في عالمٍ تتسارع فيه التحديات وتتراجع فيه الموارد لا يصبح الابتكار خيارًا بل يصبح البحث العلمي الاستثمار الحقيقي في مستقبل الغذاء.
ثلاثة ابتكارات بحثية من معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية في معرض «الأمن الغذائي والتنمية الزراعية المستدامة» في نسخته الثانية، خلال الفترة من 20-22 يوليو 2026 تقدم نموذجًا ابتكاريا مصريًا يجمع بين الصحة والتغذية والاستدامة والاقتصاد الدائري وتؤكد أن مستقبل الصناعات الغذائية يبدأ بالاستثمار في المعرفة والابتكار.
في ظل عالم يواجه تحديات غير مسبوقة تتعلق بالأمن الغذائي والزيادة السكانية وتغير المناخ والاستنزاف المتزايد للموارد الطبيعية لم يعد تطوير منتجات غذائية جديدة هدفًا كافيًا في حد ذاته بل أصبح الابتكار الحقيقي يقاس بقدرة هذه المنتجات على تحقيق معادلة متوازنة تجمع بين تعزيز صحة الإنسان والحفاظ على البيئة وتعظيم كفاءة استغلال الموارد ودعم الاقتصاد الوطني.
ومن هذا المنطلق تتجه أنظار العالم اليوم نحو ما يعرف بـ الصناعات الغذائية الذكية والمستدامة التي تعتمد على البحث العلمي لإيجاد حلول عملية للتحديات الغذائية والبيئية في آنٍ واحد.
وفي هذا السياق جاءت مشاركة معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية في معرض «الأمن الغذائي والتنمية الزراعية المستدامة» في نسخته الثانية لتجسد هذا التوجه العلمي الحديث حيث قدم المعهد مجموعة من الابتكارات التطبيقية التي عكست بوضوح الدور المحوري للبحث العلمي في دعم الأمن الغذائي وتحقيق التنمية المستدامة.
ولم تكن هذه المشاركة مجرد عرض لنتائج بحثية بل رسالة علمية تؤكد أن الابتكار الحقيقي يبدأ من فهم التحديات التي تواجه قطاع الصناعات الغذائية ثم تحويلها إلى حلول عملية قابلة للتطبيق تسهم في تحسين جودة الغذاء وتعزيز الصحة العامة ودعم تنافسية الصناعة الوطنية.
ومن بين هذه الابتكارات تبرز ثلاثة نماذج بحثية تحمل رؤية مشتركة لمستقبل الصناعة الغذائية في مصر. فرغم اختلاف مجالاتها التطبيقية فإنها تنطلق جميعًا من فلسفة علمية واحدة تقوم على تعظيم الاستفادة من الموارد والحد من الهدر وإنتاج أغذية أكثرجودة وقيمة غذائية مع توظيف أحدث الاتجاهات العالمية في مجالات التغليف الحيوي والاقتصاد الدائري والاستفادة من المنتجات الثانوية بما يعكس قدرة البحث العلمي المصري على تقديم حلول مبتكرة تواكب متطلبات المستقبل.
ثلاثة ابتكارات… ورسالة واحدة
إذا كانت الصناعات الغذائية الحديثة تقوم اليوم على تعظيم الاستفادة من الموارد وتحسين جودة الغذاء وتقليل الأثر البيئي فإن الابتكارات الثلاثة تمثل تطبيقًا عمليًا لهذه الرؤية حيث يعالج كل ابتكار تحديًا مختلفًا لكنه يلتقي مع الابتكارين الآخرين عند هدف واحد وهو بناء صناعة غذائية أكثر استدامة وأكثر قدرة على خدمة الإنسان والبيئة والاقتصاد في آن واحد.الابتكار الأول… جبن قريش ذكي بتغليف حيوي يحافظ على الجودة ويحد من الهدر
ارتفاع نسبة الرطوبة بالجبن القريش يجعله من أكثر المنتجات تعرضًا للتلف السريع مما يؤدي إلى زيادة الفاقد الغذائي واعتماد الصناعة على مواد التعبئة التقليدية والمواد الحافظة.ومن هنا جاءت فكرة تطوير نظام تغليف غذائي طبيعي يعتمد على صمغ السيليوم المدعم بالزيوت العطرية الطبيعية مثل زيت القرنفل والريحان والكركم لتكوين غشاء حيوي صالح للأكل يعمل كحاجز واقٍ يقلل فقد الرطوبة ويحد من نمو الكائنات الدقيقة ويحافظ على الخصائص الحسية للمنتج طوال فترة التخزين.
ويمثل هذا الابتكار نقلة نوعية في مفهوم حفظ الأغذية إذ يجمع بين التكنولوجيا الحيوية والتغليف الأخضر ويقدم بديلاً طبيعيًا ومستدامًا للمواد البلاستيكية التقليدية كما ينسجم مع التوجه العالمي نحو تطوير أغذية نظيفة (Clean Label Foods) تعتمد على مكونات طبيعية وآمنة تلبي تطلعات المستهلك المعاصر.
الابتكار الثاني… إعادة تدوير بعض مخلفات الصناعات الغذائية لإنتاج جبن مطبوخ أكثر قيمة غذائية واستدامة
في الوقت الذي تسعى فيه الدول إلى تقليل الفاقد الغذائي وتعظيم الاستفادة من الموارد يقدم الابتكار الثاني نموذجًا عمليًا لتطبيق مبادئ الاقتصاد الدائري داخل صناعة الألبان من خلال تحويل بعض مخلفات الصناعات الغذائية مثل (كسر الأرز، وكسر المكرونة، وكسر الفول) إلى مكونات غذائية عالية القيمة تدخل في تصنيع الجبن المطبوخ القابل للفرد.ولا تقتصر أهمية هذا الابتكار على التخلص من مخلفات كانت تمثل عبئًا اقتصاديًا وبيئيًا بل تمتد إلى تحسين التركيب الغذائي للمنتج النهائي وزيادة محتواه من البروتين والألياف والمعادن مع الحفاظ على الخصائص التكنولوجية والقوام والقبول الحسي وهو ما يعكس قدرة البحث العلمي على تحويل المنتجات الثانوية منخفضة القيمة إلى مكونات وظيفية ذات مردود اقتصادي وغذائي مرتفع.
ويمثل هذا النموذج أحد التطبيقات العملية لمفهوم رفع القيمة المضافة للمخلفات الغذائية (Food Waste Valorization)، الذي أصبح أحد أكثر محاور البحث العلمي اهتمامًا خلال السنوات الأخيرة لما له من دور في دعم الاستدامة وتقليل الانبعاثات وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد.
الابتكار الثالث… مقرمشات غذائية تجمع بين الصحة والاستدامة
تشهد الأغذية الخفيفة الجاهزة نموًا متسارعًا على مستوى العالم إلا أن كثيرًا من هذه المنتجات ما زال يعاني انخفاض القيمة الغذائية وارتفاع محتوى النشويات والدهون.وانطلاقًا من هذا التحدي جاء الابتكار الثالث ليقدم رؤية مختلفة لتطوير المقرمشات الغذائية من خلال تدعيمها بمسحوق الشرش ومسحوق اللبن الخض وهما من أهم المنتجات الثانوية لصناعة الألبان ويتميزان بغناهما بالبروتينات عالية الجودة والأحماض الأمينية الأساسية والمعادن والمركبات الحيوية.
وقد أسهم هذا التدعيم في رفع القيمة الغذائية للمنتج بصورة ملحوظة مع الحفاظ على الصفات الحسية والخصائص الفيزيائية المقبولة عند نسب الإضافة المناسبة الأمر الذي يفتح المجال أمام إنتاج أغذية خفيفة أكثر توازنًا من الناحية الغذائية وأكثر توافقًا مع الاتجاه العالمي نحو الأغذية الوظيفية التي لا تكتفي بإشباع الاحتياجات الغذائية بل تسهم في دعم الصحة والوقاية من الأمراض.
وفي الوقت نفسه يحقق هذا الابتكار استفادة اقتصادية وبيئية كبيرة من خلال إعادة استغلال المنتجات الثانوية لصناعة الألبان بدلًا من فقدها أو انخفاض قيمتها الاقتصادية.
ومن هنا فإن القيمة الحقيقية لهذه الابتكارات لا تكمن في كونها ثلاثة منتجات مبتكرة فحسب وإنما في كونها تقدم نموذجًا متكاملًا لكيفية توظيف المعرفة العلمية في خدمة التنمية.
فهي تؤكد أن الاستثمار في البحث العلمي هو استثمار في صناعة غذائية أكثر قدرة على المنافسة وأكثر حفاظًا على الموارد وأكثر استجابة لاحتياجات المجتمع وهو ما يجعلها تمثل رسالة واضحة بأن مستقبل الغذاء يبدأ من المختبر لكنه يمتد أثره إلى المصنع والسوق والمستهلك والبيئة.
الاستثمار الحقيقي يبدأ بالبحث العلمي
تكشف الابتكارات الثلاثة التي قدمها معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية عن حقيقة مهمة وهي أن مستقبل الصناعات الغذائية لن يُصنع بزيادة الإنتاج وحدها وإنما بقدرة البحث العلمي على إعادة صياغة طرق التفكير في استغلال الموارد وتعظيم القيمة المضافة وتحويل التحديات إلى فرص تنموية حقيقية.
فحين يصبح الحد من الهدر والاستفادة من المنتجات الثانوية وتطوير أغذية أكثر صحة واستدامة جزءًا من منظومة الابتكار فإن البحث العلمي يتحول من نشاط أكاديمي إلى قوة دافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ولعل الرسالة الأهم التي تحملها هذه الابتكارات هي أن مصر تمتلك من الكفاءات العلمية والخبرات البحثية ما يؤهلها للإسهام بفاعلية في رسم ملامح الجيل الجديد من الصناعات الغذائية شريطة استمرار دعم البحث العلمي التطبيقي وتعزيز جسور التعاون بين المراكز البحثية والجامعات والقطاع الصناعي بما يسرّع من تحويل نتائج الأبحاث إلى منتجات وتقنيات قادرة على المنافسة محليًا وإقليميًا ودوليًا.
إن بناء صناعة غذائية أكثر تنافسية واستدامة لم يعد خيارًا بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها المتغيرات الاقتصادية والبيئية والغذائية التي يشهدها العالم.
وفي هذا المسار يظل معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية نموذجًا للمؤسسة البحثية التي تضع المعرفة في خدمة التنمية وتسهم في تطوير حلول عملية تنطلق من احتياجات المجتمع وتستشرف تحديات المستقبل.
وفي النهاية فإن القيمة الحقيقية لأي ابتكار لا تُقاس بعدد المنتجات التي يضيفها إلى الأسواق بل بقدرته على إحداث أثر مستدام في حياة الإنسان وحماية الموارد وتعزيز الأمن الغذائي ودعم الاقتصاد الوطني.
وهذا ما تجسده هذه الابتكارات الثلاثة التي تؤكد أن الطريق إلى مستقبل غذائي أكثر استدامة يبدأ دائمًا بفكرة علمية تتطور إلى بحث رصين ثم تتحول إلى ابتكار يخدم الإنسان والوطن.
ومن هنا فإن الاستثمار في البحث العلمي ليس إنفاقًا على المعرفة بل هو استثمار في مستقبل الغذاء وصحة المجتمع واستدامة الموارد وتنافسية الاقتصاد المصري. فالعقول المبدعة هي الثروة الحقيقية للأمم والابتكار هو الجسر الذي تعبر به الدول نحو مستقبل أكثر أمنًا وازدهارا.
د / ناهد عبد المقتدر الوحش
قسم بحوث الألبان - معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية





