لم يعد تحسين التركيز والذاكرة حكرًا
على أساليب التدريب الذهني أو إدارة الوقت، بل أصبح الغذاء عنصرًا حاسمًا في جودة
الأداء المعرفي. فالدماغ يستهلك نسبة كبيرة من طاقة الجسم، ويتأثر سريعًا بتقلبات
سكر الدم، وحالة الترطيب، ونوعية الدهون والمركبات النباتية التي تصل إليه عبر
الدورة الدموية.
أحد أهم مفاتيح الصفاء الذهني هو
استقرار سكر الدم. الوجبات الغنية بالسكريات والنشويات المكررة تحدث ارتفاعًا
سريعًا يتبعه هبوط حاد، وهو ما يترجم إلى تشتت، ونعاس، وصعوبة في التركيز. في
المقابل، الوجبات المتوازنة التي تبدأ بالألياف والخضروات، وتحتوي على بروتين
ودهون صحية، تمنح الدماغ إمدادًا ثابتًا من الطاقة لساعات أطول دون تقلبات مزعجة.
الدهون الصحية، خصوصًا أحماض أوميغا-3
الموجودة في الأسماك الدهنية والمكسرات، تدخل في تركيب أغشية الخلايا العصبية
وتدعم كفاءة الإشارات بينها. نقص هذه الدهون يرتبط بتراجع الانتباه وسرعة الإرهاق
الذهني. كما أن الترطيب الكافي عنصر غالبًا ما يغفل، رغم أن الجفاف الخفيف قد يؤثر
مباشرة في سرعة المعالجة الذهنية والمزاج.
المركبات النباتية الفعالة مثل
البوليفينولات في التوت والكاكاو والشاي الأخضر وزيت الزيتون، تلعب دورًا مضادًا
للإجهاد التأكسدي في الدماغ، وتحسّن تدفق الدم إلى أنسجته، ما ينعكس في أداء معرفي
أفضل على المدى القصير والطويل. هذه المركبات تعمل كحماية يومية للخلايا العصبية
في بيئة مليئة بالضغوط.
اللافت أن توقيت الوجبات يؤثر كذلك في
صفاء الذهن. الأكل المتأخر ليلًا، أو الوجبات الثقيلة قبل النوم، قد ينعكس سلبًا
على جودة النوم، وبالتالي على التركيز في اليوم التالي. كما أن تقليل الوجبات
الخفيفة المتكررة يساعد على تجنب تقلبات الطاقة الذهنية خلال ساعات العمل.
اختيارات بسيطة مثل بدء اليوم بوجبة
غنية بالبروتين والألياف، والاعتماد على وجبات حقيقية غير فائقة المعالجة، وشرب
الماء بانتظام، وتناول حفنة من المكسرات أو بعض التوت بدل الحلويات، يمكن أن تحدث
فارقًا ملحوظًا في القدرة على التركيز وسرعة الإنجاز.
الدماغ ليس منفصلًا عن بقية الجسم؛ ما
يصل إلى المعدة يصل أثره إلى الفكر. وعندما يصبح الغذاء داعمًا لاستقرار الطاقة
وصحة الخلايا العصبية، يتحول التركيز من مجهود مرهق إلى حالة طبيعية مستدامة.
أ.د/ سهير نظمي عبد الرحمن- رئيس بحوث
قسم بحوث تكنولوجيا المحاصيل – معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية





