تقف مصر اليوم أمام مفترق طرق حاسم لم
يعد يمهلنا ترف الوقت، ففي القلب من أزمة الوجود الوطني، يبرز ملف الأمن الغذائي
كقضية وجودية لا تتعلق فقط بتوفير المحاصيل، بل بالعدالة الاجتماعية، والسيادة
الاقتصادية، والبقاء في ظل ندرة مائية لم تعد تهديداً مستقبلياً بل واقعاً نعيشه.
ومع نمو سكاني يتجاوز 107 ملايين نسمة وانحسار الأراضي الزراعية في أقل من 4% من
مساحة البلاد، يصبح السؤال القائم والواجب طرحه، هل السياسات الحالية كافية لحماية
مستقبلنا؟
فى الواقع إن وجوب إعادة التفكير في
الأمن الغذائي من أجل انتقال عادل في مصر بين تصدير محاصيل والاستيراد لاخرى أصبح
أمر لا مفر منه ومواجهة حتمية. ويجب ان نعى جيدا أننا أصبحنا نعاني من "تفكك
مؤسسي" يعيق الوصول لبر الأمان. فبينما تدفع استراتيجية الزراعة 2030 نحو
محاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه، تحذر خطة الموارد المائية 2037 من ضرورة التكيف مع
ندرة مائية دائمة.
هذا التناقض الهيكلي لا يشتت الجهود فحسب، بل يضع موارد الدولة
في مواجهة بعضها البعض. فبينما نجد ان الدولة المصرية قد استثمرت في مشاريع
استصلاح كبرى مثل «الدلتا الجديدة»، لكن الحقيقة التي يجب مواجهتها هي أن هذه
المشاريع، برغم طموحها، تظل محدودة الفائدة لصغار المزارعين الذين يمثلون العمود
الفقري لإنتاجنا والذين يمثلون اكثر من ٥٨% من المجتمع المصرى جلهم يتركزون فى
الريف القديم.
فالأراضي المستصلحة غالباً ما تواجه تحديات في جودة التربة وضمان
مصادر المياه، بينما تتوجه أغلب منتجاتها للتصدير. وهنا تبرز معضلة «المياه
الافتراضية»، فنحن نصدر مياهنا الشحيحة عبر الفراولة والموالح، في حين نستورد أكثر
من 80% من قمحنا من مناطق مضطربة جيوسياسياً.
الحقيقة تستوجب أن نقول إن وجوب
الانتقال العادل بين ما يتم تصديره وما يتم إستيراده والذي ندعو إليه يتطلب شجاعة
في تغيير النهج. لا يمكننا الاستمرار في تجاهل الفقد الغذائي الذي يلتهم 30% من
إنتاجنا بسبب ضعف البنية التحتية بعد الحصاد.
كما لا يمكننا صياغة سياسات تقصي
صغار المزارعين والنساء الريفيات من عملية صنع القرار. وعلينا ان ندرك إننا بحاجة
إلى استلهام نماذج دولية أثبتت نجاحها كى نستفيد منها وكى لا نكون كمن يبحث عن
ابتكار العجلة الموجودة أصلا، والتى تتمثل فى بعض التجارب الدولية مثل تجربة
البرازيل في ربط الدعم الحكومي بشراء الغذاء من صغار المزارعين، أو نموذج النرويج
في الإدارة التشاركية، أو تجربة ملاوي في تفعيل الرقابة الشعبية على الدعم
الزراعي.
لذا فإننا هنا، نطرح خارطة طريق عملية تبدأ فوراً بتعزيز الحوكمة التشاركية
وتحديث الإرشاد الزراعي، وتمر عبر تنفيذ إطار وطني موحد للأمن الغذائي وتوسيع الري
الذكي، وصولاً إلى بناء بنية تحتية مناخية مرنة وتأمين سلاسل إمداد محلية قوية.
إن
الإخفاق في التحرك العاجل لن يعني فقط زيادة الاعتماد على الواردات، بل سيعني
تفاقم الهشاشة الاجتماعية وارتفاع معدلات سوء التغذية. الأمن الغذائي ليس رفاهية
إنتاجية، بل هو رؤية تضع الإنسان والبيئة والعدالة في قلب السياسة الوطنية.
لقد
حان الوقت لنزرع معا "بذور التغيير" الحقيقية في تربة الشفافية
والتعاون، لنضمن حق كل مواطن في حياة كريمة، وضمان بقاء هذه الأمة.
بقلم: ا. د. فوزى محمد ابودنيا
مدير معهد بحوث الإنتاج الحيوانى سابقا



