أ
أ
منذ العصور القديمة، أدركت الحضارات المتلاحقة الفوائد الصحية والتغذوية للألبان، لكن العلم الحديث بدأ للتو في كشف الأسرار الجزيئية الكامنة وراء هذه الفوائد الصحية وأن هناك فوائد مدهشة للعقل تظهر مدي عظمة الخالق سبحانه وتعالي في خلق هذا السائل الفريد.
وفي هذا المقال الموجز سوف نبحر سوياَ في هذا العلم الكبير لنتعرف علي بعض من هذه الفوائد مع تبسيطها لتعم الفائدة إن شاء الله.
إستهلاك منتجات الألبان و سر طول العمر
في أوائل القرن العشرين، طرح العالم الروسي الكبير "إيلي ميتشنيكوف"، الحائز على جائزة نوبل سنة 1908، نظرية رائدة ربطت ما بين طول العمر الملحوظ لسكان منطقة البلقان وبين استهلاكهم للألبان المتخمرة. فقد إعتقد ميتشنيكوف أن بكتيريا "اللاكتوباسيلوس" تعمل كدرع يطرد البكتيريا الضارة ويؤخر الشيخوخة. في الوقت الحالي، يعيد العلم الحديث صياغة هذه الرؤية؛ فالألبان ليست مجرد طعام، بل هي "برمجيات حيوية" (Bio-software) معقدة، تقوم بتحديث نظامنا الأيضي وتوجيه أحد أهم مراكز التحكم في أجسادنا والمعروف بـ "الميكروبيوم المعوي". فهل نحن عند تناول الألبان نقوم بإستهلاك مغذيات مجردة، أم أننا نقوم برفع كفاءة "أكوادنا" الجينية عبر كوب من اللبن؟
الألبان "مصفوفة حيوية" معقدة
لقد تجاوزت الدراسات الحديثة المفهوم التقليدي للألبان، وأنها ليست مجرد مغذيات طبيعية، أو مصدر غني بالبروتين، ليتم تصنيفها اليوم كـ "أغذية وظيفية (Functional Foods). هذه المصفوفة تحتوي على سكريات لبن البقر (BMOs)، مثل 3’-sialyllactose و 6’-sialyllactose، وهي كربوهيدرات لا يستطيع جهازنا الهضمي أن يهضمها ، بل صُممت لتكون "مستقبلات مخادعة " (Decoy Receptors) ؛ فهي تلتصق بمسببات الأمراض لتمنعها من استعمار جدار الأمعاء، علاوة علي أنها تقوم بشكل انتقائي ببرمجة نمو بكتيريا البروبيوتك النافعة في القولون مثل سلالة الـبيفيدوباكتيريوم Bifidobacterium .كما أن اللاكتوفيرين (Lactoferrin)، وهو بروتين حيوي في اللبن، ويصنف كأحد بروتينات شرش اللبن، يعمل كمنظم دقيق للمناعة؛ حيث يعزز نشاط الخلايا القاتلة الطبيعية (NK cells) ويضبط استجابة الخلايا التائية T.cells، محققاً التوازن الجوهري في البيئة المخاطية للأمعاء."
"رسائل مشفرة" في كوب اللبن: معجزة الإكسوزومات و miRNAs
يحتوي اللبن على "نصوص تنظيمية" مذهلة تسمى جزيئات (microRNAs)، وهي محمية داخل حويصلات نانوية تُعرف بـ "الإكسوزومات". حيث تعمل هذه الحويصلات كدروع حماية، تحمي هذه المعلومات الوراثية من "الفقد" أو "الهضم" داخل المعدة، لتصل إلى الدورة الدموية وتؤثر على تعبيرنا الجيني.وتشير البيانات إلى أن جزيئات مثل (miR-26a) يمكنها تحسين حساسية الجسم للإنسولين أو تقليل مقاومة الجسم للأنسولين وبالتالي تحمي من الإصابة بمرض السكر من النوع الثاني. وكذلك تقوم بتنظيم تمثيل الدهون داخل الجسم.
ومع ذلك، فإن هذه البرمجيات حساسة للغاية؛ فبينما تحافظ "البسترة على سلامتها، يؤدي التعقيم علي درجات الحرارة الفائقة (UHT) إلى تدمير هذه الرسائل المشفرة. ورغم جاذبية هذا الاكتشاف، يظل العلم حذراً؛ إذ لا تزال البيانات المكتشفة حول كمية هذه الجزيئات والتي تصل فعلياً للدورة الدموية غير محددة وتتطلب مزيداً من الدراسات التأكيدية.
مفارقة اللاكتوز: لماذا قد يكون التوقف عن تناول الألبان خطأً؟
أحد الإعتبارات التي يقوم عليها تصنيف منتجات الألبان كأغذية وظيفية هو إحتوائها على مكونات حيوية قادرة على تعديل تركيبة الميكروبات المعوية (الميكروبيوم). وقد أظهرت دراسات متعددة أن اللبن ومشتقاته المخمرة تعزز نمو بكتيريا البيفيدوباكتيريوم واللاكتوباسيلوس وهي بكتيريا متعايشة مرتبطة بالاستجابات المضادة للالتهابات، والحفاظ على سلامة الجهاز الهضمي، وزيادة إنتاج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة.
أيضا من الأمثلة الموثقة علميا هو تخمير اللاكتولوز، وهو أحد متماثلات اللاكتوز، في القولون بواسطة بكتيريا البيفيدوباكتيريوم واللاكتوباسيلوس، مما يؤدي إلى تخليق الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، والتي تغير من درجة حموضة البيئة المعوية، وتثبيط البكتيريا الممرضة، وكذلك تحافظ على سلامة الغشاء المخاطي المبطن للأمعاء.
وتدعم هذه التأثيرات مجتمعة معاً الدور المزدوج للاكتولوز كعامل حيوي ومركب ذو إمكانات مضادة للأورام. من المثير للاهتمام، أن الأفراد الذين يعانون من عدم تحمل اللاكتوز، قد يُحسّن الاستهلاك المعتدل لمنتجات الألبان، مثل إستهلاك الألبان المتخمرة بدلا من اللبن السائل، من الأعراض المرضية في الجهاز الهضمي عن طريق تعزيز نمو بكتيريا حمض اللاكتيك القادرة على تمثيل اللاكتوز المتبقي.
لذلك يعتبر الانقطاع التام عن تناول الألبان بسبب عدم تحمل اللاكتوز "خطأً برمجياً" قد يحرم الميكروبيوم من قدرته على التكيف وحماية الجسم. وتعد الألبان المتخمرة مثل الزبادي منتجاَ مناسباَ للأفراد الذين يعانون من عدم تحمل اللاكتوز. فهي تحتوي على بكتيريا حية تقوم بـ "الهضم المسبق" للاكتوز، مما يحول الانزعاج الهضمي إلى وقود يدعم سلامة جدار الأمعاء ويعيد برمجة استجابة الجسم للسكر.
كما أشارت بعض الدراسات الحديثة إلي تأثير الميكروبيوم المعوي علي الإستجابة المناعية لدي الفراد الذين يعانون من "حساسية بروتين لبن الأبقار"، مما يقلل من الأعراض الجانبية ويسرع من معدلات التعافي.
محور "الميكروبيوم المعوي – القلب" وتفاعله مع صحة القلب والأوعية الدموية
لطالما نُظر إلى الجهازين الهضمي والقلبي الوعائي كنظامين مستقلين، إلا أن العلماء الآن يذكرون أنهما مترابطان وظيفيًا عبر شبكة معقدة من المسارات الأيضية والمناعية والعصبية الهورمونية. وتدعم هذه النظرية العديد من الأدلة المستمدة من الدراسات التجريبية والإكلينيكية ، والتي تذكر أن التغيرات في تركيبية الميكروبات المعوية (الميكروبيوم) تؤثر بشكل كبير على صحة القلب والأوعية الدموية. وبالتالي فإن دور اللبن ومنتجات الألبان في تحقيق التوازن والنشاط للميكروبيوم المعوي يؤثر بصورة إيجابية غير مباشرة علي صحة وسلامة القلب والأوعية الدموية.
كما أن للألبان المتخمرة والأجبان المسواة تأثيرات مباشرة علي الجهاز الدوري، والسر يكمن فيما يعرف بـ "الببتيدات النشطة حيوياً" مثل (VPP) و (IPP)، التي تعمل كمثبطات طبيعية لإنزيم الأنجيوتنسين (ACE) وهذا الإنزيم هو المسئول عن حدوث ضيق في الأوعية الدموية، وبالتالي فإن تثبيط هذا الإنزيم يساهم في خفض ضغط الدم. وبناءً على بيانات بعض الدراسات العلمية فقد ارتبط استهلاك الألبان بانخفاض خطر الإصابة بضغط الدم بنسبة تصل إلى 20%.
كما يتحدى العلم الحديث خرافة علاقة دهن اللبن بالأمراض القلبية والسكتات الدماغية. بل إن العديد من الدراسات الميدانية والتحليلية المتخصصة أثبتت أن لدهن اللبن دورا حيويا في المحافظة علي صحة القلب والوقاية من السكتات القلبية والدماغية.
الأداء الرياضي: الوقود السري للميكروبيوم النشط
يؤثر النشاط البدني وتعديل نمط الحياة في تفاعلات الميكروبيوم المعوي لدى مستهلكي منتجات الألبان، حيث تؤكد الأدلة الحديثة على وجود علاقة ثنائية الاتجاه بين النشاط البدني وتكوين الميكروبات المعوية. حيث تلعب عوامل نمط الحياة دورًا محوريًا في تشكيل تنوع الميكروبات ووظائفها. فقد ثبت أن التمارين الرياضية متوسطة الشدة تعزز ثراء الميكروبات وتزيد من وفرة البكتيريا المنتجة للأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، مثل بكتيريا Faecalibacterium وRoseburia، مما يساهم في تحسين سلامة حاجز الأمعاء وتنشيط الجهاز المناعي.
على النقيض من ذلك، قد يؤدي التدريب المفرط أو عالي الشدة إلى اختلال التوازن الميكروبي في الأمعاء وزيادة نفاذية الأمعاء، مما قد يؤدي إلى التهاب متعددة.
وقد استكشفت دراسات حديثة وجود تأثير إيجابي لمنتجات الألبان المتخمرة على الأداء الرياضي وسرعة التعافي. فقد بحثت تجربة عشوائية في تأثيرات اللبن المتخمر على ميتابوليزم الجلوكوز وآلام العضلات لدى مجموعة من الشباب الأصحاء بعد تمارين المقاومة.
وقد أظهر المشاركون الذين تناولوا اللبن المتخمر قبل وبعد التدريب تحسنًا في تمثيل الجلوكوز، وانخفاضًا في آلام العضلات، بالإضافة إلي زيادة في القدرة المضادة للأكسدة مقارنةً بأولئك الأشخاص الذين يتناولون الأدوية الوهمية. كما لوحظ أن الألبان المتخمرة المحتوية علي سلالات من البروبيوتيك تُحسّن من الأداء الرياضي من خلال تعديل الاستجابة المناعية، وتقليل أعراض الجهاز الهضمي، وتعزيز التوافر الحيوي للعناصر الغذائية أثناء التمارين القوية. حيث تشير هذه النتائج إلى أن منتجات الألبان المتخمرة قد تدعم كلاً من المرونة الأيضية والتعافي البدني لدى الرياضيين.
وفي السياق نفسه، كشفت دراسة تحليلية لبيانات الميتاجينوم لبعض الرياضيين والأفراد الخاملين، أن الرياضيين يميلون إلى امتلاك ميكروبات معوية قادرة على إنتاج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، ومركبات مفيدة مثل فيتامين ب12 وبعض الأحماض الأمينية. وهذا يدعم فكرة أن النظام الغذائي المتوازن، بما في ذلك الألبان المتخمرة الغنية بالبروبيوتيك، يمكن أن يشكل ميكروبيومًا محسناَ للأداء البدني.
وقد يحصل الأفراد النشطون بدنيًا الذين يتناولون منتجات الألبان المتخمرة، سواء من خلال النظام الغذائي أو من خلال مكملات البريبيوتيك/البروبيوتيك، على فوائد صحية متعددة عبر تعديل الميكروبات المعوية.
وختامًا، فإن الربط بين علم التغذية التقليدي وأبحاث الميكروبيوم يوفر إطارًا أكثر دقة لفهم التأثيرات الصحية لمنتجات الألبان. وسيكون مواصلة استكشاف التفاعلات بين النظام الغذائي والميكروبات المعوية والجسم المضيف أمرًا ضروريًا من أجل تحسين الإرشادات الغذائية، وفهم أفضل للمساهمات المحتملة لمنتجات الألبان المتخمرة في تحسين صحة القلب والأوعية الدموية، والتمثيل الغذائي ودعم المناعة، لا سيما عند دمجها مع النشاط البدني بإشراف أخصائي علوم رياضية.
وجدير بالذكر أن هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث، وخاصة الدراسات السريرية البشرية ودراسات علم الجينوم المتعدد، لتأكيد هذه التأثيرات أو فهم المزيد عنها. فهل يمكن أن يصبح تحليل الميكروبيوم عبر تقنيات التسلسل الجيني هو المرجع الأول قبل اختيار نوع الجبن أو الزبادي في وجبتك القادمة؟، فالعلم الحديث يؤكد أن كوب اللبن لم يعد مجرد غذاء، بل هو مفتاح لبرمجة صحة المستقبل.
د. محمود إبراهيم السيد
قسم بحوث تكنولوجيا الألبان- معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية- مركزالبحوث الزراعية





