الأحد، 28 ذو الحجة 1447 ، 14 يونيو 2026

د. مها إبراهيم كمال على تكتب..كيف تجعل غذاءك مصدرًا لسعادتك؟

WhatsApp Image 2026-06-14 at 5.39.06 PM
د. مها إبراهيم كمال على باحث أول مركز البحوث الزراعية
أ أ
techno seeds
techno seeds

في عالم تتسارع فيه وتيرة الحياة وتزداد فيه الضغوط النفسية، أصبح الإنسان أكثر احتياجًا من أي وقتٍ مضى إلى مصادر حقيقية للسعادة والاستقرار النفسي.

ولم تعد السعادة تفسر فقط على أنها حالة شعورية مرتبطة بالظروف أو العلاقات الاجتماعية، بل بات العلم الحديث يكشف عن جذورها البيولوجية العميقة داخل الجسم، وخاصة في المخ .

ومن بين أهم هذه الجذور يبرز “الغذاء” كعاملٍ حاسم لا يقتصر دوره على إمداد الجسم بالطاقة، بل يمتد ليؤثر مباشرة في كيمياء المخ والهرمونات المسؤولة عن المزاج والراحة النفسية.

ومن هنا ظهر مفهوم “أغذية السعادة” التى تطلق على  الأطعمة التي تساهم في تعزيز الحالة النفسية من خلال تأثيرها على كيمياء الدماغ، مثل زيادة إفراز هرمونات السعادة كالسيروتونين والدوبامين.

تلعب التغذية دورًا مهمًا في تنظيم المزاج، حيث يحتوي المخ على نواقل عصبية تتأثر بشكل مباشر بما نتناوله يوميًا.

تشهد سلوكيات الأكل تغيرات كبيرة على مستوى العالم، كما تحدث تغيرات ملحوظة في المزاج والمشاعر ومستويات السعادة، إضافة إلى زيادة تنوع وشدة الأمراض.

وقد تغيّر مفهوم استهلاك الطعام واختيار نوعه خلال السنوات العشر الماضية، نتيجة تزايد تنوع الأطعمة وسهولة الحصول عليها. وهذه التغيرات قد تحمل آثارًا إيجابية وسلبية في الوقت نفسه.

فالعلاقة بين المزاج والغذاء علاقة معقدة؛ إذ يمكن أن يؤثر المزاج على نوعية الأطعمة التي نختارها. فعلى سبيل المثال، قد يؤدي التوتر الناتج عن أحداث الحياة المختلفة إلى سلوكيات غذائية غير منتظمة، مثل الإفراط في تناول الطعام أو تقليل عدد الوجبات.

وفي المقابل، ثبت أن بعض الأطعمة تؤثر بشكل ملحوظ على الحالة المزاجية للإنسان. فعند التعرض للضغط النفسي أو التوتر، قد يلجأ البعض إلى الإفراط في تناول الطعام أو فقدان الشهية، مما يؤدي إلى اضطراب في السلوك الغذائي.

وفي المقابل، هناك أطعمة قادرة على تحسين المزاج بشكل مباشر عبر التأثير على النواقل العصبية في المخ.

كما شهد العالم خلال السنوات الأخيرة تغيرًا كبيرًا في أنماط التغذية، نتيجة سهولة الوصول إلى الطعام وتنوعه، وهو ما انعكس بشكل إيجابي وسلبي في الوقت نفسه على الصحة النفسية والجسدية.

الأغذية التي تعزز السعادة لدى الإنسان
الكافيين: للتنبيه وتحسين المزاج

يعد الكافيين من أكثر المواد المنبهة انتشارًا في العالم، ويوجد في القهوة والشاي والمشروبات المختلفة. يعمل على تنشيط الجهاز العصبي المركزي، مما يزيد من الانتباه ويقلل الشعور بالتعب.

وقد وجدت الدراسات الحديثة أن تناول الكافيين في الصباح يمكن أن يقلل بشكل ملحوظ من التوتر الصباحي ويزيد من الأداء. كما لوحظ تأثيره الواضح في تقليل التعب وزيادة اليقظة والانتباه.

وقد أظهرت الأبحاث الحديثة أن استهلاكه باعتدال قد يرتبط بتحسن المزاج وتقليل خطر الاكتئاب.

إلا أن الإفراط فيه قد يؤدي إلى القلق، الأرق، والصداع، مما يجعل “الاعتدال” هو القاعدة الذهبية. خاصة لدى الأشخاص فوق 45 عامًا، لأنهم قد يكونون أكثر حساسية لتأثيراته مما يؤدي إلى زيادة التوتر والقلق.

الشوكولاتة والحلويات

تشير الدراسات إلى أن تناول الحلويات والأطعمة ذات المذاق الحلو يؤثر إيجابيًا على المزاج، ويكون هذا التأثير أقوى لدى النساء مقارنة بالرجال. وتعد الشوكولاتة من أكثر الأطعمة تأثيرًا في تحسين المزاج، حيث تعزز الشعور بالراحة وتخفف التوتر.

تحتوي الشوكولاتة، بالإضافة إلى الكافيين والثيوبرومين (المعروفين بخصائصهما المنبهة)، على مواد كيميائية تؤثر على المخ مثل:

الأنداميد (anandamide)

التيرامين والفينيل إيثيل أمين، التي تعمل بطريقة مشابهة للمنشطات.
ولهذا السبب تعتبر الشوكولاتة من الأطعمة ذات التأثير المضاد للاكتئاب.
وقد أظهرت الدراسات أن تناول الشوكولاتة عالية الجودة يحسن المزاج ويزيد اليقظة خلال اليوم. كما لوحظ حدوث تغيرات إيجابية في المزاج وتقليل التعب بعد ثلاثة أيام من تناول الشوكولاتة.

وتُعد خصائص الطعم والقوام سببًا رئيسيًا في زيادة الرغبة في تناول الشوكولاتة، مما يؤدي إلى “اشتهاء” هذا النوع من الطعام.

كما أن تناول البسكويت أو الشوكولاتة عالية الكاكاو مع وجبة الإفطار قد يساعد على الشعور بالشبع وتقليل الشهية خلال فترة الصباح.

لكن الإفراط في تناول هذه الأطعمة له آثار سلبية، مثل فقدان السيطرة على تناول الحلويات.

كما ارتبط الاستهلاك المفرط للشوكولاتة بزيادة القلق مع مرور الوقت مقارنة بالاستهلاك المعتدل.

وتشعر بعض النساء، خاصة في برامج إنقاص الوزن، بمشاعر سلبية أو ذنب بعد تناول الشوكولاتة.

في المقابل، فإن الاستهلاك المعتدل أو المنخفض المنتظم يرتبط بزيادة الشعور بالبهجة وتحسن المزاج.

كما تشير الدراسات إلى أن الأشخاص الذين يعانون من مزاج سيئ يميلون إلى زيادة استهلاك الشوكولاتة والأطعمة السكرية.

البروتين والمزاج

تعد البروتينات مكونات أساسية في جميع خلايا جسم الإنسان، حيث تلعب أدوارًا مهمة في:
تكوين الحمض النووي (DNA)
تصنيع الهرمونات
النمو
بناء العضلات والأنسجة
كما أنها ضرورية لعمليات الأيض، والتعافي، والحفاظ على الوزن أو فقدانه، وتقليل مخاطر الأمراض القلبية والفيروسية.

وبالإضافة إلى وظائفها الحيوية، فإن للبروتين دورًا نفسيًا مهمًا أيضًا.

إذ إن تناول البروتين والأطعمة الغنية به قد يساعد في تقليل أو الوقاية من الاكتئاب الشديد لدى الرجال.

وقد تبين أن تناول وجبات خفيفة من فول الصويا الغني بالبروتين يحسن المزاج والقدرات الإدراكية، ويساعد على التحكم في الشهية والشبع، ويحسن جودة النظام الغذائي لدى المراهقين.

كما أن الأنظمة الغذائية غير المتوازنة أو التي تفتقر للبروتين قد ترتبط بزيادة التوتر واضطرابات المزاج، مما يؤكد أهمية التوازن الغذائي.

الأسماك الدهنية كما وجد أن تناول مثل السلمون والتونة، غنية بـ أوميجا 3 التي تقلل الاكتئاب.

الخضروات والفواكه والمزاج

تُصنف الخضروات والفواكه ضمن الأغذية الغنية بالمغذيات الدقيقة مثل الفيتامينات الذائبة في الماء والمعادن النزرة، إضافة إلى احتوائها على مركبات نباتية (Phytonutrients) ذات خصائص:
مضادة للأكسدة
مضادة للبكتيريا
مضادة للطفرات
يمكن تناولها بأشكال مختلفة مثل الطازجة، المعلبة، المجمدة، المطهوة على البخار، المحمصة، المخبوزة، المقلية أو المخللة.

لكن تناولها طازجة يرتبط بصحة نفسية أفضل مقارنة بالأشكال المصنعة.

وقد ارتبط الاستهلاك العالي للفواكه والخضروات بتحسن الصحة النفسية والوظائف الإدراكية والمزاج لدى الرجال والنساء.

كما أن تناول أنواع متنوعة منها يوميًا وبألوان مختلفة لدى الشباب ارتبط بزيادة الإبداع والفضول والشعور بالسعادة.

لكن الوضع الاقتصادي قد يؤثر على القدرة الشرائية ويقلل من تنوع الاختيارات الغذائية.

ومع ذلك، فإن زيادة المعرفة بطرق تحضير الخضروات لدى ذوي الدخل المنخفض قد يساعد في تحسين استهلاكها وبالتالي تحسين الصحة والمزاج.

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الفلافونويدات الموجودة في الفواكه والخضروات ترتبط بانخفاض خطر الاكتئاب.

كما أنها تحسن الوظائف التنفيذية في الدماغ وتقلل من أنماط التفكير المرتبطة بالاكتئاب، مما يؤدي إلى تحسين المزاج.

وفي دراسة شملت أطفالًا (7–10 سنوات) وشبابًا (18–21 عامًا) تناولوا مشروبًا غنيًا بالفلافونويدات (التوت الأزرق)، أظهرت النتائج تحسنًا في المزاج وتقليل أعراض الاكتئاب.

وعلى عكس بعض الأطعمة الأخرى، لا توجد قيود على تناول الخضروات والفواكه لدى البالغين الأصحاء ضمن النظام الغذائي الطبيعي.

لكن الإفراط في تناول الفواكه قد يثير القلق بسبب محتواها من السكريات الطبيعية، إلا أن الدراسات تؤكد أن تناول الفاكهة الكاملة يرتبط بانخفاض خطر السمنة والأمراض الأيضية، لأن الألياف الموجودة فيها تساعد على تنظيم امتصاص السكر وتقليل تأثيره السلبي.

الماء والمزاج

الماء هو العنصر الأكثر أهمية للحياة، إذ تحتاج كل خلية حية إليه لتعمل وتبقى على قيد الحياة.

فهو يساعد في تكوين اللعاب، وتنظيم درجة حرارة الجسم، وحماية الأنسجة والأعضاء، والمساعدة في التخلص من الفضلات عبر التعرق والتبول والتبرز، كما يدعم عملية الهضم والأداء البدني ويمنع الإمساك والجفاف.

كما يساعد الماء في امتصاص العناصر الغذائية، وإنقاص الوزن، وتحسين دوران الأكسجين في الدم، ومقاومة الأمراض، وزيادة الطاقة، وتحسين الوظائف الإدراكية والمزاج.

لذلك فإن قلة استهلاك الماء تؤثر في النهاية على الحالة المزاجية.

وقد تبين أن عدم شرب كمية كافية من الماء لدى النساء قد يؤدي إلى مزاج سيئ، واكتئاب، وتشوش، وتوتر، وغضب.

وفي المقابل، يمكن أن تؤثر هذه الأعراض المزاجية نفسها على كمية الماء المستهلكة خلال اليوم، سواء بالزيادة أو النقصان.

كما يرتبط نقص السوائل بالجفاف، والذي يؤدي إلى التعب، وانخفاض الانتباه، وقلة النشاط، وانخفاض إفراز اللعاب، وضعف جودة النوم.

وقد وجد أن المزاج السيئ يرتبط بقوة بانخفاض استهلاك الماء، كما أن التعب ومستوى النشاط البدني يتأثران بكمية الماء المستهلكة.


كما ارتبط الجفاف لدى الرجال بانخفاض الطاقة، والتعب، والقلق، وسوء المزاج، وضعف الذاكرة.

في حين لم تجد بعض الدراسات فرقًا كبيرًا في المزاج الاكتئابي حسب كمية الماء، بل حسب توقيت شربه. وقد عانى الأشخاص الذين شربوا كميات أقل من الماء خلال اليوم من العطش، وانخفاض الطاقة، واضطرابات النوم.

ومن المهم الانتباه إلى كمية الماء اليومية للحفاظ على صحة مثالية. ووفقًا للأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب، فإن الاحتياج اليومي التقريبي من الماء (من جميع المشروبات والأطعمة) هو حوالي:
15.5 كوبًا للرجال (3.75 لتر)
11.5 كوبًا للنساء (2.73 لتر)
ويحصل الإنسان على حوالي 20% من احتياجاته من الماء عبر الطعام، بينما يجب الحصول على الباقي من السوائل والمشروبات. وبالتالي فإن الكمية المثالية تقريبًا هي:
3.0 لتر يوميًا للرجال
2.12 لتر يوميًا للنساء
عناصر غذائية أخرى تؤثر في المزاج
إضافة إلى الأطعمة المذكورة سابقًا، هناك عناصر غذائية أخرى لها تأثيرات مثبتة على المزاج:

الحديد والثيامين وحمض الفوليك

نقص الحديد مرتبط بالاكتئاب، ضعف التركيز، وزيادة التعب
الثيامين (فيتامين( B1) يحسن النشاط الاجتماعي، والرفاهية، ومستوى الطاقة
نقصه يؤثر سلبًا على المزاج والوظائف الإدراكية
حمض الفوليك
يلعب دورًا مهمًا في صحة الدماغ. نقصه يرتبط بـ:
تأخر النمو عند الأطفال
اضطرابات سلوكية ونفسية

الاكتئاب واضطرابات عصبية لدى البالغين

كما أن مكملات الفوليك لدى كبار السن ترتبط بتحسن الأداء المعرفي والمزاج. وغالبًا ما يعاني المرضى النفسيون من نقص الفوليك نتيجة ضعف الشهية أو تأثير الأدوية.


أحماض أوميجا-3 الدهنية

تشمل:
ALA ))في الزيوت النباتية
 ( EPA ( DHA -في الأسماك والمأكولات البحرية
وتؤثر إيجابيًا على:
السلوك
المزاج
التحكم في الاندفاع
تقليل العصبية
كما أن انخفاض مستوياتها يرتبط بالاكتئاب واضطرابات المزاج، وهي ضرورية لنمو الدماغ ووظيفته.

هل تساعد الإعلانات الغذائية في تحسين التغذية؟

في العصر الرقمي، أصبحت وسائل الإعلام والإعلانات تتحكم بشكل كبير في السلوكيات الغذائية واختيارات الطعام، خاصة لدى الأطفال والمراهقين.
لكن المشكلة أن معظم الإعلانات تركز على:
الوجبات السريعة
الأطعمة عالية السعرات
الحلويات
الشوكولاتة
وهذا يساهم في زيادة معدلات السمنة عالميًا، خصوصًا بين الأطفال. كما أن هذه الإعلانات غالبًا ما تستهدف الفئات الأكثر ضعفًا.
ومن المفارقات أن الإعلانات الغذائية غالبًا لا تستخدم الرسائل العلمية الصحيحة، إذ:
لا تروج للأطعمة الصحية رغم تأثيرها الإيجابي على المزاج
بينما تقدَّم الأطعمة غير الصحية برسائل توحي بالسعادة والرفاهية
كما أن الأشخاص من مختلف الأعمار والثقافات يتأثرون بما يشاهدونه في الإعلام، لذلك فإن حملات التوعية والإعلانات الصحية يمكن أن:
تغير السلوك الغذائي
تقلل السمنة
تعزز المعرفة الصحية

وتحسن اختيارات الطعام بشكل عام

وبناءً على ذلك، يمكن اعتبار “أغذية السعادة” نهجًا حياتيًا متكاملًا، وليس مجرد قائمة أطعمة محددة، حيث يجمع بين التغذية السليمة، والاعتدال، والوعي، إلى جانب نمط حياة صحي يشمل النوم الجيد والنشاط البدني.

وفي النهاية، فإن الاستثمار في الغذاء الصحي هو استثمار في الصحة النفسية قبل الجسدية، وهو خطوة أساسية نحو حياة أكثر توازنًا ورضا وسعادة مستدامة.

إعداد

د. مها إبراهيم كمال على
باحث أول–– مركز البحوث الزراعية- معهد بحوث تكنولوجيا الاغذية

اشترك في قناة اجري نيوز على واتساب اشترك في قناة اجري نيوز على جوجل نيوز
icon

الأكثر قراءة