أكد عدد من الخبراء الاقتصاديين أن العلاقات
المصرية الصينية تشهد توسعًا متسارعًا في العديد من المجالات، لاسيما النقل
واللوجستيات والعقارات وصناعة السيارات والطاقة والتكنولوجيا، مشيرين إلى أن تركز
جانب كبير من هذه المشروعات داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس يعكس الأهمية
الاستراتيجية التي تتمتع بها قناة السويس وموقع مصر كمركز إقليمي للتجارة
والاستثمار.
وأوضح الخبراء في تصريحات خاصة لـ " اجري نيوز" أن تنوع المشروعات الصينية في
مصر، إلى جانب إقامة صناعات تستهدف الإنتاج والتصدير للأسواق العالمية، يعزز من
مكانة المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كإحدى أهم بوابات الاستثمار الصناعي
واللوجستي في المنطقة، خاصة مع ما تتمتع به من موقع جغرافي متميز وبنية تحتية
وموانئ تربط بين الأسواق الآسيوية والأفريقية والأوروبية.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع مرور 70
عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، في وقت تكشف فيه بيانات
رسمية واستطلاع رأي حديث عن تنامي النظرة الإيجابية لدى الشعب الصيني تجاه مصر،
وارتفاع الرغبة في توسيع التعاون بين البلدين في مجالات الاقتصاد والاستثمار
والطاقة والسياحة وأمن الملاحة، بما يعكس انتقال الشراكة المصرية الصينية إلى مستويات
أكثر اتساعًا وتنوعًا.

مصر والصين.. 70 عامًا من
العلاقات وشراكة تتجه إلى آفاق جديدة
وتحتفل مصر والصين خلال عام 2026 بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بعدما كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية عام 1956.
وخلال العقود الماضية، تطورت العلاقات بين القاهرة وبكين من التعاون السياسي والدبلوماسي إلى شراكة اقتصادية واستثمارية متعددة المجالات، شملت مشروعات في البنية التحتية والنقل والطاقة والصناعة واللوجستيات والتكنولوجيا.
ويبرز المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باعتبارها أحد أهم محاور هذه الشراكة، في ظل استقطابها عددًا من الاستثمارات والمشروعات الصينية التي تستفيد من موقع مصر على خطوط التجارة العالمية وقربها من الأسواق الأفريقية والأوروبية والآسيوية.

استطلاع صيني يكشف صورة إيجابية عن
مصر
وفي مؤشر جديد على تطور العلاقات بين البلدين، كشف استطلاع رأي صيني حديث عن صورة إيجابية لمصر لدى الشعب الصيني، إلى جانب ارتفاع مستويات التفاؤل بمستقبل العلاقات المصرية الصينية.
واستعرض مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء نتائج استطلاع أجراه معهد «جلوبال تايمز» الصيني حول نظرة الشعب الصيني لمصر ومستقبل العلاقات بين القاهرة وبكين.
وأظهر الاستطلاع أن أكثر من 70% من المشاركين ينظرون إلى مصر باعتبارها «دولة صديقة» أو «شريكًا استراتيجيًا» للصين، بينما وصف 63% العلاقات الحالية بين البلدين بأنها «جيدة جدًا» أو «جيدة إلى حد ما».
كما رأى نحو 90% من المشاركين أن الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين مصر والصين مهمة للصين، في حين أعرب نحو 70% عن تفاؤلهم بمستقبل العلاقات بين البلدين.
85% من الصينيين لديهم معرفة بمصر
وأظهرت نتائج الاستطلاع أن 85% من المشاركين لديهم قدر من المعرفة بمصر، حيث أفاد نحو 40% بأن لديهم معرفة واسعة أو متوسطة بالبلاد، بينما يمتلك أكثر من 40% معرفة أساسية بها.
وتصدرت الحضارة المصرية القديمة أبرز مكونات الصورة الذهنية لمصر لدى المشاركين، إذ ربط 66% منهم مصر بالأهرامات والفراعنة والمومياوات وأبو الهول.

كما رأى 39% أن مصر تمثل رمزًا لحضارة عريقة، بينما ارتبط اسم مصر لدى 30% بنهر النيل، وذكر 20% قناة السويس باعتبارها أحد أبرز الرموز المرتبطة بالبلاد.
ماذا يعرف الصينيون عن مكانة مصر
الدولية؟
لم تقتصر الصورة الإيجابية لمصر لدى المشاركين على الجوانب التاريخية والسياحية، إذ أظهر الاستطلاع أن نحو 80% تمكنوا من تحديد دور واحد على الأقل لمصر على الساحة الدولية بصورة صحيحة.
وتجاوزت نسبة المشاركين الذين تعرفوا على مكانة مصر باعتبارها دولة رائدة في جامعة الدول العربية، وعضوًا في مجموعة «بريكس»، ودولة محورية في الاتحاد الأفريقي، 30% لكل منها.
كما قيّم أكثر من 60% بصورة إيجابية الدور المصري في عدد من قضايا المنطقة، خاصة جهود الوساطة للتوصل إلى وقف إطلاق النار، وتنسيق المساعدات الإنسانية، ودعم الحوار بشأن الأزمات في الشرق الأوسط.
99% يؤيدون تعزيز التعاون المصري الصيني
وكشف الاستطلاع عن دعم واسع لتعزيز العلاقات بين القاهرة وبكين، إذ أيد 99% من المشاركين تعزيز التعاون بين البلدين مستقبلًا.
كما أشار أكثر من 80% إلى أن لديهم معرفة بدرجة ما بأوجه التعاون المصري الصيني، فيما يعرف أكثر من نصف المشاركين بمشاركة مصر في مبادرة «الحزام والطريق».
وامتدت معرفة المشاركين إلى مشروعات البنية التحتية التي نفذتها الصين في مصر، حيث أشار 32% إلى معرفتهم بهذه المشروعات، ومن بينها القطار الكهربائي الخفيف والطرق.
كما شملت الصورة الذهنية للتعاون بين البلدين معاهد كونفوشيوس والتبادل الثقافي، فضلًا عن المنتجات والأجهزة والسيارات ذات العلامات التجارية الصينية الموجودة في السوق المصرية.
السياحة والطاقة والغذاء.. مجالات
جديدة للتعاون
كما أظهر الاستطلاع أن المشاركين الصينيين لا ينظرون إلى العلاقات مع مصر من زاوية التجارة والاستثمار فقط، وإنما يتطلعون إلى توسيع التعاون في مجموعة متنوعة من المجالات.
وتصدرت السياحة والتبادل الشعبي، والتنمية الخضراء والطاقة المتجددة، والمنتجات الزراعية وسلاسل الإمداد الغذائي، والاقتصاد والتجارة والاستثمار قائمة المجالات التي يرغب المشاركون في تعزيز التعاون بشأنها.

كما أعرب أكثر من 90% عن رغبتهم في توسيع نطاق التبادل الشعبي والاجتماعي بين مصر والصين.
ورأى أكثر من 70% أن توفير مزيد من الخدمات باللغة الصينية، إلى جانب إتاحة وسائل دفع أكثر ملاءمة للسائحين الصينيين، يمكن أن يزيد رغبتهم في زيارة مصر.
قناة السويس في صدارة مجالات التعاون
وفي ظل التحديات التي تواجه حركة التجارة وسلاسل الإمداد العالمية، احتلت قناة السويس وأمن الملاحة في البحر الأحمر صدارة مجالات التعاون التي يتطلع إليها المشاركون الصينيون، بنسبة 37%.
وجاء في المرتبة التالية التعاون للحفاظ على أمن واستقرار الشرق الأوسط ودعم الحلول السلمية للصراعات بنسبة 35%.
كما أبدى 33% رغبتهم في تعاون مصر والصين لإيصال صوت دول الجنوب العالمي والدفاع عن مصالحها في الأطر الدولية، ومنها مجموعة «بريكس» والأمم المتحدة.
وتكشف هذه النتائج عن أهمية الموقع الجغرافي لمصر بالنسبة للصين، خاصة في ظل الدور الذي تؤديه قناة السويس في حركة التجارة العالمية وربط الأسواق الآسيوية والأوروبية والأفريقية.

«جيا إيجيبت».. استثمار صيني جديد في
المنطقة الاقتصادية لقناة السويس
وتترجم الاستثمارات الصينية المتزايدة في مصر هذه الرغبة في توسيع الشراكة الاقتصادية إلى مشروعات فعلية على الأرض.
وفي هذا السياق، أعلن المركز الإعلامي لمجلس الوزراء تفاصيل مشروع شركة «جيا إيجيبت – Jieya» الصينية لإقامة مجمع صناعي متكامل للمنتجات الصحية في منطقة السخنة المتكاملة التابعة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وتبلغ استثمارات المشروع نحو 67 مليون دولار، ويقام على مساحة 160 ألف متر مربع، مع توقعات بتوفير نحو 450 فرصة عمل مباشرة.
ويستهدف المجمع الوصول إلى طاقة إنتاجية سنوية تقدر بنحو 8.1 مليار قطعة من المستلزمات الصحية ذات الاستخدام الواحد، على أن يبدأ الإنتاج خلال عامين.
ويقام المشروع ضمن منطقة التوسعات الجديدة للمطور الصناعي «تيدا مصر»، بما يدعم توجه المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نحو جذب الصناعات ذات القيمة المضافة، وتوطين التكنولوجيا، وزيادة القدرات الإنتاجية والتصديرية.
الاستثمارات الصينية في مصر ترتفع
31.9%
وتدعم أرقام الاستثمارات اتجاه العلاقات الاقتصادية بين مصر والصين نحو مزيد من النمو.
وأظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع قيمة الاستثمارات الصينية في مصر إلى نحو 137.2 مليون دولار خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026، مقابل نحو 104 ملايين دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق، بزيادة بلغت 31.9%.
وتعكس هذه الزيادة ارتفاع اهتمام الشركات الصينية بالسوق المصرية، خاصة مع الفرص التي توفرها المشروعات القومية والمناطق الصناعية والاقتصادية، فضلًا عن إمكانية استخدام مصر قاعدة للإنتاج والتصدير إلى الأسواق الإقليمية.
تحويلات العاملين تعكس نمو التبادل
بين البلدين
وامتد نمو العلاقات الاقتصادية إلى حركة العاملين وتحويلاتهم المالية.
وسجلت تحويلات المصريين العاملين في الصين نحو 23.3 مليون دولار خلال العام المالي 2024/2025، مقابل 19.5 مليون دولار خلال العام المالي 2023/2024، بارتفاع بلغ 19.2%.
وفي المقابل، ارتفعت تحويلات الصينيين العاملين في مصر إلى نحو 3.5 مليون دولار خلال العام المالي 2024/2025، مقارنة بنحو 3.1 مليون دولار خلال العام المالي السابق، بنسبة نمو بلغت 13.7%.
وبحسب تقديرات البعثة المصرية، بلغ عدد المصريين المتواجدين في الصين نحو 8 آلاف مصري حتى نهاية عام 2024.
شراكة تتجاوز الاستثمار إلى الإنتاج
والتصدير
وتشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى أن العلاقات المصرية الصينية لم تعد تقتصر على التبادل التجاري أو تنفيذ مشروعات البنية الأساسية، وإنما تتجه بصورة أكبر نحو الشراكة الصناعية والإنتاجية والتصديرية.
ويمثل وجود الشركات الصينية داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس عنصرًا مهمًا في هذا التحول، إذ تستفيد هذه الشركات من الموقع الاستراتيجي لمصر، وشبكة الموانئ والبنية التحتية، والقدرة على الوصول إلى أسواق متعددة.
ومع تنوع الاستثمارات الصينية بين الصناعة والطاقة والنقل واللوجستيات والسيارات والتكنولوجيا والمنتجات الصحية، تتزايد فرص تحول مصر إلى قاعدة إقليمية للصناعات الصينية الموجهة إلى الأسواق الأفريقية والأوروبية، بما يعزز مكانة المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ويدعم أهداف الدولة في زيادة الإنتاج المحلي وتعميق التصنيع وزيادة الصادرات.
استطلاع شمل 1845 مشاركًا
وأُجري الاستطلاع الصيني خلال الفترة من 16 إلى 28 يوليو 2026، وشمل أفرادًا تتراوح أعمارهم بين 18 و69 عامًا في 31 منطقة على مستوى المقاطعات في الصين، وبلغ عدد الاستبيانات الصالحة للتحليل 1845 استبيانًا.
وأكد ليو تشونج مين، الأستاذ بمعهد دراسات الشرق الأوسط في جامعة شنغهاي للدراسات الدولية، أن الصورة الإيجابية لمصر لدى الشعب الصيني ترتبط بعوامل تاريخية ومعاصرة، مشيرًا إلى أن تاريخ العلاقات بين البلدين والتعاون المتنامي خلال العقود الأخيرة أسهما في ترسيخ هذه الصورة.
وتشير النتائج في مجملها إلى وجود رصيد إيجابي لدى الرأي العام الصيني تجاه مصر، بالتوازي مع نمو الاستثمارات والمشروعات الصينية في السوق المصرية، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الشراكة، عنوانها الصناعة والاستثمار والتكنولوجيا والطاقة والسياحة وأمن الملاحة.







