شهدت قطاعات الإنتاج الداجني والحيواني والصناعات المغذية لهما في مصر تحولات جوهرية فرضتها التحديات الاقتصادية والبيئية المتلاحقة، وبينما تسعى الدولة لتعزيز الأمن الغذائي وتحقيق الاكتفاء الذاتي من البروتين الأبيض واللحوم الحمراء، يقف التصنيع المحلي للأدوية البيطرية، وإضافات الأعلاف، وتطوير البنية التحتية للمزارع، والحلول التمويلية، كدعائم أساسية للعبور من هذه المرحلة الحساسة.
وفي هذا السياق، استعرض نخبة من الخبراء والمتخصصين والمصنعين ورجال الأعمال الرؤى والتحديات التي تواجه قطاع الإنتاج الحيواني والداجني، مستعرضين الآليات الكفيلة بتجاوز العقبات الراهنة، بدءاً من تنظيم الأسواق وتحديث المنظومات البيطرية، وصولاً إلى التوسع في التصنيع المحلي واستخدام التقنيات الحديثة.
التصنيع المحلي للأدوية وإضافات الأعلاف.. جودة تتحدى الاستيراد
أكد د. محمد عصام، رئيس مجلس إدارة شركة بي أس فارما لتصنيع إضافات الأعلاف، أن الشركة بدأت بتسويق الأدوية البيطرية قبل الاتجاه للإنتاج الخاص بجودة عالية، مما مكنها من كسب ثقة العديد من العملاء ومنافسة المنتج المستورد، مشيراً إلى السعي المستمر لتقديم منتج قيم بسعر اقتصادي يلبي تطلعات المربين الذين يمتلكون الوعي الكافي لاختيار الأفضل.

من جانبه، أوضح د. محمد المهدي، المدير التنفيذي لشركة جلوبال أفريقيا لتصنيع الأدوية البيطرية، أن بدايات العمل كانت في عام 2010 بالإنتاج لحساب مصانع أخرى حتى التوسع لتأسيس مجموعة شركات متخصصة في الأدوية وإضافات الأعلاف، مشيرا إلى أن قطاع الدواء تأثر بارتفاع الأسعار كغيره من المجالات، معرباً عن أمله في تحسن الأوضاع قريباً، مؤكداً تسجيل جميع المنتجات المحلية بوزارتي الصحة والزراعة، والتخطيط لتأسيس مصنع خاص والتوسع في التصدير الخارجي مع التركيز على الجودة كمعيار أساسي.
وفي السياق ذاته، بين د. محمد عبد الحميد، رئيس مجلس إدارة شركة ساينس ميد للأدوية البيطرية، أن الشركة بدأت أعمالها عام 2012 بكفر الشيخ في مجال إضافات الأعلاف ثم اتجهت للتسويق الدوائي عام 2014.
ولفت إلى مواجهة تحديات ترتبط بتذبذب الأسعار ونقص المادة الخام مما يضطر الشركة لضغط هامش الربح للحفاظ على عملائها، مع الالتزام التام بالتسجيل لدى وزارة الصحة والزراعة والهيئة العامة للخدمات البيطرية وتوفير خدمة ما بعد البيع.
وأشار د. يوسف العبد، رئيس مجلس إدارة شركة ميديا فيت للأدوية البيطرية وإضافات الأعلاف، إلى أن الشركة الوطنية المصرية التأسيس منذ 2010 تعمل على تقديم كل ما هو جديد لتنمية الثروة الحيوانية والداجنة، مع السعي لتوفير البدائل لاستمرار التصنيع المحلي الذي يمثل مستقبل الصناعة.
ولفت إلى أن ضريبة القيمة المضافة تشكل عبئاً على التكلفة، مشدداً على ضرورة التوسع في إنتاج البدائل لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
تطوير التغذية والتحويل المزرعي في مصانع الأعلاف
أكد الحاج أحمد عبد الرحمن، رئيس مجلس إدارة شركة القائد للأعلاف، على توفر جميع أصناف الأعلاف وعمل المصنع بكفاءة عالية لتقديم منتجات بأسعار مناسبة رغم ارتفاع أسعار الخامات وتقليل هامش الربح.
وأشاد بقرار الإعفاء الضريبي لدوره في دعم الصناعة، مشيراً إلى تسجيل كافة الخامات بوزارة الزراعة وتقديم خدمة ما بعد البيع لمتابعة معدلات التحويل العالية للمنتجات داخل المزارع.
وفي مجال استخلاص الزيوت المغذية، أوضح د. إسماعيل يوسف، المستشار الفني لشركة دمياط للزيوت، أن الشركة تُعد من الجهات الرائدة في استخلاص الزيوت من بذرة القطن المصري، منتجة نحو 300 طن يومياً من الزيت الغذائي عالي القيمة والمستخدم عالمياً، مما يساهم في دعم السوق المحلي بالمخرجات والمنتجات العلفية.
التسهيلات التمويلية ودور القطاع المصرفي في دعم المزارعين
صرح عبد الحميد الشابوري، رئيس منطقة شرق الدلتا للبنك الزراعي المصري، بأن البنك يسعى لتطوير خدماته كافة، حيث تم تحديث 275 فرعاً وتعيين كوادر شبابية جديدة وتطوير خدمات العملاء.
وأشار الشابوري إلى إتاحة برامج تمويل للري الحديث على 10 أقساط، إلى جانب استمرار البنك في تطوير مراكز تجميع الألبان بمختلف المحافظات تنفيذاً للتعليمات الرئاسية.
وأكد تخصص البنك في مشروع إحياء البتلو المرتقب ظهور نتائجه الإيجابية خلال أشهر، فضلاً عن نجاح مشروع الزراعة التعاقدية الذي أطلقه البنك بين شركات التصدير والفلاحين.

الخريطة الوبائية والأمان الحيوي في مزارع الدواجن
شدد د. مجدي القاضي، استاد أمراض الدواجن بجامعة بني سويف، على ضرورة تنظيم صناعة الدواجن من قبل الدولة، لافتاً إلى أن غياب الخريطة الوبائية يتسبب في خسائر كبيرة. وأوضح أن اللقاحات المتاحة تهدف للوقاية ولا تمنع الأمراض بنسبة 100%، مشيراً إلى أن فيروسات "النيوكاسل" و"الآي بي" تُعد من أخطر التحديات الراهنة التي تتطلب تكاتف كافة المربين.
بدوره، أوضح د. أشرف صيوح، رئيس مجلس إدارة معامل صيوح، أن التشخيص الدقيق يُعد الأساس للوصول للعلاج الناجع، مشيراً إلى أن تحقيق إنتاجية عالية يستلزم تطبيق برامج تحصينيه جيدة وقواعد أمان حيوي داخل المزارع، مضيفا أن المعامل تتولى زيارة المزارع وإجراء الفحوصات لتحديد برنامج التحصين المناسب بحسب عمر الكتاكيت والمنطقة، للوقاية من أمراض خطيرة مثل النيوكاسل والأنفلونزا والاي بي.

استراتيجيات الإنتاج المتكامل والتربية الحديثة
بيّن المهندس سامي قنديل، رئيس قطاع المبيعات بشركة دواجن الوطنية، أن المجموعة بدأت عملها بالسعودية عام 1988 وفي مصر عام 1997 بسلالات عالمية، حيث تنتج حالياً نحو 4 ملايين طن من الجدود سنوياً، وتغطي جانباً كبيراً من احتياجات السوق المصري من الأمهات بنحو 4 ملايين طائر من أصل 14 مليون طائر يحتاجها السوق، مع استخدام 100 ألف طائر يومياً بمجازرها الخاصة ضمن منظومة متكاملة.
ولفت قنديل إلى التحديات المتعلقة بارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج، داعياً لدعم المربين بإحتياجات التربية لتثبيت الأسعار، ومشيراً إلى أن التربية بمصر ما زالت تعاني العشوائية والغياب عن التنظيم في مواجهة الأمراض المستوطنة.
من جهته، أكد المهندس عمرو علي، العضو المنتدب لشركة طيبة لجدود الدواجن، أن صناعة الدواجن أضحت استراتيجية وتتطلب دعماً حكومياً للفاعلين فيها، مشيراً إلى صعوبة تثبيت الأسعار نتيجة ارتفاع مدخلات الإنتاج وتأثر القطاع بالأنشطة والأزمات العالمية.
وأشار إلى أن تطبيق قانون 70 يصب في مصلحة الصناعة، مشدداً على أن التحول إلى نظام التربية المغلقة يمثل الحل الآمن الوحيد لمواجهة تغير الخريطة الوبائية واستغلال السلالات المحلية.
تقنيات العزل الحراري ومواجهة التغيرات المناخية
أوضح المهندس عماد العشماوي، رئيس مجلس إدارة شركة المنتصر للمقاولات المتكاملة وتقنيات العزل الحديث، أن قضايا التغير المناخي تتطلب تطوير تقنيات العزل بشكل مستمر، مشيراً إلى دراسة المشكلات الحرارية وتوفير منتجات عزل فريدة عالية الجودة وطويلة العمر.وأضاف العشماوي أن الشركة تطبق تقنيات العزل الحديث داخل مزارع الدواجن المغلقة باستخدام خامات طاردة للفطريات والبكتيريا لتوفير نظام عزل متكامل يضمن حماية القطعان واستدامة المنشآت.
إن النهوض بقطاع الإنتاج الحيواني والداجني في مصر يتطلب رؤية شمولية تتضافر فيها جهود الدولة والقطاع الخاص، وتبدأ هذه الرؤية من تقديم التسهيلات التمويلية والتشريعية للمربين، مروراً بتطوير جودة الأعلاف والأدوية البيطرية المصنوعة محلياً، ووصولاً إلى تعميم نظم التربية المغلقة وتطوير حلول العزل وتقنيات الأمان الحيوي، لضمان استقرار الأسعار وتحقيق الأمن الغذائي للمواطنين.







