في كل عام، ومع حلول شهر رمضان المبارك، يدخل أكثر من ملياري مسلم حول العالم في تجربة روحية وصحية فريدة، حيث يمتنع المسلمون الصائمون عن الطعام والشراب لفترة زمنية طويلة، والتي تمتد من طلوع الفجر حتى غروب الشمس.
وبالرغم مما يحققه الصيام من فوائد صحية للجسم والتي تم إثباتها بالدراسات العلمية المتخصصة، إلا أن العادات الغذائية غير المتوازنة التي تنتشر خلال هذا الشهرالفضيل قد تُحوِّل هذه الفوائد الفريدة إلى عبء صحي كبير، خاصة مع الإفراط في تناول السكريات والدهون وإهمال العناصر الغذائية الأساسية مثل البروتينات والفيتامينات والمعادن وغيرها.
وقد يؤدي هذا النظام الغذائي غير الصحي وغير المتوازن إلي زيادة خطر الإصابة بالعديد من الأمراض مثل مرض السكر من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، وهشاشة العظام، والسمنة، وغيرها.
ولذلك، فإنه من الضروري جدًا إتباع نظام غذائي متوازن خلال شهر رمضان، والذي يعتمد بصورة أساسية علي الأغذية الصحية المتوازنة مثل منتجات الألبان، لما لها من فوائد صحية وتغذوية عديدة، والتي سوف نستعرضها بشيئ من التفصيل فيما يلي:
1- القيمة الغذائية العالية للبن ومنتجاته:
نظرا لقيمة اللبن التغذوية والصحية العالية، فإنه يعد من أعظم نعم الله علي الناس، ولذلك ورد ذكره في القرآن الكريم في سورة النحل، قال الله عز وجل" وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ (66)". واللبن سائل متميز في خصائصه وصفاته، بل ويعتبر من أكثر الأغذية توازناً علي الإطلاق، ولكن ينقصه عنصر الحديد والذي يعتبر اللبن من الأغذية الفقيرة في محتواه منه ، وهذا ما دفع الكثير من العلماء إلي وصفه " بالغذاء شبه الكامل".
ويمثل اللبن ومنتجاته المتخمرة خيارًا غذائيًا مثاليًا للصائمين، لما يحتويانه من البروتينات عالية الجودة (والتي تحتوي علي الأحماض الأمينية الأساسية المهمة للجسم)، والدهون، والسكريات، إلى جانب مجموعة متنوعة من الفيتامينات (مثل فيتامينات A, D, E, K, B12 وغيرها)، والمعادن (مثل الكالسيوم، والفوسفور، والزنك) الضرورية لصحة العظام والعضلات والجهاز العصبي للإنسان.
كما يساعد تناول اللبن بعد الإفطار في تقليل الشعور بالإجهاد وتعويض السوائل المفقودة خلال النهار.
2- دعم الجهاز الهضمي وصحة الأمعاء:
يزداد إستهلاك الألبان المتخمرة وخاصة الزبادي في بلاد المسلمين خلال شهر رمضان المبارك لما يمتاز به من فوائد تغذوية عالية مثل إحتوائه علي البروتين والدهن والكالسيوم ونسبة من الكربوهيدرات المتبقية بعد عملية التخمر والتي يتحول فيها معظم سكر اللاكتوز إلي حامض لاكتيك بفعل بكتيريا البادئ (بكتيريا حمض اللاكتيك). ولا تقتصر أهمية الألبان المتخمرة علي فوائدها التغذوية العالية فقط، بل أنها تمتلك أيضاً خصائص وظيفية وصحية مذهلة، والتي ترتبط بوجود أنواع من البكتريا الداعمة للحيوية والتي تسمي بروبيوتك Probiotic.
هذه السلالات البكتيرية النافعة الموجودة في الزبادي أو اللبن الرائب تساعد في عملية الهضم وكذلك الحفاظ علي الجهاز الهضمي للإنسان. حيث تقوم البروبيوتك بمنع بعض السلالات البكتيرية الممرضة التي قد تتواجد في الأمعاء الغليظة من تكوين سموم ضارة أو مواد مسرطنة وخاصة في الأشخاص الذين يدمنون تناول الأطعمة الغنية بالدهون المشبعة مثل الأغذية السريعة وغيرها، كما تساعد علي التخلص من هذه البكتيريا الممرضة وطردها خارج الجسم.
وقد ذكرت العديد من الدراسات المتخصصة أن الألبان المتخمرة تلعب دورًا كبيرًا في الوقاية من الأمراض المعوية المعدية والخطيرة، مثل التهاب الأمعاء. كما تمتلك البروبيوتك العديد من التأثيرات الصحية القوية مثل الوقاية من سرطان القولون، والمساعدة علي خفض مستوي الكوليسترول في الدم، والحماية من الإسهال.
كما تساعد علي الوقاية من حدوث الإمساك، والذي ينتشر بكثرة خلال الصيام بسبب عدم تناول السوائل لفترة طويلة، فتعمل البروبيوتك علي زيادة إفرازمادة الميوسين(Mucin) في الأمعاء مما يسهل حركة الغذاء المهضوم والفضلات المتبقية في القناة الهضمة وطردها خارج الجسم.
بالإضافة إلي ذلك، فإن بعض سلالات البروبيوتك تساعد علي إنتاج بعض العناصر الغذائية الهامة داخل القناة الهضمية للإنسان مثل بعض الفيتامينات والأحماض الدهنية قصيرة السلسلة وغيرها.
وتقوم البروبيوتك بدور حيوي في تنشيط الجهاز المناعي، وتحسين إمتصاصية العناصرالمعدنية الهامة، والحفاظ علي التوازن الميكروبي في القناة الهضمية. كما تقلل من حدوث الأعراض الجانبية لظاهرة عدم تحمل اللاكتوز لكون البكتريا تستهلك اللاكتوز لإنتاج حامض اللاكتيك.
3- طاقة مستمرة دون إجهاد:
يحتوي اللبن علي نسبة جيدة من الكربوهيدرات ( حوالي 4-4.5 % سكرلاكتوز) والتي تساعد علي توفير الطاقة اللازمة للجسم خلال فترة الصيام وبالتالي تمكنه من أداء أنشطته اليومية بسهولة ويسر، بالإضافة إلي حصول الجسم علي الكثيرمن الفوائد الصحية الأخري.ولكن ينصح الأشخاص الذين يعانون من ظاهرة "عدم تحمل اللاكتوز" إلي تناول الألبان المتخمرة أو ألبان الخالية من اللاكتوز لتفادي أي أضرار محتملة.
4- عامل ترطيب قوي خلال الصيام:
يعتبر ترطيب الجسم Hydration من العوامل الحيوية الهامة والمرغوبة خلال الصيام. ويعتبر اللبن من أفضل المشروبات المرطبة للجسم والتي تحميه من التعرض للجفاف وتحافظ علي حيويته، حيث يجمع في تركيبه ما بين الإلكتروليتات (مثل الصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم والماغنيسيوم) والماء والكربوهيدرات بالإضافة إلي البروتينات والفيتامينات. وهذا المزيج المنعش يجعله مشروبًا يُساعد على ترطيب الجسم لفترة طويلة.كما أن وجود العناصر المعدنية السابقة تسهم في الحفاظ على التوازن العام للجسم، بدءًا من تنظيم التفاعلات الكيميائية ومساعدة العضلات على الانقباض، وصولًا إلى الحفاظ على ضغط الدم وتوازن السوائل داخل الجسم.
وقد أكدت بعض الدراسات هذا الأمر، فعلي سبيل المثال، أظهرت دراسة نُشرت في المجلة الأمريكية للتغذية السريرية، والتي تم خلالها إختبار تأثير 13 مشروبًا مختلفًا علي جسم الإنسان، أن اللبن كامل الدسم، واللبن خالي الدسم، وعصير البرتقال، تُوفّر ترطيبًا للجسم أفضل من الماء العادي.
كذلك، وجدت دراسة أخرى نُشرت عام 2020 في مجلة "Nutrients" أن مشروبًا مرطبًا مصنوعًا من اللبن يُساعد على بقاء الجسم رطبًا لفترة أطول من الماء أو المشروبات الرياضية المختلفة، وذلك عن طريق تقليل فقدان السوائل في البول وزيادة احتباس السوائل. كما أنه يُقلّل من ارتفاع مستوى السكر في الدم، مما يجعله مصدرًا أكثر استقرارًا للطاقة مقارنةً بالمشروبات الرياضية التقليدية.
وقد لوحظ أنه عندما يشرب الإنسان لتراً من اللبن، فإن الجسم يحتفظ بكمية أكبر من الماء مقارنة بتناول لتراً من الماء العادي، وهذا ما يسمى بمؤشر ترطيب المشروبات Beverage Hydration Index. حيث يحتوي اللبن على مؤشر ترطيب مرتفع بسبب احتوائه علي الماء والبروتين والمعادن.
وقد يساعد اللبن علي ترطيب الجسم لمدة تصل إلي خمس ساعات كاملة. ويعتبر هذا النوع من الترطيب المرتبط بتناول اللبن أو الألبان المتخمرة مهمة جدا في شهر رمضان خاصة في حالات إرتفاع درجة حرارة الطقس كما في أشهر الصيف.
5- الإحساس بالشبع لفترة أطول وتحكم أفضل في الشهية:
حيث يساعد تناول اللبن أو الألبان المتخمرة مثل الزبادي أو اللبن الرائب سواء في الإفطار أو السحور على تعزيز الشعور بالامتلاء لفترات أطول، مما يقلل من الإفراط في تناول الطعام والتحكم في الشهية، ويحافظ على توازن النظام الغذائي خلال الشهر الكريم.ختاما: يبقى رمضان فرصة ذهبية لتعزيز الصحة العامة إلى جانب السمو الروحي وإقامة الشعائر الدينية. ويظل الاعتدال هو كلمة السر من أجل صيام وصحة أفضل، فإدخال منتجات الألبان ضمن النظام الغذائي اليومي للصائمين يُعد خيارًا ذكيًا يدعم التغذية السليمة، والترطيب، والطاقة، وصحة الجهاز الهضمي، والوقاية من الأمراض، دون حرمان من متعة الطعام، وإمتثالاً لقول الله عز وجل " وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ".



