الثلاثاء، 12 ربيع الأول 1448 ، 25 أغسطس 2026

د. هبة عاطف بيومي صالح تكتب.. تأثير تصنيع الأغذية علي الميكروبيوم المعوي

ال
د. هبة عاطف بيومي صالح
أ أ
techno seeds
techno seeds
قد تبدو عملية تصنيع الغذاء وكأنها تهدف أساسًا إلى إطالة مدة الصلاحية وتحسين الطعم واللون والقوام، لكنها في الحقيقة قد تعيد تشكيل الغذاء على المستوى المجهري. فالحرارة، والضغط، والطحن، والتجفيف، والتخمير وغيرها من العمليات لا تغير شكل الغذاء وطعمه ومدة صلاحيته فحسب، وإنما يمكن أن تغير بنيته وقابلية مكوناته للهضم.

وبالتالي طبيعة المكونات التي تصل إلى ميكروبات القولون ، يمكن أن تغير تركيب الألياف، وبنية جدران الخلايا النباتية، وإتاحة المركبات الفينولية، وقابلية بعض الكربوهيدرات للهضم، وهذا يعني أن الغذاء الخام والغذاء المصنّع منه قد لا يقدمان بالضرورة المادة نفسها للميكروبيوم.

ومن هنا تبرز علاقة جديدة ومثيرة بين تكنولوجيا الأغذية والميكروبيوم وصحة الإنسان، وتفتح الباب أمام سؤال ضروري: هل يمكن أن نصمم الأغذية بحيث تكون مناسبة للإنسان وميكروبات أمعائه في الوقت نفسه؟ سنتعرف علي الاجابه في هذا المقال كما سنتعرف علي تأثير عمليات التصنيع الغذائي علي الميكروبيوم المعوي.

تأثير عمليات التصنيع الغذائي علي الميكروبيوم 

تخيل ثمرة حبوب كاملة قبل التصنيع، ثم تخيلها بعد الطحن، ثم بعد الخَبز، ثم بعد التبريد ،فالمادة الخام واحدة، لكن خصائصها الفيزيائية والكيميائية لم تعد بالضرورة كما كانت ، وهنا تظهر أهمية تكنولوجيا الأغذية ،فالمعالجة الحرارية قد تغير بنية بعض المكونات، والطحن قد يزيد مساحة سطح الغذاء ويسهّل وصول الإنزيمات إليه، بينما يمكن لبعض عمليات الطهي ثم التبريد أن تغير خصائص النشا وتزيد تكوّن أجزاء أقل قابلية للهضم في الأمعاء الدقيقة ، وقد تبدأ الرحلة بثمرة مانجو طازجة، ثم تتحول إلى عصير أو مربى أو شرائح مجففة أو مسحوق، فالمادة الخام واحدة، ولكن المنتج النهائي ليس بالضرورة متشابهًا من الناحية الغذائية والفيزيائية، فالطحن قد يؤدي إلى تكسير البنية الخلوية، والطهي قد يغير تركيب بعض النشويات، والتجفيف يزيل الماء ويغير المصفوفة الغذائية، بينما يمكن للتبريد بعد الطهي أن يؤدي إلى تغيرات في بنية النشا.

وبالتالي، فإن عملية التصنيع قد تحدد جزئيًا أي مكونات غذائية ستُمتص في الأمعاء الدقيقة، وأيها سيستمر في رحلته حتى يصل إلى القولون حيث تتفاعل معه الميكروبات، وهذا يقودنا إلى مفهوم مهم جداً، وهو  أن تأثير التصنيع الغذائي قد لا يكون مباشرًا فقط، وإنما يمكن أن يحدث عبر سلسلة من التغيرات تبدأ داخل المصنع وتنتهي بتفاعل معقد داخل الأمعاء.

أمثلة علي بعض المنتجات الغذائيه وتأثيرها علي الميكروبيوم:

العصائر

تُعد العصائر من أكثر المنتجات شيوعًا في تصنيع الحاصلات البستانية، ولكن تحويل الفاكهة الكاملة إلى عصير يغير بصورة واضحة المصفوفة الغذائية للثمرة ،فعند عصر البرتقال أو الجوافة أو التفاح أو الرمان، تنتقل المياه والسكريات وبعض الأحماض والفيتامينات والمركبات الفينولية إلى الجزء السائل، بينما قد ينتقل جزء من الألياف والمكونات المرتبطة بجدران الخلايا إلى اللب أو المخلفات.

وهنا تظهر نقطة مهمة، فليست كل فاكهة في صورة عصير مساوية للثمرة الكاملة من منظور الميكروبيوم ،فاللب والألياف والمواد النباتية غير القابلة للهضم يمكن أن تمثل ركائز مهمة للتخمر الميكروبي في القولون.

ولذلك فإن تطوير العصائر الغنية باللب أو الألياف، أو الاستفادة من أجزاء الثمرة التي كانت تُعامل سابقًا كمخلفات، قد يفتح مجالًا لإنتاج عصائر ذات قيمة وظيفية أعلى، والأمر الأكثر إثارة هو أن قشور الفواكه وبذورها والأجزاء الليفية قد تحتوي على كميات مهمة من البوليفينولات والألياف، مما يجعلها مواد واعدة لإنتاج مكونات غذائية وظيفية بدلًا من التخلص منها.

المربات

المربى مثال آخر على منتج غذائي يخضع للحرارة والتركيز، وغالبًا ما يحتوي على كميات مرتفعة من السكريات ،لكن من منظور تكنولوجيا الأغذية، يمكن إعادة التفكير في المربى باعتباره منصة لتطوير منتجات أكثر وظيفية ،فعلى سبيل المثال، يمكن استخدام الفواكه الغنية بالبوليفينولات مثل الرمان والتوت والفراولة، أو دمج ألياف الفاكهة أو البكتين، أو الاستفادة من القشور الغنية بالمركبات الحيوية.

ويتميز البكتين بأهمية خاصة؛ فهو أحد مكونات جدار الخلية النباتية، كما أن بعض الألياف الذائبة يمكن أن تتعرض لتغيرات بنيوية أثناء التصنيع تؤثر في قابليتها للتخمر وفي تفاعلها مع الميكروبات المعوية.

وتشير مراجعات حديثة إلى أن المعالجة قد تغير البنية الجزيئية للألياف الذائبة في الفواكه والخضروات، وبالتالي تغير قابليتها للتخمر وإنتاج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة ، وهنا تظهر أهمية تطوير المربى الحديثة ،لنحصل على منتج جذاب حسيًا وآمن، وفي الوقت نفسه أكثر ملاءمة للاتجاهات الحديثة في التغذية الوظيفية.

الحاصلات البستانيه المجففه

التجفيف من أقدم تقنيات حفظ الحاصلات البستانية، وهو من أكثر الأمثلة وضوحًا على تأثير التكنولوجيا في الغذاء ،فعند تجفيف المانجو أو التفاح أو الفراولة أو الطماطم أو الخضروات الورقية، تتم إزالة جزء كبير من الماء، فتزداد كثافة المكونات الصلبة في المنتج النهائي ،لكن درجة الحرارة ومدة التجفيف ونوع التقنية المستخدمة عوامل حاسمة.

فالتجفيف بدرجات حرارة مرتفعة قد يؤدي إلى خسائر في بعض المركبات الحساسة، بينما يمكن لبعض تقنيات التجفيف الأكثر لطفًا أن تساعد في الاحتفاظ بنسبة أكبر من المركبات الحيوية.

وتشير مراجعات حديثة إلى أن التجفيف بالتجميد يمكن أن يكون فعالًا في الاحتفاظ بالبوليفينولات، بينما ترتبط ظروف التجفيف الحراري الأعلى عادةً بفقد أكبر لبعض هذه المركبات، والأكثر أهمية أن التجفيف لا يغير فقط كمية المركبات، بل قد يغير أيضًا المصفوفة الغذائية وإتاحة المكونات للهضم والتخمر، لذلك فإن تطوير منتجات الفواكه والخضروات المجففة لا ينبغي أن يعتمد فقط على الوصول إلى رطوبة منخفضة ومدة صلاحية طويلة، بل يمكن أن يأخذ في الاعتبار أيضًا المحافظة على الألياف والمركبات النباتية التي يمكن أن تصل إلى الميكروبيوم.

الصبغات الغذائية الطبيعية

عندما نسمع كلمة "صبغة غذائية"، غالبًا ما نفكر في اللون فقط. لكن العديد من الأصباغ الطبيعية النباتية ترتبط بمركبات ذات نشاط حيوي، مثل الأنثوسيانينات والكاروتينات وبعض المركبات الفينولية ،ومؤخراً تم  الحصول على هذه المركبات من مصادر مثل الكركديه، والعنب، والرمان، والتوت، والجزر، والطماطم وغيرها.

لكن المشكلة التكنولوجية أن المركبات الملونة ليست دائمًا مستقرة؛ فقد تتأثر بالحرارة والضوء والأكسجين ودرجة الحموضة ،وهنا تظهر أهمية تقنيات مثل التغليف الدقيق (Microencapsulation)، التي يمكن أن تساعد في حماية بعض المركبات الحساسة وتحسين ثباتها في المنتج ،ومن منظور الميكروبيوم، تظهر أهمية المحافظة على المركبات الحيوية المصاحبة للون لستصل إلى الأمعاء في صورة تسمح بالتفاعل مع الميكروبيوم.

وقد أظهرت الدراسات أن العلاقة بين البوليفينولات والميكروبيوم ليست في اتجاه واحد؛ فالميكروبات نفسها يمكن أن تحول بعض البوليفينولات إلى نواتج أيضية أخرى، بينما قد تؤثر البوليفينولات في البيئة الميكروبية.

النكهات الطبيعية

يمكن أيضًا النظر إلى النكهات الطبيعية والمستخلصات النباتية من منظور مختلف ،فالزيوت العطرية والمستخلصات النباتية من الأعشاب والتوابل مثل الزعتر، وإكليل الجبل، والزنجبيل، والقرفة والنعناع تحتوي على مجموعة متنوعة من المركبات النباتية ،وقد تمتلك بعض هذه المركبات خصائص مضادة للأكسدة أو نشاطًا حيويًا كدعم توازن المجتمع الميكروبي في الأمعاء.

الأغذية المتخمرة

إذا كان هناك مثال يجمع بصورة مباشرة بين التصنيع الغذائي والميكروبات، فهو التخمير، فلا تكون الكائنات الدقيقة مجرد عامل خارجي؛ بل تصبح جزءًا من عملية التصنيع نفسها، ففي الزبادي والكفير وبعض الخضروات المخمرة ومنتجات الحبوب، تعمل البكتيريا أو الخمائر على تحويل مكونات الغذاء إلى مركبات جديدة، مما قد يؤثر في الطعم والرائحة والقوام والحفظ والقيمة الغذائية.

وقد تؤدي عملية التخمير إلى تحرير بعض المركبات النباتية المرتبطة بالمصفوفة الغذائية أو تحويلها إلى صور أكثر إتاحة، كما يمكن أن تغير تركيب الألياف وبعض المركبات الفينولية.

وتشير مراجعات حديثة إلى أن تخمير الخضروات قد يحسن بعض الخصائص الغذائية والحيوية من خلال عمليات التحول الميكروبي للمكونات، فالميكروبات يمكن أن تكون أداة لتصنيع غذاء قد يكون أكثر ملاءمة للميكروبيوم.

لكن يجب الحذر من افتراض أن كل غذاء مخمر أو كل كائن دقيق موجود فيه سيؤدي تلقائيًا إلى تأثير صحي؛ فالفوائد تعتمد على نوع الغذاء، والسلالة الميكروبية، وظروف التخمير، والمنتج النهائي، والجرعة ونمط استهلاك الغذاء.


هل يمكن أن نصنع غذاءً "صديقًا للميكروبيوم"؟

لنتخيل منتجًا غذئياً لا يتم تصميمه فقط بناءً على اللون والطعم والقوام ومدة الصلاحية، وإنما تُدرس تركيبته منذ البداية وفقاً لتأثيرة علي القولون، فيمكن عندها اختيار المادة الخام، وطريقة المعالجة، ودرجة الحرارة، ومدة التصنيع، وحجم الجسيمات، ونوع الألياف، وطريقة التخمير، وحتى طريقة التغليف، بهدف الحفاظ على أكبر قدر ممكن من المكونات ذات القيمة الوظيفية.

وقد تشمل هذه المنتجات المستقبلية :
•عصائر غنية باللب والألياف.

•مربات منخفضة السكر ومدعمة بالألياف أو البكتين.

•فواكه وخضروات مجففة بطريقة تحافظ على المركبات الحيوية.

•مساحيق نباتية غنية بالألياف والبوليفينولات.

•مكونات مستخلصة من قشور الفواكه وبذورها.

•أغذية مخمرة بمزارع ميكروبية مختارة.

•منتجات تجمع بين البروبيوتيك والبريبايوتك.

•أغذية تحتوي على مركبات نباتية ذات نشاط حيوي.

•منتجات مصممة لتوفير ركائز قابلة للتخمر في القولون.

وتتوافق هذه الرؤية مع الاتجاه الحديث نحو تطوير تقنيات تصنيع قادرة على تعديل خصائص الألياف والمكونات النباتية وتحسين خصائصها الوظيفية، بما في ذلك تقنيات مثل المعالجة بالإنزيمات، والتخمير، والبثق، والموجات فوق الصوتية، والضغط الهيدروستاتيكي العالي.

هل يمكن أن يكون غذاء واحد مناسبًا لكل الميكروبات؟

الميكروبيوم يختلف بصورة كبيرة من شخص إلى آخر، وكذلك تختلف قدرته على تخمير الألياف والاستفادة من المركبات النباتية ،وقد أظهرت دراسة حديثة نُشرت عام 2025 أن عينات الميكروبيوم من أشخاص مختلفين أظهرت أنماطًا مختلفة في تخمير أنواع متعددة من الألياف وإنتاج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، وهذا يقودنا إلى مفهوم التغذية الشخصية (Personalized Nutrition).

فقد لا يكون المستقبل في إنتاج غذاء واحد "مثالي" للجميع، وإنما في تطوير مجموعة متنوعة من الأغذية الوظيفية، وربما في المستقبل تصميم بعض المنتجات وفق احتياجات الفرد وتركيب الميكروبيوم الخاص به.

من غذاء تقليدي إلى غذاء ذكي

إن التطور الحقيقي في علوم وتكنولوجيا الأغذية لا يعني بالضرورة التخلي عن الأغذية التقليدية، بل يمكن أن يعني إعادة تصميمها علميًا ،فالمانجو يمكن أن تتحول إلى عصير أو مربى أو فاكهة مجففة أو مسحوق، والرمان يمكن أن يدخل في العصائر والمربات والمستخلصات والأصباغ الطبيعية، وقشور الحمضيات يمكن أن تتحول من مخلفات إلى بكتين أو ألياف أو نكهات طبيعية، والخضروات يمكن أن تُجفف أو تُخمر أو تتحول إلى مساحيق ومكونات وظيفية، وهكذا تصبح تكنولوجيا الأغذية حلقة الوصل بين الحاصلات البستانية والاقتصاد الدائري والتغذية والميكروبيوم.

الخلاصة

لم يعد مستقبل تصنيع الأغذية قائمًا فقط على كيفية حفظ الغذاء بل أصبح أكثر عمقًا ، وهو كيف نصنع الغذاء بطريقة تحافظ على قيمته، وتجعله أكثر كفاءة في توصيل مكوناته الحيوية، وربما أكثر توافقًا مع الميكروبات التي تعيش داخل أجسامنا، ومن العصير والمربى إلى الفواكه والخضروات المجففة، ومن الصبغات والنكهات الطبيعية إلى الأغذية المخمرة، يمكن أن تصبح كل تقنية تصنيع فرصة لإعادة التفكير في العلاقة بين المادة الخام، وبنية الغذاء، والميكروبيوم، وصحة الإنسان ،وربما يكون الاتجاه القادم في صناعة الأغذية هو الانتقال من مفهوم "Food for humans" إلى مفهوم أكثر شمولًا "Food for humans and their microbiome."أي أن نصنع غذاءً لا يهدف فقط إلى إشباع الإنسان وتغذيته، وإنما يأخذ في الاعتبار أيضًا العالم الميكروبي الذي يعيش معه.

أعداد: د. هبة عاطف بيومي صالح
باحث بمعهد بحوث تكنولوجيا الأغذية


اشترك في قناة اجري نيوز على واتساب اشترك في قناة اجري نيوز على جوجل نيوز
icon

الأكثر قراءة