الجمعة، 24 رمضان 1447 ، 13 مارس 2026

أستاذ بالقومي للبحوث الاجتماعية والجنائية: الريف المصري قلب الهوية الزراعية وحافظ التراث عبر آلاف السنين

368148-16739567082197152
الريف المصري
أ أ
techno seeds
techno seeds
أكد الدكتور كامل كمال، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن قصة الريف المصري تمتد لأكثر من سبعة آلاف سنة، موضحًا أن بدايتها ارتبطت باكتشاف الإنسان لأسرار نهر النيل، حين لاحظ المصري القديم كيف يفيض النيل كل عام بشكل منتظم ويترك وراءه تربة خصبة، الأمر الذي قاده إلى فكرة الزراعة، وكانت تلك اللحظة نقطة تحول كبرى في تاريخ الإنسان.

وأوضح أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، خلال حلقة برنامج "رؤية"، المذاع على قناة الناس، اليوم الجمعة، أن الإنسان انتقل في تلك المرحلة من حياة التنقل والترحال بحثًا عن الطعام والصيد وجمع الثمار إلى حياة أكثر استقرارًا، حيث عرف الزراعة وبدأ في بناء القرى، وكانت القرية الأولى بسيطة للغاية، عبارة عن مجموعة من الأكواخ الصغيرة المبنية من الطين والقش، وكان الناس يختارون مواقع قراهم بالقرب من النهر ليكون مصدرًا للمياه، وفي الوقت نفسه تكون هذه الأماكن مرتفعة نسبيًا لحمايتهم من الفيضان المباشر الذي قد يغمر القرية بالكامل.

وأشار الدكتور كامل كمال إلى أن هذا الأمر يفسر وجود أسماء لعدد من القرى تبدأ بكلمات مثل «تل» أو «قوم» مثل تل العمارنة أو القوم الأخضر أو القوم الأحمر، موضحًا أن حياة الاستقرار والزراعة جذبت المزيد من الأسر والعائلات للعيش معًا، فكبرت التجمعات الصغيرة تدريجيًا لتشكل نواة المجتمع الريفي المترابط.

وأضاف أن كل قرية كانت تمثل عالمًا صغيرًا مكتفيًا ذاتيًا إلى حد كبير، حيث كان سكانها يعتمدون على أنفسهم في توفير احتياجاتهم الأساسية من خلال الزراعة وتربية الحيوانات، ومع مرور الوقت لم تعد القرى مجرد أماكن للسكن، بل تطورت لتصبح خلايا حيوية ونابضة في جسد مصر، وأصبحت القرية القلب النابض للإنتاج الزراعي الذي يطعم مصر كلها، والمخزن الحقيقي للتراث المصري الأصيل الذي حفظ العادات والتقاليد والقيم الموروثة عبر آلاف السنين.

وأوضح أن الزراعة لم تكن مجرد وسيلة لكسب العيش، بل كانت مدرسة كبرى شكلت الضمير والوجدان الجمعي للمصريين، فمن خلال الدورة الزراعية المتكررة التي تبدأ بحرث الأرض ثم بذر البذور ورعايتها حتى موعد الحصاد، استمد الفلاح المصري قيمًا مهمة مثل الصبر والانتظار، إذ تعلم أن النتائج الجيدة تحتاج إلى وقت ولا يمكن استعجالها، واقتنع بأن لكل شيء وقتًا مناسبًا.

وأشار أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية إلى أن الزراعة علمت الفلاح المصري كذلك احترام مواسم الطبيعة والنظام والدقة، لأن الزراعة مرتبطة بمواعيد ثابتة لا تحتمل التأجيل، بدءًا من مواعيد فيضان النيل مرورًا بمواسم الزراعة والحصاد وانتهاء بتنظيم عمليات الري وترشيد استخدام المياه.

وأضاف أن أحضان الريف المصري شهدت أيضًا نمو وترسخ قيم اجتماعية مهمة مثل التعاون والتكافل، حيث كانت العديد من المهام الشاقة مثل الحصاد أو بناء الجسور أو تنظيف الترع والقنوات المائية تُنجز بشكل جماعي، وكان الجميع يتحد لمساعدة جاره، وهو ما أسهم في نشوء تقاليد راسخة في المؤازرة والتكافل الاجتماعي.

وأشار الدكتور كامل كمال إلى أن العلاقة الحميمة بين الفلاح وأرضه التي يعتني بها كما يعتني بأبنائه أسست لقيمة عظيمة هي حب الأرض والارتباط بها، وهي قيمة أصبحت جزءًا من الهوية القومية المصرية، حيث تحول الدفاع عن الأرض إلى قيمة عليا راسخة في وجدان المصريين.

وأوضح أن الريف المصري شهد خلال العقود الماضية تغيرات كبيرة، حيث تحول من مجتمع القرية البسيط إلى مجتمع يشبه المدينة في كثير من ملامحه، فلم تعد القرية كما كانت في الماضي، بل اختلطت فيها ملامح الريف والمدينة وأصبح من الصعب التمييز بينهما.

وأضاف أن هذه التغيرات جاءت نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها انفتاح مصر على العالم، والثورة التكنولوجية، وانتشار الهواتف المحمولة والإنترنت، وتطور وسائل المواصلات، والهجرة والتنقل من الريف إلى المدينة، إلى جانب انتشار التعليم، فضلًا عن صدور قانون الإيجارات الزراعية الجديد رقم 96 لسنة 1992 الذي غيّر العلاقة بين المزارع وصاحب الأرض.

اشترك في قناة اجري نيوز على واتساب اشترك في قناة اجري نيوز على جوجل نيوز
icon

الأكثر قراءة