في إطار خطة التطوير الشاملة والسياسات الاستراتيجية المعتمدة لتنمية وتطوير قطاع الثروة السمكية في مصر، انطلقت امس الأحد بمحافظة كفر الشيخ فعاليات ورشة عمل أصحاب المصلحة الكبرى تحت عنوان "تعزيز حلول الطاقة المتجددة في مجال الاستزراع السمكي".
يأتي هذا الحدث بتنظيم من جهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية، وبالتعاون مع السفارة النرويجية بالقاهرة، والمركز الدولي للأسماك (WorldFish).
وفي هذا السياق، أكد اللواء أ.ح الحسين فرحات، المدير التنفيذي للجهاز، في كلمته التوجيهية لأعمال الورشة قائلًا: "إن دمج تطبيقات الطاقة البديلة، وفي مقدمتها الأنظمة والحلول الشمسية، في قطاع الاستزراع السمكي لم يعد مجرد خيار تكميلي، بل هو حجر الزاوية والركيزة الصلبة التي نستهدف بها استعادة ريادة مصر كمركز إقليمي ودولي للابتكار السمكي، ودعم ركائز الاقتصاد الأزرق المستدام."
وأضاف : "إننا نعمل ميدانيًا وفق رؤية ترتكز على محورين متوازيين؛ أولهما الرفع المستمر لكفاءة منظومة الاستزراع السمكي وتعظيم الاستفادة من الإمكانات المتاحة، وثانيهما خفض تكاليف الإنتاج الاقتصادي وصون البيئة من التلوث".
كما شدد اللواء الحسين فرحات على الخصوصية الاستراتيجية للفعالية قائلاً: "تكتسب محافظة كفر الشيخ أهمية قصوى في خطط التطوير لدينا باعتبارها عصب الإنتاج السمكي في مصر, وإن إدخال الطاقة النظيفة في تشغيل مزارع المحافظة سيسهم بشكل مباشر في تخفيف الأعباء المالية عن كاهل المزارعين، وتوفير منتج سمكي آمن وصديق للبيئة يطابق أعلى المعايير والمواصفات الدولية، مثمنين في هذا الصدد الشراكة المثمرة المستمرة مع السفارة النرويجية، والمركز الدولي للأسماك، وكافة شركاء التنمية من القطاع الخاص."
شهدت الجلسة الافتتاحية للورشة حضورًا ومشاركة واسعة من قيادات القطاعين السمكي والتنفيذي؛ حيث افتتح الفعاليات الدكتور أحمد سني الدين، رئيس الإدارة المركزية للإنتاج والتشغيل بالجهاز، مستعرضاً الجوانب التشغيلية والفنية لتطبيق الطاقات البديلة، حيث أكد في كلمته: "إن الانتقال نحو الطاقة المتجددة في المزارع السمكية لم يعد رفاهية، بل هو ضرورة حتمية لضمان استدامة الإنتاج وصمود القطاع أمام التغيرات الاقتصادية والبيئية المتلاحقة.
إننا نمتلك رؤية واضحة لتطوير البنية التحتية للمزارع، ورفع كفاءة تشغيل الطلمبات والمحركات باستخدام الطاقة الشمسية، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكلفة التشغيل بنسب ملموسة، ويضمن في الوقت ذاته جودة مياه الاستزراع واستقرار الدورة الإنتاجية، وهو ما يسعى الجهاز لتطبيقه كمرحلة أولى انطلاقاً من المزارع النموذجية بكفر الشيخ".
شهدت الورشة مشاركة الدكتورة عفاف عاشور، مدير إدارة "مشروعك"، ومنسق "أيادي مصر" بمحافظة كفر الشيخ، وعضو منظمة اليونسكو؛ حيث رحبت بتواجد الجهاز، وأعربت عن سعادتها بهذا التعاون المشترك، مؤكدة على تقديم المحافظة للدعم الكامل لتنمية المشروعات السمكية التنموية وتذليل كافة العقبات أمام المزارعين، وصرحت سيادتها أن محافظة كفر الشيخ، بوصفها عاصمة الإنتاج السمكي في مصر، تضع كافة إمكاناتها التنفيذية لخدمة هذا المشروع القومي الرائد بالتنسيق المشترك والوثيق مع الجهاز وأنه سيتم العرض على السيد محافظ كفر الشيخ لتوفير التسهيلات اللوجستية والإدارية اللازمة للمزارعين لتسهيل تبني تكنولوجيات الطاقة النظيفة، وتذليل أي عقبات تواجه مزارعي المحافظة.
وعقب الجلسة الافتتاحية، استكملت الورشة جدول أعمالها المستهدف من خلال حزمة من المحاضرات الفنية والجلسات النقاشية المحورية، حيث استعرضت الدكتورة دعاء همام دور الجهاز وآلياته الميدانية لتقديم الدعم الفني للمزارعين ودفع عجلة الإنتاج؛ حيث ألقت الضوء على الحوافز والتسهيلات المتكاملة التي يوفرها الجهاز لتذليل العقبات أمام المستثمرين والمزارعين الصغار على حد سواء.
وتناولت أهمية القوافل الإرشادية والتدريب المستمر على الممارسات الجيدة في التربية والتغذية، مؤكدةً أن استقرار مزارعي الأسماك وتطوير أدواتهم يمثل خط الدفاع الأول لتحقيق الأمن الغذائي وتوفير البروتين السمكي للمواطنين بأسعار عادلة.
وقدمت الكيميائية ولاء مجدي شرحاً وافياً حول منظومة التكويد والتتبع وأهميتها القصوى لضمان جودة المنتجات السمكية؛ حيث أوضحت أن تطبيق هذا النظام الرقمي يمنح كل مزرعة هوية فريدة تتيح تتبع المنتج من بداية الدورة الإنتاجية وحتى وصوله للمستهلك النهائي. وأشارت إلى أن هذه المنظومة تعد بمثابة "جواز السفر" للأسماك المصرية، والركيزة الأساسية لتلبية الاشتراطات الصحية الدولية، مما يفتح أسواقاً تصديرية جديدة وواعدة عالمياً، ويعزز من القيمة التنافسية للمنتج المحلي في الخارج.
وفي سياق متصل، استعرض المهندس هاني مبروك آليات ومستجدات تطبيق التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي في إدارة المشروعات السمكية؛ حيث سلّط الضوء على الأهمية البالغة لتطبيق هذه الأنظمة الذكية على أرض الواقع، والتي تهدف بشكل أساسي إلى بناء جسر تواصل رقمي مباشر يربط مزارعي الأسماك بنخبة من مهندسي الاستزراع السمكي والأطباء البيطريين المتخصصين، وأكد في عرضه أن القيمة التطبيقية والعملية لهذا التطبيق تكمن في تيسير قنوات الاتصال السريع وتقديم الاستشارات والمشورة الفنية والبيطرية الفورية للمزارعين، مما يتيح لهم اتخاذ قرارات استباقية حاسمة بناءً على توجيهات علمية دقيقة. ويساهم هذا الربط المباشر في تجنب المخاطر البيئية والصحية المفاجئة، ويضمن حوكمة استخدام الموارد من خلال تقليل الهدر في الأعلاف وتنظيم استهلاك المياه، الأمر الذي ينعكس عملياً على رفع كفاءة العملية الإنتاجية بأكملها، ويحقق للمزارع أعلى عوائد اقتصادية ممكنة بأقل التكاليف التشغيلية.
كما قدمت الدكتورة أماني أحمد نظرة عامة وشاملة حول أهداف ومراحل مشروع تعزيز حلول الطاقة المتجددة في الاستزراع السمكي (CeREA)؛ حيث استعرضت الشراكات الاستراتيجية الدولية والمحلية القائم عليها المشروع، والخطط الزمنية لتنفيذه. وبينت كيف يسعى المشروع إلى تقديم نماذج تطبيقية ناجحة للمزارعين تبرز الجدوى الاقتصادية والبيئية للاعتماد على الطاقة الشمسية والنظيفة، مؤكدةً أن المشروع يعد خطوة وثابة نحو بناء قطاع سمكي مرن، قادر على التكيف مع التغيرات المناخية، ومواكب للتوجهات العالمية في خفض الانبعاثات الكربونية.
ولتقديم الرؤية التطبيقية والعملية على أرض الواقع، شهدت الورشة مشاركة متميزة من كبرى الشركات المتخصصة في الحلول الهندسية وتقنيات الطاقة المتجددة، والتي استعرضت حلولاً متكاملة لدعم التحول الأخضر في القطاع حيث قدم المهندس محمد سراج الدين، ممثلاً عن شركة "أجري سولار لحلول الطاقة الشمسية"، عرضاً تفصيلياً حول الأنظمة الذكية والمبتكرة المصممة خصيصاً لتتلاءم مع الطبيعة البيئية والميدانية للمزارع السمكية.
واستعرض آليات تشغيل محطات توليد الطاقة الشمسية لتوفير التغذية الكهربائية المستمرة والمستقرة لمنظومات التهوية، وطلمبات رفع وتدوير المياه، والإضاءة. وأوضح كيف تساهم هذه الأنظمة المبتكرة في حماية المزارع من مخاطر الانقطاع المفاجئ للتيار الكهربائي التقليدي، مما يضمن استمرارية تدفق الأكسجين والحفاظ على سلامة المخزون السمكي، فضلاً عن كونها تقدم حلاً ذكياً طويل الأجل للاستغلال الأمثل للمساحات غير المستغلة في محيط المزارع.
ومن جانبه، استعرض المهندس وسيم الحفناوي، ممثلاً عن "مجموعة تريبل إم"، حزمة من الحلول المتكاملة التي تستهدف رفع كفاءة الطاقة للمشاريع السمكية بإنتاجية أعلى واستهلاك أقل. وقدّم دراسات جدوى تطبيقية تبرز العائد الاقتصادي السريع نتيجة تقليل الاعتماد على الوقود التقليدي (كالديزل والسولار) والكهرباء التجارية، مؤكداً أن هذه الحلول الهجينة والمتكاملة تسهم في خفض تكاليف الإنتاج والتشغيل بنسب ملموسة ترفع من ربحية المزارعين وتزيد من تنافسية المنتج السمكي محلياً ودولياً، إلى جانب دورها الجوهري في تقليص الانبعاثات الكربونية الناتجة عن التشغيل التقليدي لحماية النظام البيئي المحيط بالمزارع.
واختممت أعمال الورشة بالتقاط صورة جماعية ضمت المشاركين والخبراء والمزارعين، أعقبها زيارة ميدانية تفقدية لأحد المزارع السمكية النموذجية العاملة بالطاقة المتجددة بنطاق محافظة كفر الشيخ. واطلع الحضور ميدانياً على كيفية تشغيل منظومة الطاقة البديلة، ومدى تأثيرها الإيجابي في خفض التكاليف التشغيلية وتحسين الإنتاجية حيث يمثل هذا المشروع نموذجاً ريادياً يسعى الجهاز لتعميمه مستقبلاً في كافة المزارع المصرية تماشياً مع خطط التحول الأخضر والتنمية المستدامة.
وتعليقاً على فعاليات ورشة العمل، وجه اللواء أ.ح الحسين فرحات، المدير التنفيذي للجهاز، شكره وتقديره لكافة الشركاء الدوليين والمحليين والشركات المشاركة، مؤكداً أن مخرجات هذه الورشة لن تقف عند حد النقاشات النظرية، بل سيتم ترجمتها فوراً إلى آليات عمل تنفذ على أرض الواقع بالتنسيق مع كافة الجهات المعنية، كما أصدر سيادته توجيهات مشددة لكوادر الجهاز الفنية والميدانية بضرورة المتابعة المستمرة والدورية مع مزارعي محافظة كفر الشيخ، وتقديم كافة أوجه الدعم الفني والإرشاد البيطري والتقني لتيسير عملية الانتقال نحو طاقة المستقبل. وأشار اللواء الحسين فرحات إلى أن الجهاز يفتح أبوابه دائماً لتبني الابتكارات والمشروعات القومية التي تدعم استقرار المزارع المصري، وتضمن تحقيق قفزة تنموية غير مسبوقة في الإنتاج السمكي بما يواكب خطط الدولة للتحول الأخضر المستدام وتأمين الغذاء للأجيال القادمة.





