
متصل، واستجابةً لتدني أسعار بيض المائدة بالأسواق، تحركت وزارة الزراعة واستصلاح
الأراضي لإنقاذ المنظومة؛ حيث عُقد اجتماع موسع بحضور الدكتور طارق سليمان، رئيس
قطاع تنمية الثروة الحيوانية والداجنة، ورئيس شعبة بيض المائدة بالاتحاد العام
لمنتجي الدواجن، إلى جانب ممثلي كبرى شركات بسترة وتجفيف البيض. واستهدف اللقاء
صياغة حلول جذرية وعاجلة لامتصاص الفائض من الأسواق وتحويله إلى منتجات مبسترة
ومجففة صالحة للمصانع والفنادق، مما يضمن استقرار الأسعار حول تكلفتها العادلة
وحماية المنتج المحلي باعتباره خطاً أحمر.

رحلة
"الجدود" من 1985.. الهندسة الوراثية وتكنولوجيا إنتاج 1.6 مليار طائر
بدأت مصر
مسيرتها الإستراتيجية في استيراد "جدود الدواجن" عام 1985، لتصبح أول دولة
في منطقة الشرق الأوسط تتبنى هذا النهج العلمي لتطوير السلالات المحلية. وتعتبر
"الجدة" هي الأصل والعمود الفقري الحقيقي للصناعة بأكملها، حيث تعتمد
تربيتها على تكنولوجيا حيوية معقدة تضم أربعة خطوط وراثية متقاطعة بين الذكور
والإناث، لضمان إنتاج كتاكيت تتمتع بأعلى معدلات التحويل اللحمي وإنتاج البيض.
وتنقسم الجدود في الدورة الإنتاجية إلى فصيلتين رئيسيتين:جدة التسمين: المسؤولة عن إنتاج طيور اللحم الموجهة للاستهلاك المحلي وتوليد الدجاج اللاحم.
أم البياض: السلالة المخصصة لإنتاج بيض المائدة وتأمين احتياجات البيوت المصرية.
القوة
التضاعفية لـ 7 شركات كبرى يقودها قطاع التسمين
يكشف
التقرير الفني الصادر عن الاتحاد العام لمنتجي الدواجن عن أسرار القوة التضاعفية
المذهلة لهذه السلالات؛ حيث تستطيع "الجدة" الواحدة إنتاج نحو 45
"أماً". وتستغرق "الأم" فترة رعاية ونمو تصل إلى 6 أشهر قبل
اكتمال نموها وبدء دورة العطاء الاستثماري، لتنتج "الأم" الواحدة ما بين
130 إلى 150 طائر تسمين خلال دورة إنتاجها، وهو ما يفسر الكفاءة العالية في الوصول
إلى إنتاج 1.6 مليار فرخة سنوياً.وتقود هذا الإنتاج الضخم 7 شركات كبرى متخصصة في تربية جدود دواجن التسمين داخل مصر. وكانت الدولة قد تربعت على عرش التصدير الإقليمي لأمهات التسمين إلى قارة إفريقيا والدول العربية قبل عام 2006، إلا أن ظهور وتفشي مرض إنفلونزا الطيور عالمياً ومحلياً تسبب في وقف التصدير حينذاك، لتتحول المنظومة بكامل طاقتها الإنتاجية نحو تلبية وبناء قنوات الاكتفاء الذاتي الضخمة للسوق المحلية الحالية.
تصنيع
الفائض وتجفيف البيض.. آلية جديدة لحماية استقرار الأسواق
أسفرت
التحركات الرقابية لقطاع الخدمات والمتابعة والثروة الحيوانية عن وضع آلية تنسيقية
ملزمة بين شعبة بيض المائدة ومصانع البسترة والتجفيف، لامتصاص أي فائض في الإنتاج
المحلي عبر عقود منضبطة. وتستهدف الخطوة تحويل البيض الطازج الزائد عن حاجة
الاستهلاك اليومي إلى "بيض مبستر ومجفف" يدخل كمدخل إنتاجي أساسي في
قطاعات التصنيع الغذائي، المخابز، والفنادق الكبرى.وتسهم هذه الآلية التكميلية في حماية صغار المربين من الخسائر المادية المباشرة الناتجة عن تذبذب الأسعار، كما تضمن للمستهلك استقرار الأسعار بالمنافذ والأسواق. ومن الناحية الاقتصادية الكلية، يوفر هذا التحول الصناعي منتجات وطنية بديلة وعالية الجودة تغني تماماً عن استيراد البيض المجفف من الخارج، مما يسهم بشكل مباشر في توفير العملة الأجنبية ودعم الاقتصاد القومي.
واختتمت أعمال التنسيق بالاتفاق المشترك على تشكيل لجنة متابعة دورية ومصغرة يقودها قطاع تنمية الثروة الحيوانية والداجنة للاشراف الفوري على التنفيذ وتذليل كافة العقبات اللوجستية التي تواجه خطوط الإنتاج بصورة دائمة.





