في السنوات
الأخيرة، شهد العالم اهتمامآ متزايدآ في مجال صحة الإنسان والتغذية.
ومن بين هذه
المجالات التي ظهرت وبقوة هى ثورة الأغذية الوظيفية حيث تشير هذه
الأغذية إلى الأطعمة التي تحتوي على
مكونات تساهم في تعزيز الصحة والوقاية من الأمراض، بالإضافة إلى تقديم القيمة
الغذائية الأساسية.
وقد تدمج هذه الأغذية بعناصر مثل الفيتامينات، والمعادن،
والألياف، والبروبيوتيك.
وتتواجد البروبيوتيك بشكل طبيعي في بعض الأطعمة مثل
الزبادي، والكفير والعديد من المنتجات اللبنية.
وتعد الألبان
المخمرة المدعمة بالبروبيوتيك (والتى تمثل غالبية منتجات الألبان الوظيفية المتوفرة حاليًا في السوق) واحدة من أهم
المنتجات التى تندرج تحت فئة الأغذية
الوظيفية، هذه الألبان ليست مجرد مصدر
للكالسيوم والبروتين، بل تحتوي أيضا على كائنات حية دقيقة يطلق عليها اسم
البروبيوتيك تعزز من صحة الجهاز الهضمي, تدعم الجهاز المناعى وتساهم في تحسين الصحة العامة.
وتلعب الألبان المخمرة المدعمة بالبروبيوتيك دورآ حيويآ في تحسين صحة
الميكروبيوم الأمعائي، والذي يتألف من تريليونات من الكائنات الحية الدقيقة.
اذ تشير العديد
من الأبحاث أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين الأغذية الوظيفية، وخاصة الألبان المخمرة،
وصحة الميكروبيوم الأمعائي. من خلال تحسين التنوع الميكروبي.
ما هي البروبيوتيك؟
تعرف البروبيوتيك بأنها كائنات حية دقيقة،
عند تناولها بكميات كافية، تحسن صحة الإنسان أو الحيوان. وتعد بكتيريا أجناس Lactobacillus وBifidobacterium من أبرز الكائنات الحية الدقيقة التى تمثل البروبيوتيك، وكذلك خمائر جنس Saccharomyces .ووفقًا لتعريف اخر للبروبيوتيك، يجب أن تظل الكائنات الحية الدقيقة قابلة للحياة طوال فترة صلاحية المنتج وحتى تناوله ومروره عبر الجهاز الهضمي لتحقيق فوائده.
ومع ذلك، تشير الأبحاث العلمية إلى أن الكائنات الحية الدقيقة البروبيوتيكية غير القابلة للحياة (خلايا البروبيوتيك الميتة)، والمعروفة باسم البارابروبيوتيك، يمكن أن توفر أيضا فوائد صحية، مما يدل على أن آليات البروبيوتيك ونشاطه الحيوي لا ترتبط جميعها بحيوية البكتيريا.
ويقدم هذا المقال نظرة عامة على مفهوم البارابروبيوتيك، وعمليات إنتاجها، وأهم مزايا استخدامها في صناعة الألبان، مقارنةً بالبروبيوتيك، وتأثيراتها المحتملة على صحة المستهلك.
ماهى البارابروبيوتيك؟
يشار إلى البارابروبيوتيك باسم البروبيوتيك المعطل، والبروبيوتيك غير
القابل للحياة، والبروبيوتيك الشبحية. وهي تعرف بأنها خلايا ميكروبية غير قابلة
للحياة (سليمة أو محطمة) أو أجزاء خلوية تفيد
المستهلك عند تناولها بكميات كافية وبشكل متكرر.البارابروبيوتيك هي كائنات دقيقة تخضع لعمليات تعطيل، مما يؤدي إلى فقدان حيويتها، وبالتالي حدوث تغييرات في بنية الخلية البكتيرية، مثل تمزق خيوط الحمض النووي وغشاء الخلية، أو تغييرات في نشاطها الأيضي، مثل تعطيل الإنزيمات وتعطيل انتقائية الغشاء.
الطرق الرئيسية لإنتاج البارابروبيوتيك
البارابروبيوتيك يوجد بتركيزات مختلفة ضمن تركيبات البروبيوتيك،
تتراوح من1 ×510 إلى 1 × 1410 خلية بكتيرية لكل جرعة.ويمكن تعطيل البروبيوتيك باستخدام تقنيات متنوعة، مثل المعالجة الحرارية والأشعة فوق البنفسجية أو أشعة جاما والضغط العالي والمعالجة بالموجات فوق الصوتية والتجفيف بالتجميد والتفاعلات الكيميائية والمعالجة بالأوزون كما يمكن استخدام طرق أخرى، مثل المجال الكهربائي النبضي والتسخين الأومي والتجفيف بثاني أكسيد الكربون فوق الحرج وغيرها، والتي ينتج عنها إنتاج البارابروبيوتيك. وتعد المعالجة الحرارية الطريقة الأكثر شيوعًا للحصول على سلالات البارابروبيوتيك.
وعلى الرغم من استخدام تقنيات تعطيل متنوعة، فإن اختيار أفضل التقنيات دائمآ ما تعتمد على نوع وصفات الكائن الحي الدقيق والفائدة العلاجية المتوقعة.
ماهو الفرق بين البروبيوتيك والبارابروبيوتيك؟
لضمان قدرة المزارع البكتيرية على البقاء خلال
عملية الإنتاج على نطاق واسع، وأن الكمية المستهلكة ستحقق الفوائد الصحية المرجوة،
يجب تطوير منتج البروبيوتيك وفقًا لمواصفات دقيقة.حيث يمكن أن تتأثر حيوية خلايا البروبيوتيك بعوامل مختلفة، بما في ذلك مكونات الطعام، والمعالجة التكنولوجية، والتخزين طويل الأمد.
اذ تعد الألبان بيئة مناسبة لحمل بكتيريا البروبيوتيك نظرًا لقدرتها العالية على التخزين المؤقت والتأثير المفيد لمكوناتها (كريات الدهون، الكازين، واللاكتوز)، مما يحميها اثناء المرور عبر الجهاز الهضمي.
مع ذلك، يجب اتخاذ احتياطات مختلفة لتقليل فقدان حيوية خلايا البروبيوتيك والحفاظ على فوائدها أثناء المعالجة منها دمج مصادر للنتروجين وذلك نظراً لضعف النشاط المحلل للبروتين لبكتيريا البروبيوتيك على الكازين.
كما تشمل اختيار سلالات بروبيوتيك متوافقة مع بكتريا البادئ لتجنب التنافس بين المزارع الميكروبية، مما يقلل من سرعة التحميض ويحافظ على جودة المنتج. علاوة على ذلك، ينبغي استخدام مواد وإجراءات تغليف تقلل من التلف التأكسدي أثناء التخزين.
في المقابل، ولأن الكائنات الحية الدقيقة شبه البروبيوتيكية (البارابروبيوتيك) أكثر استقراراً للإنتاج الصناعي واسع النطاق، فإن إضافتها إلى منتجات الألبان توفر العديد من المزايا التقنية مقارنةً بالبروبيوتيك.
حيث بمجرد أن تكون خلايا البروبيوتيك ميتة، يكون التفاعل ضئيلاً أو معدوماً مع مكونات الطعام الأخرى، أو الإضافات، مما يؤثر بشكل مباشر على مدة صلاحية المنتج وخصائصه الحسية.
وتشمل الفوائد الأخرى سهولة التعامل أثناء التصنيع، بالإضافة إلى تقليل احتمالية التلوث الميكروبيولوجي بعد التصنيع لأنه يمكن إضافتها قبل البسترة، مما يحافظ على النشاط الأيضي للبن.
كما أنه يوفر المال في التخزين والنقل لأنه يظل مستقرًا في نطاق واسع من درجات الحرارة ولا يتطلب سلسلة تبريد، مثل اللبن المجفف سريع الذوبان ولبن الأطفال حديثي الولادة حيث يوفر هذا ميزة اقتصادية كبيرة لشركات الأغذية.
يمكن أيضًا استخدام البارابروبيوتيك كمكونات وظيفية في اغذية اخرى غير متجانسة (غير لبنية)، والتي يعتقد أنها بيئات صعبة لبقاء البروبيوتيك، مما يساهم في تنويع مجال الأغذية الوظيفية.
ايهم افضل البروبيوتيك ام البارابروبيوتيك
كخيار علاجي؟
أثبتت العديد من التجارب السريرية على البشر
والحيوانات الفوائد الصحية للبارابروبيوتيك في الوقاية من وعلاج اضطرابات متنوعة،
مثل العدوى الفيروسية والبكتيرية والتهاب الجلد والتهاب القولون وأمراض الجهاز التنفسي والأمراض الأيضية وتثبيط مسببات
الأمراض والسرطان والوقاية من تسوس الأسنان والحفاظ على الميكروبيوم المعوى وصحة
وسلامة الامعاء والجهاز المناعي والحفاظ على الحالة المزاجية الجيدة وتحسين
اللياقة البدنية وغيرها .ومع ذلك، ترتبط معظم هذه التجارب بالاستهلاك المباشر للبارابروبيوتيك فى صورة معلق أو مسحوق مجفد.
وعلى الرغم من وجود طلب متزايد لاجراء دراسات حول استخدام البارابروبيوتيك في الغذاء، إلا أنه يعد استخدامها امر لايزال نادرآ حتى الان .
بالإضافة إلى ذلك، تعد البارابروبيوتيك بدائل أكثر أمانا للأفراد الذين يعانون من ضعف في جهاز المناعة (مثل كبار السن وحديثي الولادة) مقارنةً بتناول البكتيريا الحية، والتي قد تنطوي على مخاطر الإصابة بالعدوى ، وزيادة الاستجابة للالتهابات تجاه مسببات الحساسية أو اللقاحات، أو مقاومة المضادات الحيوية عن طريق انتقال الميكروبات.
وقد تسهم هذه النتائج في تسهيل موافقة الجهات الصحية المعنية على استخدام البارابروبيوتيك كمكون أو مكمل غذائي لتعزيز الصحة .
وهناك العديد من المنتجات الدوائية التى تحتوى على بعض سلالات البارابروبيوتيك وتستخدم هذه المنتجات كمكملات غذائية علاوة على دورها فى الوقاية من عدوى جرثومة المعدة والاسهال الحاد ومرض السل وغيرها.
كما وجد أن البروبيوتيك مفيد في علاج الإسهال علاوة على انه يقلل من أعراض ألم البطن والانتفاخ. كما أظهرت الدراسات فعاليته في علاج كلا من الإسهال الفيروسي والبكتيري لدى الأطفال، مما يقلل مدة المرض.
علاوة على ذلك، وجد أنه يخفف أعراض متلازمة القولون العصبي لدى مرضى الإسهال، عن طريق تقليل الألم والتورم وتحسين جودة الحياة ويعتقد أن الآلية الكامنة وراء ذلك هي قدرة بكتيريا Lac.
asidophilus على تبطين الغشاء المخاطي للقولون وحمايته من التصاق الكائنات الدقيقة الضارة وغزوها.
كما أشارت بعض الدراسات إلى أن اللبن المخمر الذي يحتوي على بكتيريا L. gasseri CP2305 المعطلة حرارياً يمكن أن ينظم وظائف الأمعاء بشكل فعال لدى المرضى الذين يعانون من الإمساك.
وقد وجد ايضا أن للبروبيوتيك إمكانية في تقليل الالتهاب، وخاصةً البروبيوتيك Lactobacillus rhamnosus GG.
حيث أظهرت الدراسات أنها تستطيع تقليل الالتهابات كما وجد أن االبروبيوتيك المعطل من LGG فعال في منع اعراض الالتهاب.
كما وجد أن بكتيريا Lactobacillus fermentum RC-14 المقتولة بالحرارة تقلل من شدة التهاب الجلد وتشمل الآليات التي قد تعدل بها البروبيوتيك والبارابروبيوتيك الاستجابات البيولوجية المرتبطة بالأعراض، وذلك من خلال تنظيم محور الأمعاء والجلد، وهو مسار اتصال ثنائي الاتجاه بين الأمعاء والجلد.
حيث تؤثر البروبيوتيك والبارابروبيوتيك على تكوين ونشاط الميكروبات المعوية، مما يؤدي إلى إنتاج مستقلبات يمكن أن تؤثر على وظيفة الجلد والالتهاب.
كما قد تعدل هذه الكائنات جهاز المناعة وتقلل نشاط الخلايا المناعية التي تساهم في الالتهاب. حيث تشير هذه النتائج إلى أن البروبيوتيك والبارابروبيوتيك قد تكون قادرة على تعديل الاستجابات البيولوجية المرتبطة بالتهاب الجلد.
كما يمكن الوقاية من سرطان القولون والمعدة من خلال الفحص والمراقبة والوقاية الكيميائية. وقد ثبت أن للبروبيوتيك خصائص وقائية كيميائية، وقد أظهرت دراسات أن نوعين محددين من البروبيوتيك، وهما L. paracasei IMPC2.1 و L. rhamnosus GG، عند تعليقهما في أوساط معينة، يمتلكان تأثيرات مضادة للتكاثر ومحفزة لموت خلايا سرطان المعدة وسرطان القولون والمستقيم.
ايضا أظهرت دراسات أخرى أن أجزاء مختلفة من البروبيوتيك، مثل الخلايا الكاملة، والخلايا المعطلة حرارياً، وجدران الخلايا، لها تأثيرات مضادة لنمو وتكاثر الخلايا السرطانية. ومع ذلك، لم يعرف بعد أي مكون من المكونات فى هذه البارابروبيوتيك هو الأكثر فعالية في تثبيط تكاثر الخلايا السرطانية .
ماهى تحديات تطبيق البارابروبيوتيك فى مجال
الاغذية؟
أما فيما يتعلق بتطبيقات البارابروبيوتيك في
مجال الأغذية، توجد البارابروبيوتيك في المنتجات الغذائية والمكملات الغذائية، وقد
تسبب آثارآ سلبية عند استهلاكها بكميات كبيرة. لذلك، من المهم تعطيلها بطريقة
محكمة لإنتاج بارابروبيوتيك آمنة وفعالة.وقد درست استخدامات البارابروبيوتيك في التطبيقات الغذائية كوسيلة لإطالة مدة صلاحية المنتجات الغذائية، وتحسين سلامتها وجودتها، وكمصدر للمواد الحافظة الغذائية الطبيعية.
ومن التحديات الرئيسية في استخدام البارابروبيوتيك في التطبيقات الغذائية ضمان سلامتها وفعاليتها. ويتطلب ذلك توصيفًا دقيقًا للكائنات الحية الدقيقة، بالإضافة إلى اختبار سلامتها وفعاليتها في نماذج حيوانية وتجارب سريرية.
ومن المهم أيضًا التأكد من أن طرق تعطيل الكائنات الدقيقة لا تؤثر سلبآ على جودة وسلامة المنتجات الغذائية. ومن التحديات الأخرى ضمان استقرار المنتجات الغذائية التي تحتوي على البارابروبيوتيك ومدة صلاحيتها.
بالإضافة إلى ذلك، من المهم مراعاة التفاعلات المحتملة بين الكائنات الدقيقة والمكونات الأخرى في المنتج الغذائي.
وعلى الرغم من هذه التحديات، فإن استخدام البارابروبيوتيك في الأغذية يحمل في طياته إمكانية توفير مجموعة من الفوائد.
فعلى سبيل المثال، يمكن استخدامها كمواد حافظة طبيعية لإطالة مدة صلاحية المنتجات الغذائية، دون استخدام مواد كيميائية اصطناعية.
كما يمكنها تحسين سلامة وجودة المنتجات الغذائية عن طريق الحد من نمو الكائنات الدقيقة الضارة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن استخدامها كمصدر للمكونات الوظيفية مثل الإنزيمات والفيتامينات، التي يمكنها تعزيز القيمة الغذائية للمنتجات الغذائية.
ماهى التوقعات المستقبلية للبارابروبيوتيك؟
ومما سبق يتضح لنا ان مجال البارابروبيوتيك يشهد
تطورآ سريعآ، حيث تظهر اتجاهات جديدة باستمرار.ونظرآ لتعدد استخداماته مقارنة بخلايا البروبيوتيك الحية، فقد أصبح استخدام البارابروبيوتيك سبيلآ محتملاً لتنويع الأغذية الوظيفية إضافةً إلى كونه نهجآ علاجآ أكثر أمانآ للأفراد الذين يعانون من ضعف المناعة.
ولا تزال الدراسات حول إضافة البارابروبيوتيك إلى منتجات الألبان قليلة.
لذلك، هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لدراسة تطبيق البارابروبيوتيك في الأغذية وخاصآ الالبان باستخدام البروتوكولات المناسبة لتقييم تأثير الاستخدام واستقرار المنتج طوال مدة صلاحيته.
وقد تبدو الآفاق المستقبلية للبارابروبيوتيك واعدة خاصآ مع تزايد الاهتمام بالميكروبيوم البشري ودوره في المحافظة على الصحة والوقاية من الامراض، حيث تعد العلاجات القائمة على الميكروبيوم مجالًا ناشئًا للبحث والتطوير، ومن المتوقع أن تزداد أهميتها في المستقبل.
لذا تزداد الحاجة إلى المزيد من الأبحاث لفهم إمكانات هذه التوجهات بشكل كامل للحصول على علاجات آمنة وفعالة.
اعداد ا.د. وفاء محمود سلامة مركز البحوث الزراعية – معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية - قسم بحوث الالبان



