الخميس، 17 شعبان 1447 ، 05 فبراير 2026

د. ناهد عبد المقتدر الوحش تكتب.. دور منتجات الألبان المخمرة في دعم توازن الميكروبيوم المعوي أثناء الصيام

7198960
منتجات الألبان المخمرة
أ أ
techno seeds
techno seeds
يمثل الصيام خلال شهر رمضان نموذجًا فريدًا من نماذج الصيام المتقطع  (Intermittent Fasting)  حيث الامتناع اليومي الطويل عن تناول الطعام والشراب يعقبه تناول الوجبات ضمن إطارين زمنيين محددين هما الإفطار والسحور ويؤدي هذا التحول المفاجئ في توقيت الوجبات وعددها وتركيبها الغذائي إلى إحداث تغيرات ملحوظة في البيئة المعوية بما في ذلك التوزيع النسبي للسلالات البكتيرية والنشاط الأيضي للميكروبيوم ومستويات نواتج التخمر البكتيري.

ويشهد الاهتمام العلمي بالميكروبيوم المعوي (Gut Microbiome)  اهتمامًا علميًا متزايدًا خلال العقدين الأخيرين بعد أن تبيّن دوره الكبير في تنظيم العديد من العمليات الفسيولوجية الأساسية. ويُنظر إلى الميكروبيوم المعوي حاليًا بوصفه مكوّنًا ديناميكيًا شديد الحساسية للتغيرات الغذائية والسلوكية حيث يمكن لأي تعديل في نمط التغذية أو توقيت تناول الطعام أن ينعكس بصورة مباشرة على تركيبه الوظيفي والتصنيفي.
 
وفي هذا السياق تبرز الأغذية المخمرة كخيار غذائي داعم نظرًا لقدرتها على التفاعل المباشر مع المجتمع الميكروبي المعوي وتحسين وظائفه.

وتُعد منتجات الألبان المخمرة وعلى رأسها الزبادي واللبن الرايب والجبن القريش من أبرز الأغذية الوظيفية التي تمتلك إمكانات واعدة في دعم صحة الميكروبيوم المعوي خلال فترات الصيام وذلك لما تحتويه من سلالات حية من البكتيريا النافعة إلى جانب مركبات حيوية نشطة ناتجة عن عملية التخمر تشمل ببتيدات ذات نشاط حيوي و فيتامينات ومعادن أساسية.

وقد أشارت دراسات متزايدة إلى أن هذه المنتجات قد تساهم في تعزيز تنوع الميكروبيوم و دعم سلامة الحاجز المعوي وتعديل الاستجابات الالتهابية خاصة في ظروف التغيرات الغذائية الحادة.

وعليه يهدف هذا المقال إلى استعراض وتحليل الدور العلمي لمنتجات الألبان المخمرة في دعم توازن الميكروبيوم واستعراض الأدلة الحديثة بما يسهم في تقديم رؤية علمية حول توظيف هذه المنتجات كأغذية داعمة خلال شهر رمضان.

مفهوم الميكروبيوم المعوي والأهمية الفسيولوجية

يتكون الميكروبيوم المعوي من ملايين الكائنات الدقيقة وتشمل البكتيريا والفطريات والفيروسات والتي تعيش في تكافل مع جسم الإنسان. وتؤدي هذه الكائنات وظائف متعددة من أبرزها:

•تفكيك المركبات الغذائية غير القابلة للهضم

•إنتاج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة (SCFAs)

•دعم سلامة الحاجز المعوي

•تنظيم الاستجابات المناعية 

وقد ارتبط اختلال توازن الميكروبيوم (Dysbiosis) بظهور العديد من الاضطرابات الصحية مثل الالتهابات المعوية السمنة و مرض السكر من النوع الثاني واضطرابات المناعة.

الصيام وتأثيره على الميكروبيوم المعوي

يُحدث الصيام الرمضاني تغيرات واضحة في توقيت تناول الغذاء وعدد الوجبات اليومية والتركيب الغذائي للوجبات وقد أظهرت دراسات حديثة أن الصيام قد يؤدي إلى:

•تغير نسبي في وفرة بعض السلالات البكتيرية

•تعديل نشاط المسارات الأيضية للميكروبيوم

•تغير مستويات الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة

ورغم أن الصيام قد يحمل فوائد أيضية إلا أن عدم التوازن الغذائي أو الاعتماد على وجبات فقيرة بالألياف والبروبيوتيك قد يؤدي إلى اضطراب مؤقت في البيئة المعوية وهنا تتجلى أهمية الأغذية المخمرة.

تركيب منتجات الألبان المخمرة والخصائص الوظيفية
- 1 البكتيريا النافعة Probiotic)) 

تحتوي منتجات الألبان المخمرة مثل الزبادي واللبن على سلالات حية من البكتيريا النافعة مثل
•Lactobacillus spp.
•Bifidobacterium spp.
وتتميز هذه السلالات بقدرتها على مقاومة الظروف الحمضية للمعدة والوصول إلى الأمعاء والقيام بوظائفها الحيوية.

 -2 المركبات الحيوية النشطة

إلى جانب البروبيوتيك  تحتوي الألبان المخمرة على:

•ببتيدات حيوية ذات تأثيرات مناعية ومضادة للالتهاب.

•فيتامينات (مثل فيتامين B المركب).

•معادن مهمة مثل الكالسيوم والمغنيسيوم.

آليات دعم الميكروبيوم المعوي أثناء الصيام
 -1 تعزيز تنوع الميكروبيوم واستقراره الوظيفي

يسهم الاستهلاك المنتظم لمنتجات الألبان المُخمَّرة في دعم تنوع الميكروبيوم المعوي (Microbial Diversity)  والذي يُعد أحد أهم المؤشرات الحيوية المرتبطة بصحة واستقرار النظام الميكروبي المعوي. وخلال فترات التغير الحاد في توقيت ونمط التغذية كما هو الحال أثناء الصيام الرمضاني يصبح الحفاظ على هذا التنوع أمرًا بالغ الأهمية لتجنّب حدوث اختلال ميكروبي مؤقت.

وتعمل السلالات البكتيرية النافعة ولا سيما  Lactobacillus وBifidobacterium على تعزيز التوازن التنافسي داخل البيئة المعوية من خلال الحد من نمو البكتيريا الضارة وتحسين التوزيع النسبي للمجتمعات الميكروبية المرتبطة بوظائف أيضية ومناعية مفيدة.

كما تشير الدراسات إلى أن إدراج البروبيوتيك ضمن النظام الغذائي خلال شهر الصيام يساهم في دعم المرونة الوظيفية للميكروبيوم مما يساعد على التكيّف مع التغيرات الغذائية دون فقدان التوازن الحيوي.

2- تحفيز إنتاج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة (SCFAs) وتنظيم الاستجابات الأيضية

تُعد الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة  (SCFAs) وعلى رأسها حمض البيوتيريك وحمض البروبيونيك من أهم النواتج الأيضية لنشاط التخمر البكتيري في القولون. ويساهم استهلاك الألبان المُخمَّرة في تعزيز نشاط البكتيريا المنتجة لهذه المركبات سواء بصورة مباشرة عبر إمداد الميكروبيوم بسلالات فعالة أو بصورة غير مباشرة من خلال تحسين كفاءة عمليات التخمير.

وتؤدي SCFAs أدوارًا فسيولوجية متعددة تشمل:

•توفير مصدر الطاقة الأساسي لخلايا القولون لا سيما البيوتيرات.

•تنظيم الاستجابات الالتهابية عبر تثبيط المسارات المؤدية لإنتاج السيتوكينات الالتهابية.

•تحسين حساسية الإنسولين وتنظيم التمثيل الغذائي للجلوكوز والدهون.

وخلال الصيام حيث تتغير ديناميكيات التمثيل الغذائي يُعد الحفاظ على إنتاج كافٍ من SCFAs عاملًا محوريًا في دعم التوازن الأيضي والصحة المعوية على المدى القصير والطويل. 

3 - تعزيز سلامة الحاجز المعوي وتقليل النفاذية المعوية

تمثل سلامة الحاجز المعوي عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على التوازن بين الجسم والبيئة الميكروبية المعوية. وقد أظهرت دراسات متزايدة أن البروبيوتيك الموجودة في منتجات الألبان المُخمَّرة تسهم في تعزيز البنية الوظيفية للحاجز المعوي من خلال :

•تقوية الوصلات الضيقة (Tight Junctions) بين الخلايا الطلائية للأمعاء.

•تقليل نفاذية الأمعاء

•الحد من انتقال السموم البكتيرية إلى مجرى الدم

ويكتسب هذا الدور أهمية خاصة أثناء الصيام  إذ إن التغيرات المفاجئة في نمط التغذية قد تزيد من قابلية الحاجز المعوي للاختلال مما يجعل إدراج الألبان المُخمَّرة استراتيجية غذائية داعمة للحفاظ على التكامل البنيوي والوظيفي للأمعاء.

الألبان المخمرة كاستراتيجية غذائية خلال الإفطار والسحور

يُوصى بإدراج الزبادي واللبن الرايب ضمن:

•وجبة الإفطار: للمساعدة في استعادة التوازن المعوي بعد ساعات الصيام الطويلة

•وجبة السحور: لدعم استقرار الميكروبيوم خلال فترة الامتناع عن الطعام

كما أن قوامها وسهولة هضمها يجعلها مناسبة لجميع الفئات العمرية.

ختاما:

تشير الأدلة العلمية إلى أن منتجات الألبان المخمرة تمثل أداة غذائية فعالة لدعم توازن الميكروبيوم المعوي أثناء الصيام من خلال تعزيز البكتيريا النافعة وتحسين وظائف الحاجز المعوي ودعم المناعة المعوية.

وفي ظل الخصوصية الغذائية والسلوكية لشهر رمضان فإن دمج الزبادي واللبن والمنتجات المخمرة الأخرى في النظام الغذائي اليومي يُعد اختيارا عمليًا ومبنيًا على أسس علمية لتحسين الصحة المعوية والتمثيل الغذائي وصحة للصائمين.

د / ناهد عبد المقتدر الوحش
مركز البحوث الزراعية - معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية - قسم بحوث الألبان -
اشترك في قناة اجري نيوز على واتساب اشترك في قناة اجري نيوز على جوجل نيوز
icon

الأكثر قراءة