أ
أ
في ظل استمرار
التغيرات الاقتصادية العالمية وتحديات ارتفاع الأسعار، يترقب الشارع المصري مسار
الاقتصاد خلال الفترة المقبلة، خاصة مع تحركات معدلات التضخم وأسعار الفائدة وسعر
صرف الجنيه، بالتزامن مع تحسن مؤشرات النمو وزيادة دور القطاع الخاص في النشاط
الاقتصادي، وبينما تشير
البيانات إلى تراجع كبير في مستويات التضخم مقارنة بذروة الأزمة، لا تزال تكلفة
المعيشة وضغوط الأسعار تمثل تحديًا أمام المواطنين، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل
الاقتصاد المصري وقدرته على تحقيق نمو مستدام
الاقتصاد المصري يمر بمرحلة اقتصادية
وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة رشا السيد محمد السلاب، الخبيرة الاقتصادية، أن الاقتصاد المصري يمر حاليًا بمرحلة انتقالية مهمة، ينتقل خلالها تدريجيًا من مرحلة التعامل مع تداعيات الأزمة الاقتصادية إلى مرحلة تستهدف استعادة معدلات النمو وتعزيز الاستثمار والإنتاج، مشيرة إلى أن التضخم سيظل أحد أبرز العوامل المؤثرة في مسار الاقتصاد خلال الفترة المقبلة.
وأوضحت السلاب في تصريحات خاصة لـ " اجري نيوز" أن أحدث المؤشرات الاقتصادية تعكس تحسنًا نسبيًا مقارنة بالمستويات القياسية التي سجلها التضخم خلال السنوات الماضية، إلا أن الضغوط التضخمية لم تنته بشكل كامل، خاصة في ظل استمرار تأثير تكاليف الطاقة والنقل والإسكان والخدمات، إلى جانب تحركات أسعار الصرف والأسعار العالمية على تكلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج.
التضخم يظل تحت المراقبة
وأشارت إلى أن ارتفاع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 14.9% خلال يوليو 2026 مقابل 14.3% في يونيو، بالتزامن مع ارتفاع معدل التضخم الأساسي إلى 14.7% مقابل 14.3%، يؤكد أن ملف الأسعار لا يزال بحاجة إلى متابعة دقيقة.
وأضافت أن الارتفاع السنوي في التضخم لا يعني بالضرورة دخول الاقتصاد في موجة تضخمية جديدة، خاصة مع تسجيل التضخم الشهري في المدن نحو صفر%، موضحة أن جزءًا من الارتفاع السنوي يرتبط بتأثيرات سنة الأساس وليس بالضرورة بحدوث قفزة جديدة في الأسعار خلال الشهر.
هل تعود موجة التضخم من جديد؟
وترى السلاب أن معدل التضخم قد يشهد بعض الارتفاعات المؤقتة خلال الفترة المقبلة، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة عودة الاقتصاد المصري إلى المستويات التضخمية المرتفعة التي شهدها خلال ذروة الأزمة السابقة.
وأوضحت أن هناك عددًا من العوامل التي يمكن أن تفرض ضغوطًا على الأسعار خلال الشهور المقبلة، وفي مقدمتها أسعار الطاقة والوقود والكهرباء، وتكاليف النقل والشحن، وتحركات سعر صرف الجنيه، بالإضافة إلى أسعار السلع الأساسية عالميًا والتطورات الجيوسياسية التي قد تؤثر على التجارة الدولية وسلاسل الإمداد.
وأضافت أن استمرار استقرار هذه العوامل سيكون عنصرًا أساسيًا في دعم الاتجاه النزولي للتضخم، خاصة مع اقتراب الاقتصاد من مرحلة أكثر استقرارًا مقارنة بالسنوات الماضية.
انخفاض التضخم لا يعني تراجع الأسعار
وأكدت دكتورة رشا السيد محمد السلاب الخبيرة الاقتصادية في تصريحات لـ " اجري نيوز" أن أحد أهم المفاهيم التي يجب توضيحها للمواطنين هو أن انخفاض معدل التضخم لا يعني انخفاض أسعار السلع والخدمات، وإنما يعني أن سرعة ارتفاع الأسعار أصبحت أقل.
وأشارت إلى أن المواطن قد يظل يشعر بارتفاع تكلفة المعيشة حتى مع تراجع معدل التضخم، نتيجة ارتفاع المستوى العام للأسعار مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما يجعل تحسين الدخول الحقيقية وزيادة الإنتاج وفرص العمل من أهم التحديات خلال المرحلة المقبلة.
النمو الاقتصادي يعطي إشارات إيجابية
وفي المقابل، ترى الخبيرة الاقتصادية أن مؤشرات النمو تعطي إشارات أكثر إيجابية بشأن قدرة الاقتصاد المصري على تجاوز تداعيات المرحلة السابقة، لافتة إلى تسجيل الاقتصاد نموًا بلغ 5.3% خلال الربع الأول من العام المالي 2025/2026 مقابل نحو 3.5% خلال الفترة المقابلة من العام السابق.
كما أشارت إلى ارتفاع استثمارات القطاع الخاص بنسبة 25.9%، واستحواذها على نحو 66% من الاستثمارات المنفذة خلال الربع، معتبرة أن زيادة مساهمة القطاع الخاص تمثل مؤشرًا مهمًا على تحسن النشاط الاقتصادي وتعزيز دور القطاع الخاص في قيادة النمو.
القطاع الخاص والصادرات مفتاح التعافي
وأكدت السلاب أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى زيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي والاستثمار الخاص والصادرات، مع التركيز على القطاعات القادرة على توفير فرص العمل وزيادة موارد النقد الأجنبي.
وأوضحت أن الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات اللوجستية وتكنولوجيا المعلومات تمثل قطاعات مهمة يمكن أن تسهم في تعزيز قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام، وتقليل الاعتماد على الواردات في السلع التي يمكن إنتاجها محليًا.
وأضافت أن زيادة الصادرات وتحسين القدرة التنافسية للمنتجات المصرية سيكونان من أهم العوامل التي تدعم استقرار الاقتصاد على المدى المتوسط والطويل.
سعر الصرف والتضخم.. علاقة شديدة الحساسية
وأشارت الخبيرة الاقتصادية إلى أن سعر الصرف سيظل أحد أهم المتغيرات المؤثرة على معدلات التضخم، خاصة أن الاقتصاد المصري يعتمد على استيراد نسبة من احتياجاته ومدخلات الإنتاج، وبالتالي فإن أي ضغوط قوية على الجنيه يمكن أن تنعكس على تكلفة السلع والخدمات.
وأكدت أن استدامة استقرار سوق الصرف تعد أكثر أهمية من تحقيق استقرار مؤقت في سعر العملة، موضحة أن زيادة موارد النقد الأجنبي من الصادرات والسياحة وتحويلات المصريين بالخارج والاستثمار الأجنبي وقناة السويس يمكن أن تدعم استقرار سوق الصرف وتحد من التضخم المستورد.
خفض الفائدة مرتبط بمسار التضخم
وترى السلاب أن استمرار تراجع التضخم بصورة تدريجية سيمنح البنك المركزي مساحة أكبر للتحرك في أسعار الفائدة عندما تسمح الظروف الاقتصادية بذلك، وهو ما يمكن أن ينعكس إيجابيًا على تكلفة التمويل والاستثمار والقطاع الخاص والنشاط الاقتصادي بشكل عام.
وفي المقابل، فإن عودة التضخم للارتفاع بصورة قوية نتيجة صدمات داخلية أو خارجية قد تؤدي إلى تأجيل دورة خفض أسعار الفائدة، بما يرفع تكلفة الاقتراض ويمثل ضغطًا إضافيًا على الشركات والاستثمارات.
الاقتصاد المصري أمام 3 سيناريوهات
وأوضحت السلاب أن السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال الفترة المقبلة يتمثل في استمرار الاقتصاد المصري في تحقيق معدلات نمو إيجابية، مع بقاء التضخم عند مستويات مرتفعة نسبيًا خلال جزء من الفترة المقبلة، قبل أن يستأنف مساره النزولي تدريجيًا، بشرط عدم حدوث صدمات جديدة في أسعار الطاقة أو سعر الصرف أو الأسواق العالمية.
وأضافت أن السيناريو الأكثر إيجابية يتمثل في تراجع التضخم بوتيرة أسرع بالتزامن مع زيادة الاستثمار الخاص والصادرات والإنتاج وتدفقات النقد الأجنبي، بما يتيح مساحة أكبر لخفض الفائدة ودعم النشاط الاقتصادي.
أما السيناريو الأكثر خطورة، فيرتبط بحدوث صدمات خارجية جديدة في أسعار النفط أو الغذاء أو الشحن أو أسواق الصرف، وهو ما قد يعيد الضغوط التضخمية ويؤخر خفض الفائدة ويزيد تكلفة التمويل.
رشا السلاب: المعركة الحقيقية ليست خفض
التضخم فقط
واختتمت الدكتورة رشا السلاب رؤيتها بالتأكيد على أن الاقتصاد المصري لا يواجه في الوقت الحالي سيناريو ركود شامل، كما أن تداعيات الأزمة الاقتصادية لم تنتهِ بصورة كاملة، وإنما يتحرك الاقتصاد في مرحلة بين التعافي واستمرار الضغوط.
وأكدت أن الاختبار الحقيقي خلال الفترة المقبلة لن يكون فقط في خفض معدل التضخم أو تحقيق معدلات نمو مرتفعة، وإنما في قدرة الاقتصاد على تحويل الاستقرار النقدي والمالي إلى نمو إنتاجي حقيقي ومستدام تقوده الصناعة والصادرات والاستثمار الخاص.
وشددت على أن زيادة الإنتاج المحلي، وتعزيز الصادرات، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وزيادة الموارد الدولارية المستدامة، وتحسين القدرة التنافسية للاقتصاد، تمثل الركائز الأساسية التي ستحدد اتجاه الاقتصاد المصري خلال المرحلة المقبلة.







