التحليلات في المقالات السابقة تضع أصابعنا على الجرح التقني الذي أفشل تجارب سابقة. وفى المقالة السابقة تحدثنا عن نموذج من التعاونيات الزراعية لكن في الواقع يجب ألا نغفل في تلك النموذج إن تفتيت الإدارة هو العدو الأول للكفاءة، حتى لو كانت الأرض موحدة في الظاهر.
إذا تركنا لكل فلاح قرار متى يفتح صنبور الري أو نوع البذور في "قطاع" من دائرة يرويها محور واحد، سنواجه كارثة تشغيلية تؤدي لملوحة التربة وهدر المياه وتفاوت الجودة. لذا، دعنا ننتقل إلى نموذج "السيادة الإنتاجية الموحدة" الذي يتجاوز عيوب التفتت، ويحل معضلة "الفلاح" دون العودة للدائرة المفرغة.
من المهم أن نعى بان الجيل الثالث من التعاونيات الزراعية يمثل تحولاً نحو كيانات اقتصادية قوية قادرة على المنافسة، تتجاوز تقديم الخدمات التقليدية (كالأسمدة) إلى الاستثمار في التصنيع الزراعي، التسويق الدولي، والتكنولوجيا الرقمية.
تهدف هذه التعاونيات إلى تعظيم القيمة المضافة لمنتجات صغار الفلاحين، رفع كفاءة الإنتاج، وتحسين المستوى المعيشي عبر آليات استثمارية حديثة.
من أبرز خصائص ومميزات الجيل الثالث من التعاونيات الزراعية، حالة التحول الاقتصادي والاستثماري فلا تكتفي التعاونيات الزراعية بالخدمات كما كان بالماضي، بل تتوجه الى أن تنشئ شركات استثمارية وتساهم في مشروعات تنموية لزيادة أرباح الأعضاء.
ويعلو الأمر للوصول الى الاهتمام بالتصنيع والتسويق حيث يتم التركيز على القيمة المضافة من خلال تصنيع المنتجات الزراعية وتغليفها، وإدارة عمليات التسويق محلياً وعالمياً. بالإضافة الى الاهتمام بالتكنولوجيا والابتكار حيث تستخدم الميكنة الزراعية الحديثة والتقنيات الذكية لرفع كفاءة الإنتاج وتقليل الهدر.
ويسير مع ذلك التوجه جنبا الى جنب الحوكمة والإدارة حيث تهدف إلى تحسين إدارة الجمعيات التي تعمل بالنظم التكاملية في العمل الزراعي في ظل مفهوم حديث للإدارة الاستثمارية عوضا عن الإدارة الخدمية القديمة.
وفى هذا الإطار نقترح عمل جمعيات زراعية تكاملية بين عدة أنشطة زراعية ذات أهداف محددة وأداء معين واستدامة يعمل فيها الأفراد في الأنشطة المختلفة التي تخدم وتتكامل مع بعضها البعض في إطار حوكمة إدارية خاصة ومحددة بالشكل الذي يخدم هدف المشروع الإنتاجي.
نموذج التعاونية المتكاملة "المساهمة الإنتاجية" (The Equity-Share Model)
يتم إنشاء تعاونية زراعية استثمارية متكاملة على مساحة من الأرض وليكن قوامها 1000 فدان أو تزيد طبقا للتخطيط والخطط الموضوعة والمستهدفة للإنتاج من أنشطة زراعية مختلفة تتكامل معا. بدلاً من تقسيم الأرض (تفتيت الحيازة)، نقوم هنا بتقسيم الأسهم والأرباح (توحيد الإدارة).
1. توحيد الإدارة (واحد للمحور بالكامل)
بالنسبة للإدارة الفنية، تظل مساحة الأرض (الدائرة الواحدة) تدار كوحدة بيولوجية وهندسية واحدة بواسطة إدارة متخصصة من المنتفعين. أما بخصوص القرار الزراعي فلا يملك الفرد قرار الري أو التسميد؛ بل يتم ذلك آلياً وبشكل مركزي لضمان أعلى كفاءة (Precision Farming).
2. تحويل الفلاح إلى "شريك مساهم" (Shareholder)
بديل التمليك للأرض وعوضا عن إعطاء الفلاح 5 أفدنة "يُسّورها" ويدمر ميكنتها، يُمنح "صك ملكية إنتاجية" يعادل عائد 5 أفدنة في هذا المشروع ويعمل ضمن فريق العمل بالمشروع في نشاط محدد ضمن أنشطة المشروع المختلفة والمتكاملة تحت إدارة متكاملة ويكون هناك حوافز لكفاءة الأداء والإنتاج. أما بالنسبة للعمل الميداني فان شباب المزارعين لا يزرعون كأجراء، بل هم "المشغلون التقنيون" والرقباء على جودة التنفيذ في الدائرة التي يملكون أسهماً فيها.
3. هيكل الربحية والعدالة
يتطلب هذا النموذج إطارا هيكليا لتوزيع الأرباح والعدالة في توزيع العوائد، حيث يتم خصم تكاليف التشغيل (طاقة، بذور، ميكنة) من إجمالي إنتاج الدائرة. يُوزع صافي الربح على المساهمين (الفلاحين) بناءً على عدد الصكوك.وبالتالي تكون الميزة هنا إن الفلاح هنا مستفيد من "اقتصاديات الحجم الكبير" (Economy of Scale)؛ فهو يربح من إنتاجية المساحة المدارة تكنولوجياً، وهو ربح يفوق بمراحل ما كان سيحققه لو زرع 5 أفدنة بمفرده وبأدواته البدائية.
لماذا هذا النموذج أقوى وأكثر منطقية؟
يعمل هذا النموذج على منع التعدي على الأرض فتظل "أصولاً مفتوحة" لا يمكن البناء عليها أو تقسيمها جغرافياً لأن الملكية "قانونية/مالية" وليست "حدودية". بجانب استمرارية الكفاءة، حيث تظل الميكنة الثقيلة والطيران الزراعي يعملان بحرية في مساحات شاسعة دون عوائق (أسوار أو قنوات ري فرعية).
بالإضافة الى ذلك الحماية من المخاطر، حيث لا يتحمل الفلاح مخاطر فشل "قطعته" الصغيرة؛ بل هو محمي ضمن منظومة إنتاج كبرى تدار باحترافية. بالعودة الى النموذج الناصري كان له أثار سلبية كان من نتيجتها أن فتت الأرض وفتت الإدارة (فشل تقني).
أما نموذج "مستقبل مصر" الحالي فانه وحد الأرض ووحد الإدارة واستبعد المجتمع (تحدي اجتماعي). بينما في النموذج المقترح (المساهمة) توحد الأرض وتوحد الإدارة ويُشرك المجتمع مالياً وتقنياً (حل مستدام).
ا. د. فوزي محمد أبودنيا
مدير معهد بحوث الإنتاج الحيواني سابقا



