الثلاثاء، 01 شعبان 1447 ، 20 يناير 2026

الدكتورة منة الله بكر تكتب: الذكاء الاصطناعي وهندسة الميكروبيوم.. عندما يتحدث الطعام إلى الدماغ

الدكتورة منة الله
الدكتورة منة الله
أ أ
techno seeds
techno seeds
كشف العلم الحديث أن ما نأكله ليس مجرد وقود، بل هو "رسائل مشفرة" تؤثر بشكل مباشر على قدرتنا على التذكر، والتركيز، وحتى استقرارنا النفسي وفي حالة مرضى الزهايمر، تصبح هذه الرسائل مشوشة ومتقطعة، وهنا يبرز دور الذكاء الاصطناعي في اعادة ضبط هذه العمليات الحيوية عبر ما يعرف بـ محور الدماغ-الأمعاء (Gut-Brain Axis).

خوارزميات الميكروبيوم: هندسة الذاكرة من الداخل

تحتضن أمعاؤنا تريليونات الكائنات الدقيقة المعروفة بـ "الميكروبيوم". هذه الكائنات ليست مجرد ضيوف، بل هي مصانع كيميائية تنتج ناقلات عصبية حاسمة. في مرضى الزهايمر، يختل توازن هذه البيئة، مما يزيد من حدة التدهور الإدراكي. هنا يتدخل الذكاء الاصطناعي بقدرته الفائقة على تحليل "البيانات الضخمة". من خلال تحليل عينات الميكروبيوم الخاصة بالمريض، يستطيع النظام تحديد النقص في سلالات بكتيرية معينة مسؤولة عن إنتاج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة (SCFAs) التي تحمي أغشية الدماغ. الذكاء الاصطناعي لا يقترح "طعاماً صحياً فحسب، بل يصمم هندسة غذائية دقيقة تخبرنا ان هذا المريض يحتاج لنوع معين من الالياف ليغذي البكتيريا التي تحارب التهاب أعصابه.


رادار الالتهاب الصامت: الغذاء كدواء لحظي

يعرف الزهايمر في الأوساط العلمية بأنه حالة من "الالتهاب المزمن" في الدماغ. والذكاء الاصطناعي يعمل اليوم كـ رادار مبكر؛ فهو يراقب المؤشرات الحيوية للمريض مثل بروتين سي التفاعلي (C-reactive protein  CRP) ويربطها بما يتناوله من طعام. بذكاء مذهل، يقوم النظام بـ فلترة الوجبات التي قد تسبب تهيجاً مناعياً، ويستبدلها فوراً بأغذية تعمل كمضادات التهاب طبيعية. إنه لا ينتظر وقوع الضرر، بل يتنبأ به ويمنعه، محولاً طبق الطعام إلى جرعة علاجية مخصص تعدل مسار المرض يوماً بيوم.

التذوق العصبي (Neuro-Gastronomy): إيقاظ الحواس المنسية

من أقسى تحديات الزهايمر هو فقدان المريض لحاستي الشم والتذوق، مما يجعل الغذاء السليم يبدو بلا طعم، ويقوده لرفضه. هنا تأتي لمسة الذكاء الاصطناعي في علم "التذوق العصبي". حيث يحلل التاريخ الذوقي للمريض والروابط العصبية المتبقية لديه، ثم يقترح إضافة نكهات طبيعية مكثفة (مثل الروزماري أو القرفة) التي تمتلك قدرة فريدة على تنبيه الذاكرة في الدماغ. الذكاء الاصطناعي هنا لا يطعم الجسد فقط، بل يطعم الروح والذاكرة، محفزاً مراكز المكافأة في الدماغ لتجعل تناول الطعام الصحي رحلة ممتعة تعيد للمريض اتصاله بالعالم.

الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة الوقود الحيوي والدرع الواقي للدماغ:

الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة (مثل البوتيرات والأسيتات) هي مركبات تنتجها البكتيريا النافعة عند تخمير الألياف. يراقب الذكاء الاصطناعي هذه المركبات لثلاثة أسباب جوهرية:
ترميم سياج الدماغ: تعمل كـ "غراء حيوي" لتقوية الحاجز الدموي الدماغي blood) brain barrier-bbb)، مما يمنع تسلل السموم إلى النسيج العصبي.

إطفاء الحرائق الالتهابية: ترسل إشارات كيميائية لتهدئة الجهاز المناعي داخل الدماغ، مما يبطئ تدهور الخلايا.
تنشيط عامل التغذية العصبي للدماغ: (BDNF) Brain-Derived Neurotrophic Factor تحفز إنتاج عامل النمو العصبي المسؤول عن بناء روابط عصبية جديدة.

قائمة الوجبات المصممة خوارزمياً
الفئة الالولى: "المحفزات الجزيئية" (بقوليات معالجة تقنياً)

تستهدف تغذية الميكروبيوم دون إجهاد القولون:
هريس العدس الأحمر الملكي: مقشر ومهروس تماماً ليكون لطيفاً، وهو غني بالألياف الذائبة التي تدعم التنوع البكتيري.
كريم الحمص بالطحينة: يوفر أليافاً ناعمة ودهوناً تدعم استدامة الطاقة في محور (الأمعاء-الدماغ)

الفئة الثانية: "الوقود الحيوي" (ألياف مخمرة ذكية)

تعمل كـ "بريبيوتيك" فائق الفعالية لإنتاج البوتيرات:
سوبر- شوفان دافئ: غني بالـ "بيتا جلوكان" لتقليل التهابات الأعصاب.
هريس التفاح بالقرفة: يقوي بطانة الأمعاء (عبر البكتين) ويحفز الذاكرة عبر الرائحة.
الموز "الذهبي" المهروس) قليل النضج): المصدر الأغنى بالنشا المقاوم، الغذاء المفضل لبكتيريا الـ SCFAs.

الفئة الثالثة: "المرممات الميتابولية" (الزبادي والدهون الذكية)

مطحون الجوز (عين الجمل: (يرش فوق الوجبات لسهولة التناول، ويوفر الأوميجا 3 الضرورية لمرونة الخلايا العصبية.
زيت الزيتون البكر الممتاز: يضاف كـ "لمسة أخيرة" على الأطباق لتنظيف ترسبات الأميلويد الضارة.


الزبادي (اللبن الرائب):يفضل النوع الطبيعي غير المحلى. يوفر بكتيريا حية تدعم التواصل بين الأمعاء والدماغ فوراً.
يعد الزبادي حجر الزاوية في هذه الفئة لدعمه الكهرومغناطيسي والميتابولي كالاتي:

 - يحفز إنتاج السيروتونين و جاما- أمينوبيوتيريك) لتقليل القلق ونوبات الهياج).
- غني بالبوتاسيوم والكالسيوم وفيتامين  B12 للحفاظ على "غمد المايلين" وسرعة نقل الإشارات العصبية.
- يوفر دهوناً صحية كوقود بديل للجلوكوز المتعثر في دماغ مريض الزهايمر.
 -    يساعد في تطهير الدماغ من النفايات السامة (لويحات الأميلويد).

الفئة الرابعة:"المطهرات الكبريتية" (خضروات ( Puree

تنشيط مسارات التخلص من السموم الحيوية:
بيوريه البروكلي والقرنبيط: المصدر الأساسي لـ "السلفورافان" الحامي للأعصاب.
منكهات الثوم والبصل المطهو: تعمل كـ "بريبيوتيك" كبريتي قوي يضبط توازن الميكروبيوم وينظف الأوعية الدموية الدماغية.
 ينصح ايضا باستخدم تقنية "التباين البصري" لجعل لون الطبق مختلفاً تماماً عن لون الطعام (مثلاً طبق أزرق لشوربة عدس برتقالية). هذا الذكاء البصري يساعد المريض على تحديد مكان الطعام بسهولة، ويحفز الفص البصري، مما يرفع من كفاءة عملية الهضم والامتصاص
إن تداخل الذكاء الاصطناعي في تغذية مرضى الزهايمر يمثل ثورة تتجاوز مجرد "اختيار الوجبات". نحن أمام تكنولوجيا تفهم لغة الخلايا، وتفسر صمت الأمعاء، وترسم خارطة طريق نحو استقرار إدراكي أطول. بفضل هذه الأدوات، لم يعد الغذاء مجرد واجب يومي، بل صار شريكاً ذكياً في رحلة الصمود ضد النسيان.
اشترك في قناة اجري نيوز على واتساب اشترك في قناة اجري نيوز على جوجل نيوز
icon

الأكثر قراءة