أكد الدكتور أسامة قابيل، من علماء الأزهر الشريف، أن أول جريمة قتل في تاريخ البشرية كانت بين ابني نبي الله آدم عليه السلام، حين دفع الحسد والغيرة أحدهما إلى قتل أخيه، لافتًا إلى أن هذه الواقعة القرآنية تكشف خطورة أمراض القلوب إذا تُركت دون علاج.
وأوضح في تصريحات له، أن الله تعالى قال: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 27-30].
وأضاف أن القرآن الكريم لم يترك هذا المرض دون تحذير، فقال سبحانه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 54]، كما قال تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 5]، ودعا المؤمنين إلى نقاء القلوب بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: 10].
وأشار إلى أن من أخطر صور الغِلّ التي تصيب بعض الأغنياء، أن يتمنى الإنسان ألا تصل النعمة إلى غيره، أو يضيق صدره إذا رأى فضل الله على الآخرين، وكأن النعم محدودة تُسلب منه إن أُعطيت لغيره، مع أن خزائن الله لا تنفد، وقد ذمّ القرآن هذا المسلك بقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 53]، مؤكدًا أن المؤمن الصادق يفرح بنعمة الله على غيره كما يفرح بها لنفسه، ويسأل الله البركة للجميع، لأن القلوب النقية لا تعرف الضيق من فضل الله، بل تراه رحمةً تتسع للناس كافة.
وبيّن أن الحسد والغل والحقد من أخطر أمراض القلوب التي توعد الله أصحابها بسوء العاقبة، إذ إن الحسد اعتراض ضمني على قسمة الله، وقد قال النبي ﷺ: «لا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد»، كما أن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
وأشار إلى أن الحاقد يعيش في ضيق وهمّ دائم، لأنه ينشغل بنعم الآخرين بدل شكر نعم الله عليه، بينما يكون جزاؤه يوم القيامة الخسران إن لم يتب، إذ يحمل أوزار قلبه وما ترتب عليها من أذى للناس، مؤكدًا أن النجاة تكون بتطهير القلب والرضا بقضاء الله، والدعاء للآخرين بالبركة بدل تمني زوال النعمة.
وأشار إلى أن من وجد حوله من يُظهر الحسد أو الحقد، ويُكثر من المقارنات، سواء صديق أو قريب او موظف لديه أو جار، فعليه أولًا أن يراجع نفسه: هل ظلم هذا الشخص في حق من حقوقه؟ فإن كان كذلك، وجب رد المظالم إلى أهلها، فذلك من أعظم ما يطفئ نار الغل في القلوب، هل يحتاج لمساعدة أقدمها له، ولو قريب فقير هل انا مقصر فى حقه وتقديم مساعدة له.
وتابع: أن يتحصن بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ، ومن ذلك قراءة المعوذتين والإخلاص، فقد قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾،
وكذلك من الأذكار النبوية: “أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق”، و“بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم” ثلاث مرات صباحًا ومساءً.
وشدد على ضرورة الإحسان إلى من أساء، لقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: 34]، مؤكدًا أن مقابلة الحقد بالحلم، والحسد بالرضا، من أعظم أسباب إطفاء الفتن ونشر السكينة بين الناس.
وشدد على أن تهذيب النفس وتطهير القلب من الحسد والغل والحقد ليس أمرًا اختياريًا، بل هو واجب شرعي وأساس لاستقرار المجتمعات، لأن الجرائم الكبرى تبدأ غالبًا من قلوب امتلأت بالضغائن ولم تُعالج في وقتها.





