في عالم
الأغذية، دائما ما تستحوذ اللحوم والدواجن ومختلف أنواع الأسماك الطازجة على دائرة
الضوء، بينما لا تحظى البقوليات بالقدر نفسه من الإهتمام، رغم أنها من أكثر الأغذية
قيمة وتأثيرا في صحة الإنسان والبيئة.
فهي ليست مجرد حبوب تدخل في إعداد أطباق من الفول
أو العدس، بل هي كنز غذائي ساهم في بناء حضارات، واستمر في توفير الأمن الغذائي لملايين
البشر على مدى آلاف السنين.
والبقوليات
تشمل الفول والعدس والحمص والفاصوليا واللوبيا والبازلاء الجافة والترمس وغيرها من
الأنواع التي تنوعت في أشكالها وألوانها ومحتواها الغذائي، وتتميز جميعها بالقدرة الفريدة
على توفير البروتين النباتي عالي الجودة، والتي أكسبتها شهرة بكونها "لحم الفقراء"
غير أن هذه الشهرة لم تعد تعكس حقيقة الأمر، فقد أصبحت البقوليات اليوم غذاء مفضل للرياضيين
والنباتيين، وبشكل عام لكل المستهلكين الذين يبحثون عن نمط الحياة الصحي.
تكمن روعة
البقوليات في توازنها الغذائي. فهي غنية بالبروتينات، والألياف الغذائية، والكربوهيدرات
المعقدة، إلى جانب مجموعة كبيرة من الفيتامينات مثل حمض الفوليك، والمعادن المهمة مثل
الحديد، والمغنيسيوم، والبوتاسيوم، والزنك. هذا المزيج يجعلها تمنح الجسم طاقة تدوم
لفترة أطول، وتساعد على الشعور بالشبع، مما يساهم في التحكم في الوزن وتقليل الرغبة
في تناول الوجبات السريعة.
ولا تقف
فوائدها عند حد التغذية، بل تمتد لتشمل الوقاية من الأمراض، فالبروتينات القابلة للذوبان
الموجودة في البقوليات تساعد في خفض الكوليسترول الضار( L D L )، وبالتالي تسهل من التحكم
بصحة القلب والأوعية الدموية، بالإضافة إلى إنخفاض مؤشرها الجلايسيمي يجعلها من الإختيارات
المناسبة جدا للمرضى الذين يعانون من مرض السكري، حيث تعمل على استقرار مستوى السكر
في الدم، وقد أظهرت العديد من الدراسات أن تناول البقوليات بشكل مستمر يعمل على إنخفاض
خطر الإصابة بأمراض القلب والسرطان وتعزيز صحة الجهاز الهضمي من خلال زيادة البكتيريا
النافعة الموجودة.
كما أن
البقوليات واحدة من أكثر المواد الغذائية التي لها بصمة كربونية قليلة مقارنة بمصادر
البروتين الحيوانية الأخرى حيث إن إنتاج البقوليات يعتمد على استخدام كمية أقل من المياه
والطاقة وكذلك غازات الاحتباس الحراري أقل مما يجعلها عنصرا أساسيا في تبني النظم الغذائية
المستدامة والعمل في إنتاج غذاء أخضر ومفيد للصحة وتحقيق الأمن الغذائي للمستقبل.
ورغم
فوائدها العديدة، يبتعد بعض الناس عنها بسبب ما قد تسببه من إنتفاخ أو صعوبة في
الهضم.
ويمكن التغلب على ذلك بسهولة بنقع الحبوب قبل الطهي، والتخلص من ماء النقع،
وطهيها جيدا، مع إدخالها تدريجيا إلى النظام الغذائي حتى يعتاد الجهاز الهضمي
عليها.
ومن
الجوانب المميزة للبقوليات أنها تجمع بين البساطة والابتكار.
فهي تدخل في إعداد
الشوربات، و الصوصات والسلطات، والأطباق
التقليدية، كما أصبحت مكونا رئيسيا في البرجر النباتي، والمكرونة المدعمة
بالبقوليات، والوجبات الخفيفة عالية البروتين، وحتى بعض المخبوزات بعد تحويلها إلى
مطحون غني بالعناصر الغذائية وإضافته إلى دقيق القمح.
في
النهاية، يمكن القول أن البقوليات ليست مجرد غذاء إقتصادي، بل هي إستثمار طويل
الأمد في صحة الإنسان.
إنها مثال حي على أن أعظم الكنوز قد تكون أقرب إلينا مما
نتخيل، وأن طبقا بسيطا من العدس أو الفول أو الحمص يحمل بين حباته قصة من التغذية،
والإستدامة، والأمل في مستقبل غذائي أكثر صحة وتوازن .
اعداد الأستاذة الدكتورة / هينارعبد الفتاح سليم
رئيس بحوث متفرغ- قسم بحوث تكنولوجيا المحاصيل - معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية





