قد تكون أول رضعة لبن في حياة طفل كافية لظهور طفح
جلدي، أو قيء متكرر، أو صعوبة في التنفس تستدعي نقله إلى المستشفى، بينما يعاني
شخص بالغ بعد شرب اللبن من انتفاخ وغازات لا تتجاوز كونها مشكلة هضمية مزعجة. ورغم
هذا الاختلاف الكبير، لا يزال كثيرون يطلقون على الحالتين اسم واحدا: "حساسية
اللبن".
غير أن
الحقيقة العلمية تؤكد أن هناك فرقا جوهريا بين حساسية بروتين اللبن، التي تعد من أكثر أنواع الحساسية
الغذائية شيوعا لدى الرضع والأطفال الصغار وقد تتطور في بعض الحالات إلى تفاعل
تحسسي يهدد الحياة، وبين عدم تحمل اللاكتوز، وهو اضطراب هضمي
ينشأ عن نقص إنزيم اللاكتاز المسؤول عن هضم سكر اللبن، ويشيع بدرجة أكبر لدى
البالغين.
ان الخلط بين هاتين الحالتين
لا يقتصر على استخدام مصطلح غير دقيق، بل قد يؤدي إلى تشخيص خاطئ، أو حرمان غير
ضروري من أغذية مهمة، أو الأسوأ من ذلك، اغفال حالة حساسية حقيقية قد تستدعي تدخلا طبيا عاجلا.
لذلك، فإن فهم الفروق بينهما
يُعد الخطوة الأولى نحو التشخيص السليم، والتعامل الغذائي الصحيح، وحماية المرضى،
ولا سيما الأطفال، من مضاعفات يمكن تجنبها بالوعي والمعرفة.
حساسية
بروتين اللبن... عندما يخطئ الجهاز المناعي في التعرف على الغذاء
تحدث حساسية بروتين اللبن عندما
يتعامل الجهاز المناعي مع بروتينات اللبن على أنها أجسام ضارة، فيطلق استجابة
مناعية ضدها رغم أنها غير مؤذية في الأصل.ويحتوي اللبن على نوعين رئيسيين من
البروتينات:
الكازين (Casein)، ويشكل نحو 80% من إجمالي بروتينات اللبن.بروتينات الشرش (Whey Proteins)، وتمثل نحو 20%، وتشمل بروتينات مثل بيتا لاكتوجلوبولين وألفا لاكتا البيومين وقد تحدث الحساسية تجاه أي من هذه البروتينات.
ومن المهم أن نعرف أن حساسية بروتين
اللبن ليست نوعا واحدا، بل قد تحدث بثلاث صور مناعية:
حساسية بواسطه الأجسام المضادة IgE، وهي الأكثر سرعة، إذ تظهر أعراضها خلال دقائق وحتى ساعتين من تناول اللبن، وقد تكون شديدة وتصل إلى الصدمة التحسسية.حساسية ليست بواسطه IgE، وفيها تتأخر الأعراض عدة ساعات أو حتى أيام، وغالبا ما تكون الأعراض هضمية و هذا النوع لا تلعب الأجسام المضادة IgE دورا رئيسيا.
بل تكون الاستجابة المناعية بواسطه الخلايا المناعية، وخاصة الخلايا التائية (T lymphocytes)، مع مشاركة مجموعة من السيتوكينات الالتهابية التي تؤدي إلى التهاب بطانة الجهاز الهضمي.
وتشمل الاعراض القيء أو الإسهال أو وجود دم في البراز عند الرضع، دون ظهور علامات الحساسية التقليدية.
حساسية مختلطة، في هذا النوع تشترك فيها الآليتان معا، وقد يعاني المريض من أعراض جلدية أو هضمية مزمنة، كما يحدث في بعض حالات التهاب الجلد التأتبي أو اضطرابات الجهاز الهضمي المرتبطة بالحساسية.
ي هذا النوع يشترك المساران
المناعيان معًا، أي:
استجابة
بوساطة IgE.واستجابة خلوية بوساطة الخلايا التائية.
لذلك قد يعاني المريض من:
أعراض فورية (تورم الشفتين) وأعراض متأخرة أو مزمنة (مثل الإكزيما )أو اضطرابات الجهاز الهضمي
أعراض
حساسية بروتين اللبن
قد تشمل:
طفحا جلديا,حكة واحمرار الجلد تورم الشفتين أو اللسان أو الحلق,القيء أو المغص,السعال أو الصفير وصعوبة التنفس.,انخفاض ضغط الدم أو الدوخة.وفي الحالات الشديدة قد تحدث الصدمة التحسسية (Anaphylaxis)، وهي حالة طبية طارئة تستدعي استخدام حقنة الأدرينالين إذا كانت موصوفة للمريض، مع التوجه فورا إلى أقرب مستشفى.
عدم
تحمّل اللاكتوز... خلل في الهضم وليس في المناعة
على النقيض تماما، لا علاقة لعدم تحمل
اللاكتوز بالحساسية أو بالأجسام المضادة.فالسبب هو نقص أو انخفاض نشاط إنزيم اللاكتاز الموجود في الأمعاء الدقيقة، والمسؤول عن هضم سكر اللبن (اللاكتوز). وعندما لا يهضم اللاكتوز، يصل إلى القولون حيث تتخمره البكتيريا الطبيعية، فتنتج الغازات والأحماض التي تسبب الأعراض.
وتشمل هذه الأعراض) الانتفاخ، الغازات، المغصو الإسهال، الشعور بعدم الارتياح بعد تناول اللبن.)
وغالبا ما تبدأ الأعراض خلال 30 دقيقة إلى ساعتين بعد تناول الأطعمة المحتوية على اللاكتوز.
ومن المهم التأكيد أن عدم تحمل اللاكتوز لا يسبب طفحا جلديا أو تورما أو ضيقا في التنفس أو صدمة تحسسية.
تختلف الفئات الأكثر عرضة للإصابة باختلاف الحالة المرضية، فحساسية بروتين اللبن وعدم تحمّل اللاكتوز لا يصيبان الفئات نفسها ولا للأسباب ذاتها.
الفئات الأكثر عرضة
أولًا:
الفئات الأكثر عرضة لحساسية بروتين اللبن
تعد حساسية بروتين اللبن
من أكثر أنواع الحساسية الغذائية شيوعا خلال السنوات الأولى من العمر، إذ تشير
الدراسات إلى أنها تصيب نحو 2–3% من الرضع في الدول المتقدمة، مع اختلاف النسبة
باختلاف معايير التشخيص والدراسات، بينما تنخفض نسبة الإصابة إلى أقل من 1% مع
التقدم في العمر، حيث يكتسب كثير من الأطفال القدرة على تحمّل بروتينات اللبن
تدريجيا.الرضع والأطفال خلال السنة الأولى من العمر، إذ تُعد من أكثر أنواع الحساسية الغذائية شيوعا في هذه المرحلة.
الأطفال الذين لديهم تاريخ عائلي للحساسية، مثل الربو، أو التهاب الجلد التأتبي (الإكزيما)، أو حساسية الأنف، أو الحساسية الغذائية، حيث تزيد العوامل الوراثية من احتمالية الإصابة.
الرضع المصابون بـالتهاب الجلد التأتبي (الإكزيما)، خاصة إذا كان شديدًا أو ظهر في عمر مبكر.
الأطفال المصابون بحساسيات غذائية أخرى، مثل حساسية البيض أو الفول السوداني، إذ قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بحساسية بروتين اللبن.
وفي نسبة من الحالات قد تستمر الحساسية إلى مرحلة البلوغ، لكنها تكون أقل شيوعًا مقارنة بالأطفال.
ثانيًا:
الفئات الأكثر عرضة لعدم تحمّل اللاكتوز
عدم تحمل اللاكتوز فهو أكثر شيوعا لدى البالغين، وينتج غالبا عن الانخفاض التدريجي في
إنتاج إنزيم اللاكتاز بعد مرحلة الطفولة. وتشير التقديرات العالمية إلى أن نحو 68%
من سكان العالم يعانون من سوء امتصاص اللاكتوز بدرجات متفاوتة، إلا أن ظهور
الأعراض (عدم تحمل اللاكتوز) يختلف من شخص لآخر تبعا لكميه اللاكتوز المتناولة
وقدرة الأمعاء على تحمله. كما تختلف معدلات الانتشار بصورة كبيرة بين االشعوب.البالغون وكبار السن، نتيجة الانخفاض التدريجي في إنتاج إنزيم اللاكتاز مع التقدم في العمر.
الأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي لعدم تحمّل اللاكتوز، بسبب العوامل الوراثية.
المصابون بأمراض الأمعاء الدقيقة، مثل مرض السيلياك، أو داء كرون، أو الالتهابات المعوية، حيث قد تتأثر الخلايا المنتجة لإنزيم اللاكتاز.
الأشخاص الذين خضعوا لجراحات في الأمعاء أو تلقوا بعض العلاجات التي قد تؤثر في بطانة الأمعاء.
الأطفال قد يُصابون بعدم تحمّل اللاكتوز بصورة مؤقتة بعد نوبات الإسهال الحاد أو التهابات الجهاز الهضمي، نتيجة تأثر بطانة الأمعاء، وغالبًا ما تتحسن الحالة مع تعافيها.
ومن المهم التأكيد أن حساسية بروتين اللبن أكثر شيوعا في الرضع والأطفال الصغار، بينما يزداد انتشار عدم تحمل اللاكتوز مع التقدم في العمر، وهو ما يساعد الأطباء في توجيه التشخيص، دون أن يكون العمر وحده كافيا لتأكيد أي من الحالتين.
أكثر
المفاهيم الخاطئة انتشارا
من أكثر الأخطاء شيوعا الاعتقاد بأن
اللبن الخالي من اللاكتوز مناسب لمن يعانون من حساسية بروتين اللبن.وهذا غير صحيح.
فاللبن الخالي من اللاكتوز لا يزال يحتوي على بروتينات اللبن، بما فيها الكازين وبروتينات الشرش، ولذلك قد يسبب تفاعلا تحسسيا لدى المصابين بحساسية بروتين اللبن، رغم خلوه من اللاكتوز.
أما المصابون بعدم تحمل اللاكتوز، فقد يكون هذا النوع من اللبن مناسبا لهم لأنه يعالج سبب المشكلة الهضمية.
ومن الأخطاء الشائعة أيضا الاعتقاد بأن كل من يعاني من انتفاخ أو غازات بعد تناول اللبن مصاب بالحساسية، بينما تشير هذه الأعراض في كثير من الأحيان إلى عدم تحمّل اللاكتوز وليس إلى حساسية بروتين اللبن.
التشخيص...
لا يعتمد على الأعراض وحدها
قد تتشابه بعض الأعراض، لكن التشخيص
يعتمد على التاريخ المرضي، والفحص السريري، ونوع الأعراض وتوقيت ظهورها، وقد يحتاج
الطبيب إلى اختبارات الحساسية أو اختبارات تحمل اللاكتوز وفقا لكل حالة.ولا ينصح بالامتناع عن جميع منتجات الألبان دون استشارة الطبيب أو اختصاصي التغذية، لأن ذلك قد يؤدي إلى نقص الكالسيوم وفيتامين (د) وعناصر غذائية أخرى، خاصة لدى الأطفال في مراحل النمو.
الخلاصه
ليس كل من يشعر بألم بعد شرب اللبن
مصابا بالحساسية، وليس كل من يعتقد أنه يعاني من "عدم هضم" بعيدا عن خطر الحساسية.فالفرق بين حساسية بروتين اللبن وعدم تحمّل اللاكتوز ليس مجرد فرق في المصطلحات، بل هو الفرق بين استجابة مناعية قد تكون مهددة للحياة واضطراب هضمي يمكن في معظم الحالات السيطرة عليه بالتغذية المناسبة.
إن زيادة الوعي بهذا الفرق يساعد على التشخيص المبكر، والعلاج الصحيح، وتجنب الحرمان الغذائي غير الضروري، كما قد ينقذ حياة شخص لم يكن يدرك ان ما يعانيه ليس مجرد "عدم ارتياح بعد شرب اللبن"، بل حساسية غذائية تستوجب عناية خاصة.
لا تعتمد جميع حالات حساسية بروتين اللبن على الأجسام المضادة IgE. فبعضها ينشأ نتيجة استجابة مناعية تقودها الخلايا التائيةlymphocytes) T (، مما يؤدي إلى التهاب في بطانة الجهاز الهضمي وظهور أعراض متأخرة قد تستغرق ساعات أو حتى أياما بعد تناول بروتين اللبن.
كما توجد حالات مختلطة تشترك فيها كل من الأجسام المضادة IgE والاستجابة المناعية الخلوية، لذلك قد يعاني المريض من أعراض فورية وأخرى متأخرة في الوقت نفسه. ويفسر هذا التنوع المناعي اختلاف الأعراض بين المرضى، ويؤكد أهمية التشخيص الدقيق لتحديد نوع الحساسية ووضع الخطة العلاجية
ومما هو جدير بالذكر انه يجب التنويه بان هذا المقال لأغراض التوعية الصحية، ولا يغني عن استشارة الطبيب المختص مع اختصاصي التغذية العلاجيه عند الاشتباه في الإصابة بحساسية بروتين اللبن أو عدم تحمل اللاكتوز.
المراجع العلمية
Fiocchi A, Dahdah L, Albarini M, et al. World Allergy Organization (WAO) DRACMA Guidelines Update XXIV – Milk Elimination and Reintroduction in the Diagnostic Process of Cow's Milk Allergy. World Allergy Organization Journal. 2023;16(7):100812.
Fiocchi A, Dahdah L, Albarini M, et al. World Allergy Organization (WAO) DRACMA Guidelines Update XXIII – Diagnosis and Management of IgE-Mediated and Non-IgE-Mediated Cow's Milk Allergy. World Allergy Organization Journal. 2023.
Koletzko S, Niggemann B, Arato A, et al. Diagnostic Approach and Management of Cow's Milk Protein Allergy in Infants and Children: ESPGHAN GI Committee Practical Guidelines. Journal of Pediatric Gastroenterology and Nutrition. 2012;55(2):221–229.
Venter C, Brown T, Meyer R, et al. Better Recognition, Diagnosis and Management of Non-IgE-Mediated Cow's Milk Allergy in Infancy (iMAP Guideline). Clinical and Translational Allergy. 2017;7:26.
Boyce JA, Assa'ad A, Burks AW, et al. Guidelines for the Diagnosis and Management of Food Allergy in the United States. Journal of Allergy and Clinical Immunology. 2010;126(Suppl 6)–S58.
Misselwitz B, Butter M, Verbeke K, Fox MR. Update on Lactose Malabsorption and Intolerance: Pathogenesis, Diagnosis and Clinical Management. Gut. 2019;68(11):2080–2091.
National Institute of Diabetes and Digestive and Kidney Diseases (NIDDK). Lactose Intolerance. National Institutes of Health (NIH). Updated 2023.
StatPearls Publishing. Cow Milk Allergy. In: StatPearls [Internet]. Treasure Island (FL): StatPearls Publishing; Updated 2024. National Center for Biotechnology Information (NCBI) Bookshelf.
European Academy of Allergy and Clinical Immunology (EAACI). EAACI Guidelines on IgE-mediated Food Allergy: Diagnosis, Management and Prevention.
Host A, Halken S. A Prospective Study of Cow's Milk Allergy in Danish Infants During the First Three Years of Life. Allergy. 1990;45(8):587–596.
بقلم: ا د. هالة عبد المنعم عبد الرحمن- قسم بحوث تكنولوجيا تصنيع الالبان – معهد بحوث تكنولوجيا الاغذيه- مركز البحوث الزراعيه.





