الجمعة، 05 ذو الحجة 1447 ، 22 مايو 2026

الدكتور عاطف سعد عبد المنعم عشيبة يكتب.. الأسس الشرعية والصحية لذبح الأضاحي

د-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered
الدكتور عاطف سعد عبد المنعم عشيبة
أ أ
techno seeds
techno seeds
تعد الأضحية من أعظم الشعائر الإسلامية التي شرعها الله تعالى تقرّبًا إليه، وإحياءً لسنة سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما افتدى الله ابنه إسماعيل بكبشٍ عظيم, وتمثل الأضحية صورة سامية لمعاني الطاعة والإيمان والتقوى، كما تجسد قيم التكافل والتراحم بين أفراد المجتمع.

يبدأ وقت ذبح الأضاحي بعد أداء صلاة عيد الأضحى المبارك في يوم النحر الموافق العاشر من ذي الحجة، ويستمر حتى غروب شمس اليوم الثالث عشر من الشهر ذاته، وذلك وفق ضوابط وأحكام شرعية محددة، تهدف إلى ضمان الرفق بالحيوان، والمحافظة على جودة وسلامة اللحوم، وتحقيق مقاصد الشريعة في حفظ النفس والدين والمال.

تتميز طريقة الذبح في الشريعة الإسلامية بأنها تقوم على الرحمة والإنسانية، إذ تراعى فيها أسس الرفق بالحيوان وتقليل شعوره بالألم قدر الإمكان، مع التسمية وذكر اسم الله تعالى عند الذبح، تأكيدًا على أن الأضحية عبادة خالصة يُبتغى بها وجه الله سبحانه وتعالى.

الرعاية الصحيحة للأضحية قبل الذبح

بعد شراء الأضحية ونقلها إلى مكان الإيواء، يفضل تركها لفترة راحة لا تقل عن 24 ساعة قبل الذبح، حيث إن الإجهاد الناتج عن النقل والتعامل العنيف قد يؤثر سلبًا في جودة اللحوم نتيجة حدوث تغيرات وتفاعلات كيميائية داخل جسم الحيوان، بالإضافة إلى استهلاك مخزون الطاقة المتمثل في الجليكوجين بالعضلات، مما ينعكس على صفات اللحم وجودته.

وفي حالة شراء الأضحية قبل عيد الأضحى بفترة كافية، يجب توفير الرعاية المناسبة لها من خلال تقديم علائق غذائية متوازنة وكميات كافية من المياه النظيفة، مع ضرورة تصويمها لمدة تتراوح بين 8 إلى 12 ساعة قبل الذبح، مع السماح لها بشرب الماء فقط خلال فترة التصويم، وذلك لتحقيق عدد من الفوائد المهمة، من أبرزها:

تسهيل عملية السلخ: حيث يقل تراكم الدهون والرواسب بين الجلد والأنسجة العضلية، مما يسهم في سهولة فصل الجلد عن الذبيحة.

تقليل امتلاء الكرش والأمعاء: الأمر الذي يسهل التعامل مع الجهاز الهضمي أثناء الذبح والتجهيز، ويحد من احتمالات تلوث الذبيحة بمحتويات الأحشاء.

تحسين جودة اللحوم: إذ يساعد التصويم على الحصول على لحم أكثر نظافة وأفضل من حيث المظهر والطعم والقوام.

خفض مستوى التوتر والإجهاد لدى الحيوان: مما يجعل عملية الذبح أكثر هدوءًا ويقلل من حركة الحيوان وانفعاله أثناء الذبح.

الشروط الشرعية والفنية والصحية للقائم بعملية الذبح

يشترط في القائم بعملية الذبح أن يكون مسلمًا، بالغًا، عاقلًا، وأن يذكر اسم الله تعالى عند الذبح بقوله: «بسم الله، الله أكبر»، مع استخدام سكين حادة لضمان سرعة الذبح وتقليل الألم الواقع على الحيوان.

ينبغي أن تتوافر في القائم بالذبح مجموعة من الشروط الفنية والصحية، من أهمها أن يكون مُدرَّبًا على أساليب الذبح الشرعي الصحيحة، وعلى دراية بمواضع الذبح وكيفية التعامل مع الحيوان برفق ورحمة، بما يضمن تنفيذ العملية بصورة سليمة وآمنة.

من الناحية الصحية، يجب أن يلتزم القائم بعملية الذبح بالنظافة الشخصية وارتداء الملابس الواقية المناسبة، مثل القفازات والمئزر وغطاء الرأس، للحد من احتمالات تلوث الذبيحة.

كما يُفضل خضوع العاملين بالمجازر للفحوص الطبية الدورية للتأكد من خلوهم من الأمراض التي قد تنتقل إلى اللحوم أو تؤثر في سلامتها وجودتها.

إجراءات الذبح الصحي والشرعي

يفضل إجراء عملية ذبح الأضاحي داخل المجازر المعتمدة بدلًا من الذبح العشوائي في الشوارع أو المنازل، وذلك لضمان خضوع الحيوان للكشف البيطري قبل الذبح للتأكد من خلوه من الأمراض المعدية، وكذلك فحص الذبيحة بعد الذبح للتأكد من صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

كما تتيح المجازر التخلص الآمن والصحي من الأجزاء غير الصالحة والمخلفات، بما يحد من التلوث البيئي وانتشار الحشرات والروائح الكريهة والأمراض الناتجة عن تراكم الدماء والمخلفات في الطرق العامة.

تبدأ عملية الذبح بتهيئة الأضحية والتعامل معها بهدوء ورفق، مع تجنب جرّها بعنف أو ضربها أو إثارة خوفها، حيث تُجرى عملية الذبح في الشريعة الإسلامية والحيوان في كامل وعيه.

كما يُنصح بالابتعاد عن بعض الطرق الشائعة المستخدمة لإفقاد الحيوان وعيه قبل الذبح، لما قد تسببه من عدم اكتمال عملية الإدماء، الأمر الذي يؤثر سلبًا في جودة الذبيحة وصفات اللحم.

وتتم عملية الذبح الشرعي في الحيوانات قصيرة الرقبة مثل الأغنام والماعز والأبقار والجاموس بقطع الودجين والمريء والقصبة الهوائية قطعًا كاملاً لضمان سرعة خروج الدم.

أما في الحيوانات طويلة الرقبة مثل الجمال، فتُعرف العملية باسم “النحر”، وتتم بغرز السكين في اللبة أسفل العنق لإحداث قطع بالأوعية الدموية الرئيسية.

بعد الذبح، يجب التأكد من اكتمال قطع الأوردة والشرايين والمريء والقصبة الهوائية، مع عدم فصل الرأس عن الجسم إلا بعد توقف حركة الحيوان تمامًا، لضمان اكتمال عملية النزف وخروج أكبر كمية ممكنة من الدم.

وتعد هذه الخطوة بالغة الأهمية، نظرًا لأن الدم يُمثل بيئة مناسبة لنمو وتكاثر العديد من الميكروبات التي قد تؤدي إلى فساد اللحوم أو إنتاج بعض السموم الضارة.

سلخ الذبيحة وتجهيزها

تبدأ عملية سلخ الذبيحة ـ خاصة في الأغنام والماعز ـ بإجراء عملية النفخ، وهي إدخال الهواء بين الجلد والأنسجة العضلية لتسهيل فصل الجلد عن الجسم.

ويُفضَّل تجنب إجراء النفخ باستخدام الفم لما قد يسببه من انتقال الميكروبات وتلوث الذبيحة، مع الاستعاضة عن ذلك باستخدام وسائل أكثر أمانًا وصحة مثل مولدات الهواء الكهربائية أو منفاخ الهواء اليدوي.

وبعد الانتهاء من عملية السلخ، يتم تفريغ الأحشاء الداخلية من خلال عمل شق طولي يمتد من أسفل البطن باتجاه عظمتي الحوض وصولًا إلى منطقة القص والقفص الصدري، مع ضرورة توخي الحذر أثناء الفتح لتجنب قطع المعدة أو الأمعاء، وذلك لمنع تلوث الذبيحة بمحتويات الجهاز الهضمي.

ويتم بعد ذلك استخراج الكرش والجهاز الهضمي بالكامل عقب فصل المريء وسحبه بعناية، كما تُفصل الحويصلة المرارية عن الكبد بحرص شديد لتجنب انسكاب العصارة المرارية التي قد تؤثر في جودة اللحم وطعمه.

ثم يفتح القفص الصدري باستخدام الأدوات المناسبة لاستخراج القلب والرئتين وباقي الأحشاء الصدرية، يلي ذلك غسل الذبيحة جيدًا بالماء النظيف لإزالة أي آثار للدم أو الشوائب، ثم تُقسَّم الذبيحة إلى أجزاء أو قطع وفقًا لطرق التجهيز والتوزيع المطلوبة.

إنضاج اللحوم بعد الذبح

تعد مرحلة التعتيق أو إنضاج اللحوم من المراحل المهمة التي تلي الذبح مباشرة، حيث يتم حفظ اللحوم داخل درجات التبريد المناسبة عند حوالي 4 درجات مئوية لمدة تتراوح بين 6 إلى 12 ساعة أو أكثر وفقًا لنوع الحيوان وحجم الذبيحة.

ولا يفضل طهي أو تناول اللحوم مباشرة بعد الذبح، وذلك بسبب دخول العضلات في مرحلة تُعرف بـ«التيبس الرمي»، وهي حالة فسيولوجية طبيعية تحدث نتيجة تكوّن روابط بين بروتيني الأكتين والميوسين داخل الأنسجة العضلية، مما يؤدي إلى تكوين مركب الأكتوميوسين المسؤول عن تصلب العضلات وقساوة اللحم مؤقتًا.

خلال هذه المرحلة تتأثر بعض صفات الجودة سلبًا، حيث تقل طراوة اللحم وتتراجع خصائصه الحسية من حيث الطعم والرائحة، كما تنخفض قدرة اللحم على الاحتفاظ بالماء، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الفقد أثناء الطهي.

تساعد عملية التعتيق تحت ظروف التبريد المناسبة على استعادة طراوة اللحم وتحسين صفاته الحسية، نتيجة نشاط بعض الإنزيمات الطبيعية الموجودة بالأنسجة العضلية، مما يجعل اللحوم أكثر جودة واستساغة عند الطهي والاستهلاك.

اعداد الأستاذ الدكتور / عاطف سعد عبد المنعم عشيبة
أستاذ تكنولوجيا اللحوم والأسماك ووكيل معهد تكنولوجيا الأغذية – مركز البحوث الزراعية
اشترك في قناة اجري نيوز على واتساب اشترك في قناة اجري نيوز على جوجل نيوز
icon

الأكثر قراءة