أ
أ
تحدثنا في المقالة السابقة عن نماذج الزراعة
المصرية والتحول من النموذج الاجتماعي في الزراعة الى النموذج الاستثماري. وبناءً على هذا التحول الجذري من "الفلاح
المالك" إلى "المستثمر الكبير"، فإننا سوف نحاول هنا تسليط الضوء على تأثير النموذج الإستثمارى على خريطة المحاصيل الاستراتيجية (القمح، الذرة، القطن)
ومستقبل الأمن الغذائي المصري، وسوف نعرج أيضا من خلال مجموعة من المحاور لإلقاء
الضوء على الوضع الزراعي خاصة لبعض المحاصيل الاستراتيجية.
1. المحاصيل الاستراتيجية بين "سيادة الدولة"
و"منطق الربح"
في النموذج الاجتماعي، كان الفلاح يزرع القمح والذرة كجزء من أمانه الغذائي الشخصي (للاستهلاك المنزلي) وبيع الفائض للدولة. أما في نموذج مستقبل مصر والزراعة الرأسمالية، تختلف الحسابات:
–القمح والذرة: رغم أن هذه المحاصيل أساسية للأمن القومي، إلا أن عوائدها المادية للمستثمر الكبير أقل مقارنة بالمحاصيل التصديرية. لذا، تضطر الدولة للتدخل عبر مشروع "مستقبل مصر" لفرض زراعة مساحات شاسعة من القمح لتقليل فاتورة الاستيراد، وهو ما يمكن أن يسمى "الزراعة التعاقدية السيادية".
–المحاصيل التصديرية: يميل المستثمر الكبير في الدلتا الجديدة إلى زراعة (الموالح، الفراولة، العنب، البنجر) لأن عائدها بالعملة الصعبة يغطي تكاليف الإيجار المرتفعة والطاقة ومياه المعالجة.
–القطن المصري: يواجه هذا المحصول التاريخي تراجعاً، فبينما كان "عماد" الاقتصاد في عهد ناصر، يصعب دمجه في نموذج الاستصلاح الصحراوي الجديد دون تطوير مصانع غزل ونسيج قريبة تبرر تكلفة زراعته في الصحراء.
2. دلالات التحول في خريطة المحاصيل
من خلال النظر الى مجموعة بعينها من محاصيل الخريطة المحصولية في مصر فإننا نتوقع أن نرى الشكل التالي لهذه المجموعة من المحاصيل في النظام الاستثماري الجديد:
–بالنظر الى الخريطة المحصولية فإننا سنجد محصول مثل القمح سيكون التوجه في النموذج الاستثماري الجديد زراعة مساحات كبرى بميكنة كاملة.
وبالتالي فان استخدام هذا النموذج سوف يوفر من فاتورة الاستيراد ويؤمن لقمة العيش للمواطن المصري خاصة أوقات الأزمات والجوائح وغيرها كما شاهدنا في الحقبة الأخيرة، وسيكون التأثير المتوقع متمثلا في زيادة الإنتاج المحلي، لكن مع ارتفاع تكلفة الإنتاج بسبب مدخلات الطاقة في الصحراء.
–أما بالنسبة لمحصول الذرة الصفراء فان التوجه في النموذج الاستثماري الجديد سيكون متجها نحو توسع كبير لدعم صناعة الدواجن. وبالتالي فان التأثير المتوقع سيكون منصب على تقليل الاعتماد على الاستيراد، لكنها تستهلك كميات مياه ضخمة في مناطق صحراوية.
–كذلك فان محصول بنجر السكر سيكون التوجه في النموذج الاستثماري الجديد أن يكون محصول أساسي في مشروعات الاستصلاح. وبالتالي فان التأثير المتوقع سيكون تحقيق اكتفاء ذاتي من السكر (مثل مصنع القناة بالسكر)، وتحول من قصب السكر (الصعيد) إلى البنجر (الصحراء).
–أما بخصوص محاصيل الخضروات والفاكهة فان التوجه في النموذج الاستثماري الجديد سيكون المسار المفضل للمستثمر الخاص، وهنا يمكن أن يكون التأثير المتوقع متمثلا في وفرة في الصادرات وزيادة العملة الصعبة، مع احتمالية ارتفاع أسعارها محلياً لارتباطها بالسعر العالمي.
3. التوازن السعري والتأثير على المواطن كمستهلك
يمكننا أن نتنبأ بان المواطن سيشهد مفارقة في هذا الشأن بخصوص المحاصيل ويكون الشأن المتوقع كالتالي:
–بالنسبة لمحاصيل الحبوب: استقرار نسبي في توفر الخبز (بسبب السيطرة السيادية على مساحات القمح الكبيرة)، لكن بضغوط مستمرة على الموازنة العامة لتغطية تكاليف الزراعة الصحراوية المرتفعة.
–بالنسبة السلع الطازجة: قد يجد المواطن نفسه ينافس "المستهلك الأوروبي" على شراء الطماطم أو الموالح المصرية؛ لأن المنتج سيفضل التصدير دائماً لتحقيق الربح، مما قد يؤدي لظاهرة "تصدير الغذاء واستيراد التضخم".
4. مدى تأثر الاستدامة بالتحدي البيئي والمائي
النموذج الاستثماري الجديد يعتمد بشكل كلي على
المياه غير التقليدية (محطات المعالجة مثل بحر البقر والحمام) والمياه الجوفية.وهنا يمكن أن نرى أن الإيجابية تكمن في تعظيم الاستفادة من كل قطرة مياه عبر الري المحوري (Center Pivot) والري بالتنقيط، وهو ما لم يكن متاحاً في أراضي الغمر القديمة.
بينما السلبية هنا تكمن في التكلفة المرتفعة للطاقة اللازمة لرفع ونقل هذه المياه، مما يجعل المنتج النهائي "غالياً" بنيوياً، ولا يترك مجالاً لهوامش ربح بسيطة للفلاح التقليدي.
وبالتالي نحن أمام عملية "تحديث قسري"، النموذج الناصري خلق "فلاحاً مرتبطاً بالأرض" لكنه أدى لتآكل الرقعة الزراعية بالبناء الجائر وتفتيت الملكية.
نموذج "مستقبل مصر" يخلق "صناعة زراعية" متطورة تحمي الأرض من التعديات، لكنها قد تقتلع الفلاح من جذوره الاجتماعية.
وهنا يكمن السؤال المستقبلي الكبير، هل ستنجح الدولة في دمج صغار المزارعين كـشركاء أو "جمعيات تعاونية متطورة" داخل هذه المشروعات الكبرى، أم سيتحول الريف المصري في الأراضي الجديدة إلى مجرد "مصانع مفتوحة" تملكها الشركات وتديرها التكنولوجيا؟
ا. د. فوزي محمد أبودنيا
مدير معهد بحوث الإنتاج الحيواني سابقا



