الأربعاء، 24 ذو الحجة 1447 ، 10 يونيو 2026

د. حازم الجعفري يكتب.. ذكاء اصطناعي وإنترنت الأشياء مستقبل الدواجن

WhatsApp Image 2026-06-10 at 10.36.48 AM
د. حازم الجعفري
أ أ
techno seeds
techno seeds
تشهد صناعة الدواجن تحولاً جذرياً ينتقل بها من عباءة التربية التقليدية القائمة على الخبرة البصرية والملاحظة اليدوية، إلى آفاق المزارع الرقمية الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي وتقنيات الحوسبة. وتكتسب هذه الطفرة التكنولوجية أهمية قصوى بالنظر إلى أن قطاع التغذية يمثل الركيزة الأساسية لنجاح هذه الصناعة، حيث تستأثر تكاليف الأعلاف بنحو 60% إلى 70% من إجمالي مصاريف الإنتاج.

وفي ظل التحديات البيئية والاقتصادية المتزايدة، يبرز الذكاء الاصطناعي كأداة مبتكرة لإعادة صياغة إدارة التغذية، ورفع كفاءة التحويل، وتقليل الهدر، بما يضمن صحة الطيور ويدعم منظومة الأمن الغذائي، تماشياً مع هدف التنمية المستدامة الثاني للأمم المتحدة القاضي بالقضاء على الجوع وتحقيق إنتاج غذائي مستدام وفعال.

أولاً: الهندسة الدقيقة لتركيب الأعلاف

تتيح خوارزميات الذكاء الاصطناعي المتقدمة تحليل مكونات الأعلاف بدقة متناهية، لتصميم علائق تلبي الاحتياجات البيولوجية للطيور وفقاً لمرحلتها العمرية بدقة. وتسهم هذه التقنية في التنبؤ المسبق بأثر كل مكون على معدلات النمو وكفاءة التحويل الغذائي، مما يضمن خفض تكلفة الأعلاف بشكل ملحوظ دون المساس بجودة الإنتاج النهائي أو صحة القطيع.

ثانياً: التغذية الرقمية المخصصة (Precision Feeding)

لم يعد التعامل مع القطيع ككتلة واحدة صلبة أمراً مجدياً في الحسابات الاقتصادية الحديثة؛ فالأنظمة الذكية تعمل على تزويد الطيور بالكميات المقننة من العناصر الغذائية بناءً على رصد حي ومباشر للأوزان ومراحل النمو. ويقوم النظام بتعديل برامج التغذية تلقائياً بناءً على بيانات الاستهلاك اليومي، مما يضمن تقليص الهدر وتحسين الكفاءة الاقتصادية والبيئية للمزرعة.

ثالثاً: الاستشراف الرقمي والتنبؤ بالأداء

من خلال تحليل البيانات التاريخية والبيئية المتراكمة، تستطيع النماذج الحوسبية حساب معدلات استهلاك العلف المتوقعة وزيادة الوزن المستهدفة بدقة عاليّة. هذا الكشف الاستباقي يتيح للمربين معرفة أي انحراف أو خلل في الكفاءة الغذائية قبل وقوعه، مما يمنح الإدارة فرصة اتخاذ قرارات دقيقة ومبكرة في إدارة التغذية والموارد المتاحة.

رابعاً: المراقبة السلوكية والرعاية الصحية الذكية

بالاعتماد على كاميرات الرؤية الحاسوبية وأجهزة الاستشعار المتطورة، يتابع النظام سلوك الطيور أثناء التغذية والحركة بشكل مستمر. وتساعد هذه الأدوات في الاكتشاف المبكر لعلامات الإجهاد الحراري أو عوارض المرض قبل ظهور أعراضها الواضحة، مما يتيح التدخل الفوري لتعديل البيئة أو العلف، وبالتالي يحد من الاعتماد على المضادات الحيوية بفضل الوقاية المبكرة.

خامساً: إدارة الموارد المستدامة وتقليل الهدر

يساعد الذكاء الاصطناعي في ضبط وتحديد كميات العلف والمياه والطاقة المطلوبة بدقة متناهية تناسب احتياجات القطيع الفعلية. ومن خلال التنبؤ الدوري باحتياجات الدواجن، يمنع النظام حالات الإفراط أو النقص في تقديم المدخلات، مما ينعكس إيجابياً على استدامة العملية الإنتاجية ويقلل من التأثيرات البيئية السلبية للمزارع الكثيفة.

سادساً: إنترنت الأشياء (IoT).. العصب الحسي للعنابر

إذا كان الذكاء الاصطناعي يمثل العقل المفكر، فإن إنترنت الأشياء هو الجهاز العصبي للمزرعة؛ حيث تعتمد المزارع الرقمية على شبكة من الحساسات والمستشعرات الدقيقة الموزعة في العنابر وصوامع العلف ("السيلو") لترسل بيانات لحظية على مدار الساعة إلى تطبيق مركزي.

تكمن عبقرية هذا النظام في محورين: الإدارة البيئية الذكية التي تقيس الحرارة والرطوبة وغاز الأمونيا وتتحكم في الشفاطات والمبردات تلقائياً، وإدارة التغذية الآلية التي تضمن صرف كميات علف دقيقة في أوقات مجدولة تمنع الهدر البشري والميكانيكي.

سابعاً: تحديات التحول نحو الرقمنة الزراعية

رغم المؤشرات الواعدة، فإن الانتقال الكامل نحو المزارع الذكية يصطدم بعدة عقبات هيكلية؛ أبرزها الارتفاع النسبي لتكلفة تأسيس البنية التكنولوجية، مما يجعلها عسيرة المنال بالنسبة لقطاع المزارع الصغيرة والمتوسطة.

بالإضافة إلى ذلك، تبرز الحاجة الملحّة لتأهيل وتدريب الكوادر البشرية للتعامل مع هذه البرمجيات، فضلاً عن تحدي جودة البيانات، إذ إن نجاح الخوارزميات الذكية مشروط بتوفر مدخلات دقيقة ومكتملة.

ثامناً: توصيات استراتيجية لتعزيز الرقمنة

بناءً على المعطيات العلمية الحديثة، يتطلب رسم مستندات المستقبل لقطاع الدواجن اتخاذ خطوات عملية جادة تشمل: رقمنة السجلات الورقية للمزارع وتطبيق أنظمة إنترنت الأشياء تدريجياً، مع الاهتمام بتدريب المهندسين والمربين على تحليل البيانات الزراعية.

كما يجب دعم البحوث التطبيقية لبناء برمجيات وحلول ذكية محلية الصنع تناسب البيئة المصرية، وتفعيل تقنيات الرؤية الحاسوبية لتكون خط الدفاع الأول في الوقاية الذكية من الأمراض والأوبئة.

د. حازم الجعفري باحث أول تغذية الدواجن – المركز الإقليمي للأغذية والأعلاف بمركز البحوث الزراعية
اشترك في قناة اجري نيوز على واتساب اشترك في قناة اجري نيوز على جوجل نيوز
icon

الأكثر قراءة