ارتبط الجاموس المصري تاريخيًا بعلاقة وثيقة مع الفلاح، إذ مثّل مصدرًا أساسيًا للرزق والمعيشة في الريف المصري، حيث كان شريكًا في الكفاح اليومي وظهرًا يعتمد عليه الفلاح في تربية أبنائه وتوفير احتياجات أسرته فالجاموسة في الثقافة الريفية ليست مجرد حيوان إنتاجي، بل رمز للخير والبركة، إذ يسهم لبنها الغزير ولحمها المميز في دعم اقتصاد الأسرة الريفية، خاصة مع شروق الشمس حيث يبدأ الفلاحون في حلب الألبان للاستفادة من إنتاجها اليومي. ويُضرب بها المثل الشعبي القائل إن «الجاموسة الموجودة في الزريبة تغني عن مائة غريبة» تعبيرًا عن قيمتها الاقتصادية والمعيشية.
الجاموس أم الأبقار.. جدل الإنتاج وتحديات المياه
وتشهد أسواق اللحوم في المدن إقبالًا ملحوظًا على اللحم البقري، بينما يظل اللحم الجاموسي الأكثر انتشارًا في القرى المصرية، كما أن الأبقار تستهلك كميات كبيرة من المياه، حيث تشير الدراسات الزراعية إلى أن تربية رأس ماشية واحدة قد تستهلك مياهًا تعادل احتياجات ري فدان كامل سنويًا، وهو ما يثير نقاشًا حول تأثير تربية الأبقار على الموارد المائية، خاصة في ظل التحديات المناخية.
ويرى عدد من خبراء الزراعة، ومن بينهم أستاذ الأراضي والمياه نادر نور الدين، أن مناخ مصر الحار لا يُعد مناسبًا لتربية بعض سلالات الأبقار مقارنة بالمناخات الأوروبية الباردة، مشيرًا إلى أن الجاموس المصري يمتلك قدرة أعلى على التكيف مع درجات الحرارة المرتفعة ومقاومة الأمراض، ما يجعله مناسبًا للبيئة الزراعية المحلية.
مزايا الجاموس المصري في الإنتاج والتغذية
ويؤكد العاملون في مجال تربية الماشية أن الجاموس يتميز بقدرة أفضل على مقاومة التغيرات الجوية مقارنة بالأبقار، إضافة إلى انخفاض تكلفة تغذيته نسبيًا، حيث يعتمد على الأعلاف المتاحة مثل التبن والشعير وبعض المخلفات الزراعية، بينما تحتاج الأبقار إلى أعلاف خضراء بشكل أكبر مثل البرسيم والذرة، وهو ما قد يساهم في ارتفاع أسعار بعض المحاصيل العلفية.وتنتج الجاموسة الحلابي كميات كبيرة من اللبن قد تصل إلى ما بين 10 إلى 12 لترًا يوميًا في الظروف الجيدة، وهو معدل أعلى من إنتاج بعض سلالات الأبقار، كما يتميز اللبن الجاموسي بنسبة دسم مرتفعة وقيمة غذائية عالية، ما يجعله مفضلًا في صناعة الزبدة والزبادي والحلويات.
تطوير السلالات وزيادة الإنتاجية في مصر
ويشير خبراء مركز البحوث الزراعية إلى أن الجاموس المصري يمتلك خصائص بيولوجية مميزة تجعله عنصرًا مهمًا في الاقتصاد الزراعي، حيث تتميز سلالاته المختلفة مثل الجاموس المنوفي والصعيدي والبحيري بقدرتها على التكيف مع البيئة المحلية وإنتاج كميات جيدة من الألبان ذات نسبة لاكتوز مرتفعة.
كما يتميز اللحم الجاموسي بانخفاض نسبة الدهون والكوليسترول مقارنة ببعض أنواع اللحوم الأخرى، ما يجعله مناسبًا لمرضى القلب وضغط الدم، فضلًا عن احتوائه على نسبة عالية من البروتينات والعناصر الغذائية الضرورية لبناء الجسم.
ومع تطور الأبحاث الزراعية في مصر، شهدت إنتاجية الجاموس تحسنًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، حيث نجحت بعض الدراسات البحثية في رفع إنتاجية اللبن لتصل إلى نحو 15 كيلوجرامًا يوميًا، في إطار جهود تحسين السلالات وتعزيز قطاع الإنتاج الحيواني.





