أكدت الدكتورة شيماء محسن عبد الحي، خبير إدارة الموارد البشرية والتنمية المستدامة، أن المبادرة الرئاسية «بداية جديدة لبناء الإنسان» تمثل رؤية وطنية متكاملة تضع الاستثمار في الإنسان المصري وعقله وقدراته في صدارة أولويات التنمية، مشيرة إلى أن بناء الإنسان لم يعد ملفًا خدميًا منفصلًا، وإنما أصبح محورًا تتقاطع عنده مسارات التعليم والصحة والثقافة والتدريب والتشغيل والوعي والقيم والانتماء.
وأوضحت في تصريحات خاصة لـ " اجري نيوز" أن الدولة التي تستهدف بناء اقتصاد قوي ومستدام تحتاج إلى رأس مال بشري مؤهل معرفيًا ومهنيًا، وقادر على التعلم المستمر والإبداع والإنتاج والتكيف مع المتغيرات المتسارعة، لافتة إلى أن التجارب الدولية أثبتت أن الاستثمار في البشر يمثل أحد أهم عوامل استدامة المشروعات وتحويل الاستثمارات إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
رأس المال البشري.. الاستثمار الأكثر استدامة
وأشارت إلى أن مفهوم الاستثمار ارتبط لسنوات بالمصانع والطرق والموانئ والمشروعات الكبرى، إلا أن هذه المشروعات تحتاج في الأساس إلى الإنسان القادر على تشغيلها وتطويرها وتحقيق أقصى استفادة منها.وأضافت أن المصنع يحتاج إلى المهندس والفني والعامل والمدير، والمشروعات الرقمية تحتاج إلى عقول مبتكرة، والمنظومة الصحية تحتاج إلى كوادر مؤهلة، كما تتطلب مشروعات التنمية المستدامة متخصصين قادرين على تحويل الخطط والاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة.
وأكدت أن الاستثمار في الإنسان لا يمثل إنفاقًا استهلاكيًا، بل استثمار طويل الأجل في القدرة الإنتاجية للدولة، وهو ما يجعل مبادرة «بداية» ذات أهمية خاصة في وضع الإنسان في قلب عملية التنمية باعتباره شريكًا أساسيًا في صناعة المستقبل.
من بناء المشروعات إلى بناء الإنسان
ولفتت إلى أن مصر شهدت خلال السنوات الماضية توسعًا كبيرًا في مشروعات البنية الأساسية والخدمات، إلا أن التحدي خلال المرحلة المقبلة يتمثل في تحقيق التكامل بين هذه المشروعات وبين إعداد الكوادر القادرة على تشغيلها والاستفادة منها وتطويرها.
وتساءلت: ما قيمة التحول الرقمي دون كوادر رقمية مؤهلة؟ وما جدوى اقتصاد المعرفة إذا لم يمتلك الشباب مهارات التفكير النقدي والابتكار؟ وكيف يمكن تلبية احتياجات سوق العمل إذا ظل التعليم والتدريب بعيدين عن متطلباته؟
وأكدت أن «بداية» يمكن أن تمثل فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين التعليم والتدريب وسوق العمل والتنمية الاقتصادية، والانتقال من مجرد تأهيل الإنسان لوظيفة محددة إلى بناء شخصية قادرة على التعلم المستمر وإعادة التأهيل والتكيف مع المتغيرات.
الشباب ثروة مصر الحقيقية
وأوضحت أن مصر تمتلك ثروة بشرية كبيرة من الشباب، ويمكن أن تتحول هذه الطاقة إلى أحد أهم محركات النمو خلال العقود المقبلة إذا جرى توجيهها وفق أسس علمية، مؤكدة أن الشاب لا يحتاج فقط إلى فرصة عمل، وإنما يحتاج إلى اكتشاف مواهبه وصقل مهاراته وربط قدراته بالفرص الحقيقية داخل الاقتصاد.
وشددت على أهمية تكامل أدوار المؤسسات التعليمية ومراكز التدريب والقطاع الخاص والمجتمع المدني، بما يضمن إعداد أجيال قادرة على المنافسة والإبداع والإنتاج، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي تفرضها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي على سوق العمل.
التعلم مدى الحياة ضرورة لمواكبة سوق العمل
وأكدت أن أحد أهم التحولات المطلوبة في منظومة بناء الإنسان هو عدم النظر إلى التعليم باعتباره مرحلة تنتهي بالحصول على شهادة، موضحة أن التطورات المتلاحقة في التكنولوجيا والمهن والمهارات تفرض ترسيخ مفهوم التعلم مدى الحياة.
وأشارت إلى أن التدريب يجب أن يتحول إلى أداة استراتيجية ترتبط باحتياجات سوق العمل وتقيس أثرها الحقيقي على الأداء والإنتاجية، وليس مجرد وسيلة للحصول على شهادات دون انعكاس فعلي على المسار المهني.
الوعي جزء أساسي من بناء الإنسان
وأوضحت أن بناء الإنسان لا يقتصر على التعليم والتوظيف، وإنما يمتد إلى بناء الوعي وتنمية القدرة على التفكير النقدي والتحقق من المعلومات، خاصة في ظل التدفق المتزايد للأخبار والمحتوى عبر المنصات الرقمية.وأضافت أن ترسيخ قيم العمل والانضباط والمسؤولية والانتماء واحترام القانون وقبول الاختلاف يمثل جزءًا أساسيًا من الاستثمار في رأس المال البشري، ويسهم في بناء مواطن أكثر وعيًا وقدرة على التعامل مع التحديات.
الأسرة شريك في بناء الإنسان
وأكدت أن الأسرة تمثل المؤسسة الأولى التي يتشكل داخلها وعي الطفل، ويتعلم من خلالها قيم المسؤولية والانضباط والاحترام والعمل والثقة بالنفس، مشيرة إلى أن نجاح أي استراتيجية وطنية لبناء الإنسان يتطلب دعم الأسرة ورفع الوعي بأساليب التربية الحديثة والتعامل مع التحديات النفسية والاجتماعية والتكنولوجية التي تواجه الأبناء.
تمكين المرأة والشباب يدعم التنمية
وشددت على ضرورة تعظيم دور المرأة وتمكينها معرفيًا ومهنيًا واقتصاديًا، باعتبارها شريكًا رئيسيًا في عملية التنمية وصانعة للاستقرار داخل الأسرة ومؤثرة بصورة مباشرة في تشكيل وعي الأجيال الجديدة.
كما أكدت أن الشباب يمثلون المحرك الرئيسي لعملية التنمية، موضحة أن توجيه طاقتهم من خلال التعليم والتدريب وإتاحة فرص العمل وريادة الأعمال يمكن أن يحولها إلى قوة حقيقية للإنتاج والابتكار.
قياس أثر «بداية» مفتاح الاستدامة
وترى الدكتورة شيماء محسن عبد الحي أن التحدي الحقيقي أمام مبادرة «بداية» لا يرتبط فقط بإطلاق البرامج والمبادرات، وإنما بقدرتها على تحقيق أثر مستدام وقابل للقياس.واقترحت الاعتماد على مجموعة من المؤشرات لتقييم نتائج الاستثمار في الإنسان، من بينها عدد الشباب الذين اكتسبوا مهارات جديدة، وعدد فرص العمل الناتجة عن برامج التدريب، وعدد المشروعات الناشئة التي خرجت من برامج التأهيل، ومدى تحسن المهارات الرقمية والمهنية، فضلًا عن قدرة الكفاءات على الانتقال إلى وظائف أكثر إنتاجية.
وأكدت في تصريحات خاصة لـ " اجري نيوز" أن نجاح المبادرات لا يجب أن يقاس بعدد المستفيدين أو المشاركين فقط، وإنما بحجم التغيير الذي أحدثته في حياة الإنسان وانعكاس ذلك على الاقتصاد والمجتمع.
«بداية».. نهضة الدولة تبدأ من الإنسان
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن المبادرة الرئاسية «بداية جديدة لبناء الإنسان» تحمل رسالة واضحة مفادها أن الإنسان المصري ليس عنصرًا تابعًا لمسيرة التنمية، بل هو المحرك الأساسي لها.
وقالت إن مصر التي تستثمر في مدارسها وجامعاتها ومراكز التدريب، وتدعم شبابها، وتمكّن نساءها، وترفع مستوى الوعي، وتربط التعليم بسوق العمل، إنما تستثمر في قدرتها على المنافسة لعقود مقبلة.
وأضافت أن الدول لا تتقدم فقط بما تمتلكه من موارد طبيعية أو مشروعات ضخمة، وإنما بما تمتلكه من عقول قادرة على إدارة هذه الموارد وتحويلها إلى قيمة مضافة، مؤكدة أن أعظم ما يمكن أن تتركه الدولة للأجيال المقبلة هو إنسان مصري يمتلك العلم والمهارة والوعي والثقة والقدرة على صناعة القرار وتحمل المسؤولية.
واختتمت بالتأكيد على أن «بداية» يمكن أن تتحول من مجرد مبادرة إلى فلسفة تنموية متكاملة، عنوانها أن بداية نهضة الدولة الحقيقية تنطلق من بداية جديدة للإنسان، وأن الاستثمار في العقول يظل الاستثمار الأعلى عائدًا، بينما التنمية الحقيقية هي التي تترك أثرها في الإنسان قبل أن تترك أثرها في الحجر.







