الأربعاء، 12 ذو القعدة 1447 ، 29 أبريل 2026

د. رمضان أحمد عرفة يكتب.. التغير المناخي وإعادة رسم خرائط انتشار الأمراض النباتية: سيناريوهات متوقعة

د-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered
د.رمضان أحمد عرفة
أ أ
techno seeds
techno seeds
الكرة الأرضية نظام حيوي  Biological systemيتصل فيه الهواء بالماء واليابسة باستمرار لضبط التوازن الطبيعي. لكن ما يفعله الإنسان، كإطلاق غازات الدفيئة وتدمير الغابات، خرب هذا النظام المتوازن. نتج عن ذلك تحولات مناخية واضحة حيث ارتفعت الحرارة  (شكل 1) وكثرت الأعاصير وموجات الفيضانات القوية.

هذه الأحداث تضع مستقبل الكائنات الحية والنُظم البيئية في موضع خطر. خلال السنوات الماضية، تسارعت التغيرات الجوية؛ ازدادت حرارة الجو، اختلت مواسم المطر، وتكررت فترات الجفاف الطويلة مع سيول غير متوقعة. لا يقتصر الأمر على الزراعة فقط، بل تمتد آثارها إلى الأمراض النباتية، إذ بات بعضها جديدًا، وبعضها تلاشى، بينما توسّع نطاق انتشار البعض الآخر.
 

التغيرات المناخية والسلالات الفطرية

تُقدّر منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) أن الآفات والمسببات المرضية  تؤثر بشكل كبير على الأمن الغذائي العالمي  وتُدمر ما يصل إلى 40% من المحاصيل الغذائية العالمية سنوياً. وتسبب هذه الآفات خسائر تجارية تتجاوز 220 مليار دولارسنويا (FAO, 2021). من الواضح أن الطقس المتذبذب له دور كبير في مدى انتشارالعديد من المسببات المرضية  والأمراض النباتية.

حيث أن الضلع الثالث للمثلث المرضي (الظروف البئية) يؤثر بشكل مباشر على الضلعين الآخرين (العائل والمسبب المرضى). حيث تصبح بعض الأمراض أكثر انتشاراً. في أوقات أخرى، تنقرض سلالات أخرى كانت شائعة. ومن ثم فإن التحوّل في المناخ يؤدى الى اعادة رسم الخريطة المرضية للمسببات المرضية ومن ثم زيادة معدلات الوبائية فى الحقول  والمزارع المختلفة.

من خلال المرور الحقلي المكثف على العديد من المحاصيل خلال مواسم زراعية متتالية في بعض المحافظات، لوحظ وجود تباين واضح في شدة الإصابة ببعض الأمراض النباتية، حيث سُجِّلت حالات وبائية  بمرض البياض الزغبىDowny mildew  واللفحة المتأخرة في الطماطم والبطاطسLate blight     وبعض الفطريات المسببة لمرض اللفحة المبكرة في الطماطم Early blight ومرض اللفحة الجنوبية في الطماطمSouthern blight   في بعض المواسم بالاضافة الى انخفاض معدلات الاصابة فى مواسم أخرى. التغيرات المناخية تؤدى إلى حدوث  طفرات جينية أو إعادة التركيب الوراثي لبعض المسببات المرضية بالاضافة الى الإسراع من عملية الإنتخاب الطبيعي لصالح السلالات الأكثر تكيفًا. وهذا ينتج عنه سلالات أكثر قدرة على العدوى والانتشار وقادرة على كسرصفة المقاومة الوراثية في الأصناف المنزرعة.

وهذا التغير في التركيب الوراثى تم رصده ودراسته على العشيرة المصرية والعشيرة اليابانية للمسبب المرضى Phytophthora infestans  ا الذى يعتبر واحدا من اخطر الكائنات الممرضة التى تهدد زراعات محصولى البطاطس والطماطم عالميا (Arafa et al. 2020).

يلعب المناخ دورًا مهمًا في التأثير على التغير في التركيب الوراثي للمسببات المرضية ، حيث لا يقتصر تأثيره على الانتشار أو الشدة المرضية فقط، بل يمتد ليشمل التغيرات الجينية والتطورية داخل العشائر الفطرية فعلى سبيل المثال من خلال دراستنا على العشيرة المصرية والعشيرة اليابانية للمسبب المرضىPhytophthora infestans  وجد ان هناك جينات شراسة مرضية موجودة في عشيرة وغائبة في العشيرة الاخرى  ويمكن توضيح ذلك من خلال عدة آليات رئيسية وهى:

1- زيادة معدلات الطفرات  Mutation Rates

2- الإنتخاب الطبيعي Natural Selection   

3-إعادة التركيب الوراثيGenetic Recombination  

4-. انتقال الجينات Gene Flow  

5-تطور المقاومة Evolution of Resistance  

6- التغير في التعبير الجيني Gene Expression  

يلعب الانحراف المناخى  دورًا كبيرا في تحفيز التباين في عدد النسخ الجينية(Copy Number Variation (CNV)  من خلال زيادة الضغوط البيئية مثل الحرارة والجفاف، مما يدفع الكائنات الحية الدقيقة إلى التعديل الجينى سواء بالاضافة أو الحذف أو التضاعف لبعض المناطق الوراثية فى جينوم الكائن الممرض  (شكل 2) الامر الذى ينعكس على جينات الشراسة المرضية وكذلك جينات التكيف مما يعزز قدرة الفطريات على البقاء والانتشار تحت الظروف المناخية المتغيرة.

شكل (2): شكل يوضح التباين في عدد النسخ الجينية (Copy Number Variation, CNV) ويُظهر حالات الحذف والاضافة في مقاطع من الحمض النووي وتأثيرها على عدد نسخ الجينات فى عزلتين مختلفين فى النشأة البيئية (Arafa et al. Data unpublished))
بناءً على المعطيات العلمية الحالية والخرائط الوبائية، يمكن استشراف سيناريوهات مستقبلية قاتمة، ولكنها واقعية، لانتشار أمراض النبات تحت وطأة التغير المناخي. هذه السيناريوهات لا تتنبأ بمجرد زيادة في الإصابات، بل بتحولات جذرية في طبيعة التهديدات المرضية وتوزيعها الجغرافي.

إليك أبرز هذه السيناريوهات الجديدة:
السيناريو الأول: "الغزو القطبي" Polar Invasion

والفكرة فى هذا السيناريو أنه يتم انتقال المسببات المرضية النباتية من المناطق الاستوائية والمعتدلة إلى المناطق العليا نحو القطبين (الشمال والجنوب). حيث أن الارتفاع العالمي في درجات الحرارة جعل من المناطق الباردة التي كانت لا تناسب بقاء الفطريات والبكتريا وغيرها من الكائنات الحية الدقيقة بيئات مناسبة لها ولاستيطانها.

ومن هنا يمكن القول بأن الأصناف المختلفة للمحاصيل الحقلية  والبستانية في أوروبا الشمالية وكندا وروسيا وآسيا  وغيرها من الدول ستواجه أمراضاً جديدة لم تطور أي مقاومة وراثية ضدها. 

السيناريو الثاني: "كسر حاجز المقاومة الوراثية" Breaking Host Resistance

 وهنا يمكن القول بأن الإنحراف المناخي والضغوطات الأيكولوجية من الإجهاد الحراري والجفاف والملوحة وغيرها من العوامل تؤدى إلى زيادة معدلات عشيرة المسبب المرضي في البيئة حيث  تزداد سرعة تكاثر وتطور المسببات المرضية سواء عن طريق التكاثر الجنسى أو التكاثر اللاجنسي ، مما يؤدي إلى ظهور سلالات فسيولوجية من الكائن الممرض لديها القدرة على كسر جينات المقاومة التي تم استنباطها والتعرف عليها وتوريثها عبر عقود في برامج التربية.

ومن ثم فإن الأصناف النباتية الحالية تحتاج إلى إعادة تقييم للسلالات الجديدة والتعديل الوراثي للحفاظ على مقاومتها وإدخال جينات جديدة، مما يزيد العبء على برامج التربية والتحسين الوراثي.

السيناريو الثالث: "التآزر المرضي" Pathogen Synergism

وفى هذا السيناريو يحدث تفاقم وتداخل لتأثير العديد من المسببات المرضية النباتية المختلفة في وقت واحد. حيث أن هذا التداخل قد يؤدي إلى ظهور أمراض "مركبة" لم يتم دراستها من قبل فى نفس الوقت. ومن خلال مرورنا المكثف على العديد من الزراعات وجدنا أن مرض اللفحة المبكرة ومرض اللفحة المتأخرة يظهران سويا فى نفس التوقيت بل والأشد من ذلك أنهما يظهران فى نفس الأرض وعلى نفس النبات وهذا يعتبر مخالفا لما تم دراسته قبل  ذلك على هذه الأمراض والتي من المفترض أن تظهر في أوقات مختلفة.

وتكمن المشكلة والخطورة هنا فى صعوبة التشخيص الدقيق للأعراض المرضية الموجودة على النباتات، حيث تصبح التفاعلات بين الممرضات غير متوقعة وتستوجب استراتيجيات مكافحة متعددة الأوجه وبالتالي تكلفة اعلى ووقت أطول في المكافحة ومجهودات اكبر.

السيناريو الرابع: "انتشار الأمراض عبر ناقلات جديدة" Vector Expansion

من الثابت أن إرتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى  زيادة تكاثر الحشرات الناقلة للأمراض  الفيروسية ومن ثم ظهور أجيال جديدة من هذه الحشرات مثل المن والذبابة البيضاء وغيرها الأمر الذى ينعكس على سرعة انتشار ووبائية هذه الأمراض النباتية الخطيرة.

وهذا بدوره يعكس مدى الصعوبة في السيطرة على الأمراض الفيروسية التي تنتشر بسرعة فائقة، مما يستوجب تعزيز استراتيجيات جديدة ومبتكرة لمكافحة هذه النواقل وتطوير أصناف نباتية مقاومة للفيروسات وللناقلات الحشرية.

السيناريو الخامس:  "الجسور الخضراء" المستمرة The Year-Round Green Bridge  

يؤدي اعتدال الشتاء  وغياب الصقيع إلى بقاء النباتات والاعشاب البرية خضراء على مدار العام وبالتالى فان المسببات المرضية تستخدم هذه النباتات كجسور خضراء لتعبر عليها من موسم إلى موسم أخر دون المرور بفترات سكون وبالتالى بقاء هذه الكائنات الحية الدقيقة المرضية نشطة وبالتالى يتراكم كميات هائلة من اللقاح لهذه  العشائر ومن ثم فان النتيجة هي إنفجار وبائي مبكر جداً في الربيع لا تستطيع أنظمة الدفاع النباتية مواجهته.

السيناريو السادس: "السموم الفطرية الخفية  " The Mycotoxin Shift

من الجدير بالذكر أن بعض الفطريات مثل  Aspergillus  Fusarium ,  عند تعرضها للإجهاد الحراري فإنها تفرز سموما   Mycotoxins على درجة عالية من الخطورة وبالتالي فإنه مع تكرار موجات الحر، قد تبدو السنابل أو الثمار سليمة ظاهرياً، لكنها تحتوي بداخلها على نسب من السموم الفطرية والتى تتجاوز الحدود المسموح بها دولياً.

هذا يجعل من مناطق إنتاج الحبوب الكبرى مناطق عالية المخاطر صحياً واقتصادياً ويترتب على هذا رفض الشحنات التصديرية ومن ثم التأثير سلبيا على معدلات النمو الاقتصادى للدول يصحبه انخفاض فى معدلات الدخل القومى.

السيناريو السابع:  "الممرضات الانتهازية " The Rise of Opportunistic Pathogens

الإنحراف المناخي يؤدي إلى ضعف مناعة النبات بشكل كبير، مما يفتح الباب على مصراعية أمام ممرضات كانت تُصنف سابقاً بأنها "ضعيفة" أو "غير اقتصادية ". لتصبح شديدة الخطورة وذلك من خلال إفراز مركبات كربونية وإشارات كيميائية تجذب الفطريات الرمية  Saprophytes  وتجعلها تتحول إلى فطريات طفيلية مهاجمة. وهذا حتما يؤدي إلى ظهور أمراض جديدة تماماً لم تكن مدرجة في كتب أمراض النبات من قبل، مما يسبب حيرة في التشخيص الأولي وفشلاً في برامج المكافحة التقليدية.

استراتيجيات التكيف والمكافحة

تتطلب مواجهة التهديدات الناشئة عن تطور السلالات الفطرية وتغير توزيعها الجغرافي استراتيجية شاملة تدمج بين الحلول البيولوجية، التقنية، والإدارية (شكل 3).

1-  استنباط هجن مقاومة Resistant hybrids  

تُعد حجر الزاوية في المكافحة المستدامة، حيث يتم التركيز على المقاومة الأفقية متعددة الجينات  Horizontal Resistance  بدلاً من الإعتماد على المقاومة الرأسية Vertical resistance التى تعتمد على جين واحد وبالتالي  يتم استنباط أصناف تمتلك حزمة من الجينات الدفاعية التي تصعب مهمة الطفرات الفطرية وجينات الشراسة المرضية. 

2- الإدارة المتكاملة للأمراض   Integrated Disease Management

وهذا نهج يعتمد على تقليل الاعتماد على الكيماويات من خلال  إستخدام الطرق المثلى للمكافحة الحيوية. بالإضافة إلى ذلك يفضل استخدام Fungicide Resistance Action Committee (FRAC) code  لكسر دورة حياة السلالات المقاومة ومنع تراكم جينات المقاومة لديها.

3- تعديل الممارسات الزراعية  Cultural Practices  

عن طريق الزراعة الذكية من خلال ممارسات زراعية مبتكرة من تحسين نظم الري أو تعديل مواعيد الزراعة أو اتباع دورة زراعية  ثلاثية الى التكيف مع الظروف المناخية الجديدة. 

4-  نظم الإنذار المبكر Early Warning Systems 

من خلال استخدام وتحليل بيانات محطات الأرصاد الجوية وخاصة بيانات ال microclimate  إلى التنبؤ باحتمالية تفشي الأمراض قبل ظهور الأعراض بأيام مما يساهم بشكل كبير في مقاومة المرض قبل انتشاره.

5- استخدام التكنولوجيا الحديثة    Advanced Technology

استخدام صور الأقمار الصناعية والاستشعار عن بعدRemote Sensing  والطائرات المسيرة Drones المزودة بكاميرات متعددة الأطياف Multispectral  يسمح بالكشف عن المناطق المصابة  في المساحات الكبيرة قبل أن ترى الأعراض المرضية بالعين المجردة. أيضا الذكاء الاصطناعي Artificial intelligence يلعب دورا محوريا في هذا المجال.

بقلم.  د/ رمضان أحمد عرفة 
أستاذ أمراض النبات المساعد- مركز البحوث الزراعية 
معهد بحوث أمراض النباتات- قسم بحوث أمراض الخضر

اشترك في قناة اجري نيوز على واتساب اشترك في قناة اجري نيوز على جوجل نيوز
icon

الأكثر قراءة