الأربعاء، 21 ذو القعدة 1445 ، 29 مايو 2024

المحررين

من نحن

اتصل بنا

الدكتور فوزي أبودنيا يكتب.. التغيرات المناخية والزيادة السكانية عوامل مهددة للأمن الغذائي

فوزي ابو دنيا
الدكتور فوزى أبودنيا
أ أ
أن انعدام الأمن الغذائي آخذاً في الارتفاع بالفعل على مستوى العالم، ويرجع ذلك في جانب كبير منه إلى الظواهر المناخية، حيث تؤثر مشكلة الاحترار على أنماط الطقس، مما يتسبب في حدوث موجات حر، وهطول أمطار غزيرة، وموجات جفاف. لقد كان ارتفاع أسعار السلع الغذائية في عام 2021 أحد العوامل الرئيسية التي أدت إلى معاناة ملايين في البلدان منخفضة الدخل من انعدام الأمن الغذائي.

وفي الوقت نفسه، تشكل الأساليب الحالية لإنتاج المواد الغذائية في أحوال كثيرة جزءاً كبيراً من هذه المشكلة.

لضمان الأمنِ الغذائيّ للمجتمعات في ظل التغيرات المناخية وازدياد تعداد السكان فإنه من الواجب تعزيز الممارسات الزراعية المستدامة، وتحسين الإدارة البيئية، بالإضافة إلى تفعيل أساليب التوعية بأهمية التغذية الصحية، والعمل على تنفيذ خطط الاقتصاد الأخضر. وإذا كان الأمنُ الغذائيّ مفهومًا مرتبطًا - بشكل وثيق- بالتنمية المستدامة فإنه يتعين على المجتمعات الاهتمام به، وتعزيز كل مشروعاته، ومن أهمها: مشروعات تحسين إنتاج الغذاء بكفاءة. حيث انه قد أصبح من المسلم به انه توجد علاقة وثيقة بين الغذاء وتغير المناخ حيث يمر الغذاء بعدة خطوات من الزراعة والنمو، ثم معالجة ونقل وتوزيع وتحضير واستهلاك، ثم التخلص منه في بعض الأحيان. فى كل خطوة من هذه الخطوات يتولد غازات دفيئة تحبس حرارة الشمس وتساهم في تغير المناخ. وفى الواقع فإن أكثر من ثلث انبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي يسببها الإنسان ترتبط بالغذاء. ولأن معايير تحقيق الأمن الغذائي أن لا يعاني الإنسان نقصَ الطعام ولا الجوعَ. لذا يستخدم مفهومُ الامن الغذائي على اعتباره معيارًا لتقييم سلاسل الإمداد الغذائية، التي قد تَضعف بسبب عوامل عديدة خطيرة، ومنها: الجفاف – الحروب – تدهور التربة – التغيُّرات المناخية. وبذلك يعتبر الأمنِ الغذائيّ مصطلح يعمل العالم من خلاله علَى ضمان توفير الطعام للإنسان بأسلوب مستدام وآمن في جميع الأوقات، لذا ينظر اليه باعتباره محورًا رئيسيًّا من محاور التنمية والبيئة. ولهذا ينبغي لنا أنْ ندركَ أنه إذا لم يتحقق أمن الإنسان الغذائي تضررت صحته، وتدهورت بيئته؛ لأنَّ نقصَ التغذيةِ وانتشارَ الجوعِ يؤديانِ إلى تدهور الصحة والتعليم، وغيرهما من القطاعات.

الركائز الأساسية للأمن الغذائي

ينقسم الأمن الغذائي إلى مستويينِ: المطلق، وهو الذى يعبر عن قدرة الدولة على إنتاج الطعام بمعدل يفوق الطلب المحليّ، والنسبيّ، فهو قدرة الدولة على تلبية احتياجات شعبها جزئيًّا. وتضع منظمة الصحة العالمية أركانًا أربعة للأمن الغذائي، هي: الوفرة، والإمكانية، والاستهلاك، والاستقرار. حيث تعني وفرةُ الغذاء توفيرَ الإمدادات الغذائية من خلال الإنتاج والتوزيع والتبادل، ويعتمد إنتاج الغذاء على عوامل متنوعة، منها: حيازة الأراضي، وطريقة استخدامها، وإدارة التربة، واختيار وزراعة المحاصيل ورعايتها، وطريقة جمع المحاصيل. كذلك تنفيذ مشروعات الثروة الحيوانية بأسلوب مستدام،. ويُعدُّ -أيضًا- تأثيرُ ندرة المياه ومنسوب تساقط الأمطار في إنتاج المحاصيل عاملًا من العوامل المهمة فى إنتاج الغذاء. من ناحية اخرى فإن إمكانية الحصول على الطعام ترتبط بقدرة الأفراد على تحمل أعباء تكاليفه وتوزيعه، بالإضافة إلى تفضيلاتهم الشخصية وتفضيلات أُسَرِهم. وينبغي أنْ ندركَ هنا أنَّ الجوعَ وسوءَ التغذية لا يكونانِ (وذلك وفقًا لتقرير لجنة الأمم المتحدة المَعنية بالحقوق الاقتصادية) بسبب ندرة الطعام، وإنما بسبب عدم القدرة المادية للحصول على الأطعمة المتاحة، وهذا الأمر عادةً ما يعود إلى الفقر. حيث يُقيد الفقر قدرةَ الإنسانِ علَى توفير طعامه، وبالتالي فإن الفقر يتسبب في هشاشة الأفراد أو الأُسر أمام ارتفاع أسعار الطعام. وذلك لان قدرة الحصول على الطعام متوقف على وجود دخل كاف يسمح للإنسان بشراء الطعام، وذلك وفقًا للأسعار السائدة. وكما هو معلوم، يرتبط استهلاكَ الطعام بعملية الهضم، ويتأثر نوعه وكميته حينئذ بمجموعة متنوعة من العوامل؛ لذا يجب أنْ يكون الطعام الذي يُستهلك آمنًا وملبيًا لاحتياجات الإنسان الغذائية، وهذا لأنَّ سلامةَ الغذاءِ تؤثر -بشدة- في كيفية استهلاكه. وقد تتأثر هذه السلامة بعوامل متعددة، مثل عمليات تحضير وتجهيز الطعام؛ لهذا يجب تحسين طرق التغذية. تعتبر قدرة الوصول إلى الغذاء طوال الوقت دلالة على استقرار الغذاء. وقد ينعدم هذا الاستقرار الغذائي مؤقتًا أو موسميًّا، ومتى كان استقرارُ الأمن الغذائي مضطربًا وغيرَ مأمونٍ ندرك على الفور أنَّ هناك كوارثَ طبيعيةً أو فتراتِ جفافٍ. كما تَتَسبب النزاعاتُ المحليةُ في انعدام استقرار الغذاء، وكذلك تؤدي تذبذباتُ الأسواقِ وارتفاعُ أسعارِ الطعام -بشكل مفرط- إلى عدم استقرار الأمن الغذائي.

تكيف الزراعة مع تغيّر المناخ لتحقيق الأمن الغذائي

من الممكن تقليل الانبعاثات وزيادة القدرة على الصمود، لكن القيام بذلك يتطلب في كثير من الأحيان تغيّرات اجتماعية واقتصادية وتكنولوجية كبيرة. وهناك بعض الإستراتيجيات الرئيسية في هذا الشأن: منها استخدام المياه على نحو أكثر كفاءة وفاعلية، على أن يقترن ذلك بوضع سياسات لإدارة جانب الطلب. وقد لا يكون إنشاء المزيد من مرافق البنى التحتية للري حلاً مجدياً إذا اتضح من الدراسات الدولية التى تجرى على استخدامات المياه فى رى المحاصيل أن إمدادات المياه لن تكون كافية في المستقبل لتزويد شبكات الري - وهو ما تظهره البحوث المعنية بهذا الشأن، بالنسبة للعديد من البلدان. وتشمل الخيارات الأخرى تحسين إدارة جانب الطلب على المياه وكذلك استخدام أنظمة وتكنولوجيات متقدمة لحساب المياه لتقييم كمية المياه المتاحة، بما في ذلك أجهزة استشعار رطوبة التربة وقياسات البخر بالاستعانة بالأقمار الصناعية. ويمكن أن تؤدي هذه التدابير إلى تسهيل تبني أساليب مثل نظام الترطيب والتجفيف بالتناوب لحقول الأرز على سبيل المثال، مما يوفر المياه ويقلل من انبعاثات الميثان في الوقت نفسه. من الناحية الاخرى فإن التحول إلى المحاصيل الأقل استهلاكاً للمياه يمكن أن يكون حلا سحرية، على سبيل المثال، يمكن لمزارعي الأرز التحوّل إلى زراعة محاصيل تتطلب كميات أقل من المياه مثل الذرة أو البقوليات. ومن شأن ذلك أيضاً أن يساعد في الحد من انبعاثات الميثان، لأن الأرز يُعد مصدراً رئيسياً للانبعاثات ذات الصلة بالأغذية الزراعية. ولكن قد لا يكون من السهل لمزارعين يزرعون الأرز ويستهلكونه منذ آلاف السنين التحوّل إلى زراعة محصول آخر أقل استهلاكاً للمياه وأقل إصداراً للانبعاثات. من الأمور بالغة الأهمية  تحسين سلامة التربة، حيث أن زيادة الكربون العضوي في التربة تساعد على تحسين الاحتفاظ بالمياه وتتيح للنباتات الحصول على المياه على نحو أكثر سهولة، مما يزيد من القدرة على مواجهة الجفاف. كما أنها توفر المزيد من المغذيات دون الحاجة إلى الأسمدة الكيماوية - التي تعد مصدراً رئيسياً للانبعاثات. ويمكن للمزارعين استعادة الكربون المفقود نتيجة لعدم حراثة التربة واستخدام محاصيل التغطية، لاسيما ذات الجذور الكبيرة، في دورة التناوب بدلاً من إراحة الحقول. ويمكن أن توفر حلول التحديات البيئية المستمدة من الطبيعة نحو 37% من قدرات التخفيف من أثار تغيير المناخ الضرورية لتحقيق أهداف اتفاق باريس. لكن إقناع المزارعين بتبني هذه الممارسات سيستغرق وقتاً، فضلاً عن زيادة الوعي والتدريب. وفي الأماكن التي تكون فيها حيازات الأراضي الزراعية صغيرة ولا يستطيع المزارعون تحمل تكلفة إراحة الحقول أو حتى بالتناوب مع المحاصيل البقولية، فإن تحسين سلامة التربة يمكن أن يكون أمراً صعباً.

دور الدولة في مساندة القطاع الزراعي على تعزيز الأمن الغذائي في مواجهة تغيّر المناخ

تكثف خطة الدولة بشأن تغيّر المناخ على مساندتها للزراعة المراعية للمناخ في مختلف سلاسل القيمة الزراعية والغذائية، ومن خلال الإجراءات التدخلية على صعيد السياسات والتكنولوجيا لزيادة الإنتاجية، وتحسين القدرة على الصمود، والحد من انبعاثات غازات الدفيئة. ونساعد الدولة أيضاً القطاع الزراعي على التصدي لمشكلة الفاقد والمهدر من الأغذية وإدارة مخاطر نقص المياه بمشاريع عملاقة لإعادة تدوير المياه والاستفادة من مياه الصرف. فعلى سبيل المثال، قامت الدولة بتدشين مشروع الدلتا الجديدة لإضافة ٢.٥ مليون فدان الرقعة الزراعية، من ناحية اخرى تسعى الدولة إلى إفادة المزارعين من خلال توزيع البذور المحسنة التي تتحمل الجفاف، ورفع كفاءة أنظمة الري، وأساليب الزراعة الحافظة للموارد.

التأثيرات السلبية لاضطراب الأمن الغذائي

يمكن أنْ يكون لانخفاض الأمن الغذائي تأثيراتٌ سلبيةٌ مؤثرة على الفرد والمجتمع، حيث أن اضطرابَ الأمن الغذائي يمكن ان يزيد من وتيرة الوصول إلى مرحلة تجويع الناس، مما يؤثر -سلبًا- على صحتهم وقدرتهم على القيام بالعمل والتعلم، وحينئذٍ تزداد فرص انتشار الأمراض والأوبئة بينهم، بخاصة في المجتمعات التي تعاني نقصًا ملحوظًا في الأمن الغذائي. أيضًا، قد يتسبب نقص الأمن الغذائي في زيادة حدة الصراعات والاضطرابات الإجتماعية  في تلك المجتمعات المتأثرة به، لأنَّ التنافسَ على الموارد الغذائية المحدودة بين أفراد هذه المجتمعات قاسَمٌ مشترَكٌ بين الفقر والحروب.

قواعد تحقيق الأمن الغذائي

تتمحور استراتيجيات تحقيق الأمن الغذائي على عدة قواعد أساسية يمكن تلخيصها فى النقاط التالية:
قاعدة زيادة الإنتاج وإستدامته: العمل على زيادة الإنتاج الزراعيّ وإستدامته، وتحسين كفاءته، ودعم مشروعات الثروة الحيوانية.
قاعدة تنوع مصادر الغذاء: الاهتمام بأنشطة التجارة الدولية الخاصة بالغذاء وأنظمته، وتنويع مصادر استيراده.

قاعدة تنمية وترشيد الموارد المائية: وبكون ذلك عن طريق تحسين إدارة الموارد المائية، وتطوير تقنيات الريّ الحديثة، وتعزيز سبل الزراعة المستدامة.
قاعدة دعم البحث العلميّ: لجعله قادرِ على تطوير سلالات المحاصيل المقاوِمة للأمراض والظروف البيئية القاسية.
قاعدة التوعية والإرشاد: وذلك عن طريق تبصير وتوعية الناس وتثقيفهم حول أهمية تناول أطعمة صحية ومتوازنة غذائيًّا.
في نهاية المطاف يمكننا القول: إنَّ الأمن الغذائي عنصرٌ حاسمٌ في تحقيق أهداف التنمية المستدامة والحفاظ على البيئة ومواردها. وإنَّ توفيَر الطعام للسكان بمعدلات كافيةٍ له التأثيرُ الأشدُّ في ارتفاع مؤشرات النمو الاقتصاديّ، فضلًا عن كونه مساعِدًا على استقرار المجتمعات.

الأستاذ الدكتور فوزى أبودنيا
المدير الأسبق لمعهد بحوث الإنتاج الحيوانى
icon

الأكثر قراءة