الإثنين، 21 شعبان 1447 ، 09 فبراير 2026

د. فوزي محمد أبودنيا يكتب.. البيوجاز والسماد العضوي ضمن الأعمدة الإقتصادية للجيل الثالث من التعاونيات

د-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered
د. فوزي محمد أبودنيا
أ أ
techno seeds
techno seeds
في وقتٍ يواجه فيه القطاع الزراعي تحديات جسيمة، بدءاً من شح المياه وصولاً إلى الارتفاع المطرد في تكاليف الطاقة التي باتت تلتهم ما بين 25% إلى 30% من ميزانية التشغيل، لم يعد البحث عن بدائل "ترفاً بيئياً"، بل أصبح "شرط بقاء".

ومن هنا، تبرز وحدة "البيوجاز المتكاملة" ليس كنشاط تكميلي، بل كمكون إستراتيجي وإلزامي في نموذج التعاونيات الزراعية الاستثمارية (كما نقترح في نموذج الجيل الثالث)، لتحقق الاستقلال الطاقي والتدوير المواردي الكامل.

تحقيق ثلاثية الأهداف من طاقة وسماد بجانب الاستدامة


هنا تعتمد الرؤية الفنية التي نطرحها على تحويل التحديات الثلاثة للزراعة المصرية (المتبقيات، الطاقة، والتسميد) إلى حلقة إنتاجية مغلقة. فالوحدة المقترحة تستهدف تغطية 70% إلى 85% من احتياجات التعاونية من الكهرباء والحرارة، مع تدوير 100% من المتبقيات الحيوانية و40% من المتبقيات الزراعية. كما انها يمكن ان تغطى احتياجات مستعمرة التعاونية الاسكانية بغاز البيوجاز اللازم للطهو والتسخين والتدفئة. على سبيل المثال للإيضاح فقط وليس على سبيل دراسة الجدوى الشاملة، فانه بناءً على التحليل الفني لتعاونية بمساحة 1000 فدان على سبيل المثال، نجد أن المدخلات اليومية المتاحة ستكون ضخمة، حيث تورد حظائر الماشية والدواجن تقريبا نحو 17,4 م3 يومياً من الروث والفضلات، يضاف إليها متوسط يومى يقدر بـ 2,3 طن من بقايا المحاصيل مثل نواتج التقليم للأشجار البستانية (الفاكهة) وسيقان وعروش المحاصيل بالإضافة الى مخلفات التصنيع الزراعي بعد فرمها وتجهيزها..الخ، والتي أثبتت التجارب أن استخدامها في المخمرات ترفع إنتاج الميثان بنسبة 25%. خاصة اذا اتبعت الاجراءت السليمة للتخمر فى المخمر والتى يمكن التحدث عنها لاحقا.

الهندسة الحيوية لمخمرات إنتاج الطاقة


فى هذا الصدد نتحدث عن مقترح التصميم الهجين والذي يعتمد على "مخمرات هضم لاهوائية" بسعة إجمالية تصل إلى 800 متر مكعب، تعمل بنظام "الغطاء العائم" الأنسب للبيئة المصرية، أو غيره من النظم التي يمكن الاستعانة بها من الدول التى سبقتنا فى هذا الشان، وذلك في إطار الدراسات الفنية ودراسات الجدوى التى يمكن تنفيذها اذا ما توجهت إدارة الدولة المصرية لهذا الشأن.

من خلال حسابات دقيقة لزمن الاحتجاز الهيدروليكي (35 يوماً)، نضمن إنتاج 714 م3 من الغاز الخام يومياً، يصفى ليصل إلى 443 متراً مكعباً من الميثان النقي.

هذه الكمية تترجم عبر وحدات التوليد المزدوج (CHP) إلى 947 كيلووات/ساعة يومياً من الكهرباء. وإذا علمنا أن استهلاك التعاونية (ري، إضاءة، تبريد) يبلغ نحو 750 كيلووات، فإننا نتحدث عن فائض يومي يقدر بـ 197 كيلووات جاهز للبيع للشبكة القومية، بالإضافة إلى استعادة حرارة عادم المحركات لتسخين المفاعلات ووحدات الألبان، مما يوفر طاقة حرارية مهدرة كانت ستكلف مبالغ طائلة.

وبالتالي نصل هنا الى صفر مخلفات واستفادة اعلى ما يمكن من الطاقة والأسمدة. وبغض النظر عن إمكانية ان تقوم هذه الوحدات بالاكتفاء الذاتى الكامل من الغاز والطاقة والسماد، فإن أى نسبة يتم تغطيتها بشكل اقتصادى فهى مكسب حقيقى متعدد الأوجه.

تحقيق اقتصاديات الذهب الأخضر


كل المشاريع والتطبيقات الفنية التي تنفذ يجب أن تخضع للتقييم الاقتصادي حيث تعتبر لغة الأرقام هي الأصدق في تقييم الجدوى، فالمشروع لا يبيع غازاً وكهرباء فحسب، بل ينتج "السماد العضوي السائل والصلب" (Bio-slurry) الذي يمكن أن تصل قيمته السوقية السنوية لما يقدر من الناحية السوقية بنحو 1.5 مليون جنيه طبقا للمخرجات التي تستكمل لإنتاج سماد عضوي عالي القيمة السمادية.

وهنا يجب أن نتوقف قليلا للنظر إلى إجمالي العوائد السنوية التي يمكن أن تصل لـ 2.26 مليون جنيه طبقا لحسابات أسعار السوق في أوائل عام 2026، مقابل تكاليف تشغيلية تقدر بـ 560 ألف جنيه، وبالتالي فإن صافي الربح السنوي البالغ 1.7 مليون جنيه يجعل فترة استرداد رأس المال المستثمر (6.6 مليون جنيه) لا تتجاوز 3.9 سنة، وهو معدل استثماري جذاب للغاية ROI بنسبة 25.8% على أقل تقدير.

واحب ان اشير الى ان هذه التقديرات المبدئية هى إلقاء ضوء لكنها فى الدراسات الحقيقية تحتاج لتدقيق أكثر بالطبع. وحتى أن قل العائد عن ذلك فان هناك عوائد غير مرأية كثيرة منها تحسن التربة من حيث خصائصها بالإضافة الى خفض الاعتماد على التسميد الكيماوي وبالتالي تقليل تكاليف الإنتاج مما يخفض من أسعار المنتجات وهذا بدوره يعود على المستهلك بشكل أفضل.

ليس هذا وحسب أن العمل على خفض تكاليف عناصر الإنتاج يجعل المنتج الزراعي المصري ينافس عالميا من حيث الأسعار والجودة مما يجعله منافس قوى ويقلل من مخاطر عدم تصريف المنتجات دوليا مما يعود على فاتورة التصدير بالإيجاب وخفض المخاطر التصديرية.

وهنا لابد أن نتوقف قليلا لنقول انه لتحقيق هذا النموذج الزراعي البيئي الاقتصادي الاجتماعي، يجب أن يشمل تدوير كل المخلفات الزراعية ويصبح الناتج منها صفر مخلفات.

بالإضافة الى ذلك في تشغيل مخمرات إنتاج الميثان كطاقة فإننا نوصي بدمج "الطبقة الرقمية" عبر مستشعرات لحظية لمراقبة ضغط الغاز ودرجة الحموضة (pH)، مع ربط الوحدة بمنصة إدارة التعاونية لاتخاذ قرارات تلقائية.

كما يجب استغلال الحرارة المستعادة في تجفيف الأعلاف البديلة غير التقليدية التي سوف نشير إليها في حينها وكيفية التعامل معها بشكل صحيح، مما يرفع من القيمة المضافة للمنتجات الزراعية. في الواقع إن البيوجاز في التعاونيات الحديثة ليس مجرد "وحدة معالجة"، بل هو "محطة توليد قيمة".

إنه السبيل لتحويل "متبقيات الحقل والتصنيع الزراعي" إلى وقود، بالإضافة الى "روث الماشية" كسلعة، وهو ما يؤهل مزارعنا للحصول على "التمويل الأخضر" الدولي بفضل خفض الانبعاثات الكربونية بمقدار يربو إلى 1850 طناً سنوياً كمعادل ثاني أكسيد الكربون. وبالتالي فان مقترح الإصلاح الزراعي الذي نراه هو دعوة لتطبيق العلم في خدمة الأرض والبيئة، كذلك ضمان استدامة لا تهزها تقلبات أسعار الوقود العالمية.

أ.د. فوزي محمد أبودنيا
مدير معهد بحوث الإنتاج الحيواني سابقاً
اشترك في قناة اجري نيوز على واتساب اشترك في قناة اجري نيوز على جوجل نيوز
icon

الأكثر قراءة