أ
أ
التماسيح في الشوارع: عندما تفيض الأنهار وتغرق الحدود بين البر والبحر فهذا تحقيق يستقصي كارثة الفيضانات في جنوب أفريقيا من منظور متعدد: الهيدرولوجيا، الجينات، والفلسفة البيئية.
أولا: الفيزياء والهيدرولوجيا - تشريح كارثة طبيعية
لطالما ارتسمت خطوط الحدود في أذهان البشر بوضوح جيولوجي صارم: هنا النهر، هناك اليابسة. هنا عالم الزواحف المائية، هناك مملكة البشر.لكن الأمطار التي تضرب جنوب إفريقيا منذ أسابيع لم تغمر الأراضي فحسب، بل غمرت أيضاً تلك الحدود المتخيلة، لترسل رسالة جيولوجية صارخة: الطبيعة لا تعترف بالخرائط البشرية، وعندما تغضب، تذيب كل الفواصل.
فيضانات 2024 حتى 2026: ليست مجرد أمطار، بل إعادة تشكيل للجغرافيا
منذ منتصف يناير 2024، بدأت سحب الرياح الموسمية الجنوبية الشرقية بصبّ غضبها على مقاطعات كوازولو-ناتال، ومبومالانجا، واللمبوبو.لم تكن هذه مجرد عاصفة عابرة، بل نظام مناخي معقد تشكل فوق المحيط الهندي، حاملاً معه رطوبة تعادل 4.2 تريليون لتر من الماء - ما يكفي لملء 1.68 مليون حوض سباحة أولمبي - وفق بيانات خدمة الأرصاد الجوية الجنوب إفريقية SAWS)).
الأرقام الرسمية تتحدث عن معدل هطول بلغ 450 ملم في أسبوع واحد في بعض المناطق، متجاوزاً المتوسط الشهري التاريخي بأكثر من 300%. لكن هذه الأرقام المجردة لا تخبر القصة كاملة. فالمياه المتساقطة من السماء لم تكن مجرد سائل، بل كانت مطرقة جيولوجية تعيد تشكيل المشهد.
التماسيح كنهر يمشي: الفيزياء الحيوية للانزياح القسري
لكن كيف تتحول التماسيح، تلك المخلوقات التي تُعد من أمهر الكائنات في السيطرة على بيئتها المائية، إلى ضحايا للجريان السطحي؟ الإجابة تكمن في فيزياء الجريان الهيدروليكي.عندما يتجاوز معدل الجريان في نهر ليمبوبو - أحد الأنهار الرئيسية في المنطقة - المستوى الحرج البالغ 2,800 متر مكعب/الثانية (حسب بيانات وزارة المياه والصرف الصحي)، تحدث ظاهرة فيزيائية مثيرة: تتجاوز طاقة الجريان قوة التماسك للتماسيح مع قاع النهر. وبمعنى أبسط، تصبح المياه أقوى من قبضة التمساح.
التماسيح النيلية Crocodylus niloticus))، التي يمكن أن يصل وزنها إلى 900 كيلوجرام وطولها إلى 5.5 أمتار، تمتلك قوة عضّ تبلغ 5,000 باوند لكل بوصة مربعة، لكنها في مواجهة جريان تبلغ سرعته 18 كيلومتراً في الساعة، تصبح كأوراق الشجر في إعصار. الفيضانات لا تجرف التماسيح فحسب، بل تجرف منظومتها البيئية بأكملها: أعشاشها التي قد تحتوي على 60 بيضة في الموسم، ومناطق صيدها، وحتى ذاكرتها المكانية التي تطورت على مدى عقود.
العمارة البيولوجية: كيف يتحول بيت التمساح إلى فخ مميت؟
التماسيح ليست ضحايا سلبية. هذه الزواحف القديمة، التي تعيش على الأرض منذ أكثر من 95 مليون سنة، طورت استراتيجيات معقدة للتعامل مع الفيضانات الموسمية. ففي موسم الجفاف، تحفر الإناث أعشاشاً على ضفاف الأنهار، عادة على ارتفاع 1-2 متر فوق مستوى المياه. هذه الأعشاش ليست مجرد حفر، بل أنظمة تحكم حراري معقدة، حيث يتحلل الغطاء النباتي منتجاً حرارة تحافظ على درجة حرارة البيض الثابتة عند 31-32 درجة مئوية.
لكن فيضانات 2024-2026 ارتفعت إلى مستويات قياسية بلغت 4.5 أمتار فوق المستوى الطبيعي في بعض المناطق، محولة هذه الأعشاش المحسوبة بدقة إلى مقابر مائية للبيض.
الأسوأ أن الفيضانات جرفت معها الطبقة السطحية للتربة، مقللة من قدرة الأرض على الامتصاص بنسبة 70% حسب تقديرات معهد بحوث التربة، مما يعني أن المياه لم تعد تنساب بل تجري، حاملة معها كل ما في طريقها.
السباحة في الشوارع: جغرافيا جديدة للخوف
تقدم لنا بلديات مثل أومغينغ وهلاماشا مشهداً سريالياً: تماسيح تسبح في شوارع كانت قبل أسبوع مليئة بحركة السيارات. لكن هذه "السباحة الحضرية" ليست مجرد صدفة، بل هي نتيجة لحسابات هيدرولوجية دقيقة.مع انحسار المياه، تترك الفيضانات وراءها أنظمة مائية مؤقتة: برك، وقنوات، ومستنقعات في أماكن لم تكن مائية من قبل. هذه البيئات الجديدة تخدع التماسيح، التي تعتمد على الذاكرة المكانية المغناطيسية (القدرة على استشعار المجال المغناطيسي للأرض) للتنقل.
تظهر الدراسات أن التماسيح يمكنها العودة إلى دائرة نصف قطرها 50 كيلومتراً من موطنها الأصلي، لكن الفيضانات الحالية دفعت بعضها إلى مسافات تزيد عن 120 كيلومتراً.
السجل الأحفوري الحي: التماسيح كأرشيف مناخي
في مختبرات علم المناخ القديم، ينظر العلماء إلى هذه الأحداث لا ككوارث عابرة، بل كفصول حية من تاريخ الأرض المناخي. التماسيح، بما تمتلكه من مقاومة بيولوجية استثنائية، تحمل في أجسادها سجلاً حياً:حلقات النمو في عظامها تشبه حلقات الأشجار، تخبرنا عن سنوات الوفرة والجفاف. النظائر المشعة في قشورها تسجل التغيرات في كيمياء المياه. بل إن الميكروبيوم المعوي للتماسيح (مجتمعات البكتيريا في أمعائها) يتغير مع اختلاف النظام الغذائي الناتج عن التغيرات البيئية.
د. ثاندو جيمس، عالم الأحياء القديمة في جامعة ويتواترسراند، يوضح: "كل تمساح يظهر في شارع في بريتوريا هو كبسولة زمنية بيولوجية تحمل بيانات عن القرن من التغير المناخي الذي عاشته أسلافه."
الإنسان والتمساح: إعادة تعريف التعايش
في مستشفى الحياة البرية في بريتوريا، يعمل الفريق البيطري على إنقاذ 47 تمساحاً جرفتها الفيضانات إلى المناطق الحضرية. العملية ليست سهلة: كل تمساح يحتاج إلى فحص إشعاعي للتأكد من عدم وجود إصابات داخلية، وتحليل دم لقياس مستويات الإجهاد، وتحديد الهوية بالرقاقة الدقيقة قبل إعادته إلى بيئته الطبيعية.لكن السؤال الأعمق: هل يمكن إعادتهم إلى "بيئة طبيعية" لم تعد كما كانت؟ الأنهار التي غادرها التماسيح قد غيرت مجراها، والغابات النهرية التي كانت توفر الظل والحماية قد اقتلعت، والمنظومة البيئية التي استمرت ملايين السنين قد اختلت توازنها خلال أسابيع.
"وراء هذه الأرقام والإحصائيات، هناك قصص حية. قصص كائنات تحمل في جيناتها تاريخ القارة، وتعيش الآن لحظة انهيار الحدود بين عالمها وعالمنا. إليكم قصة أحد هؤلاء الشهود القدماء..."
ثانيا: سجّان النهر - الذاكرة الجينية للتماسيح
كان النهر يعرف أنه سيأتي. فقبل أن يلمع بريق العيون البرتقالية في ظلمة الماء، كانت المياه تتنبه له. كان جسده الضخم، الذي بلغ خمسة أمتار ونصف المتر ووزن تسعمائة كيلوغرام، يغير من جريان التيار نفسه. لقد عاش في هذا الجزء من نهر ليمبوبو ثمانية وستين عاماً، وكان النهر يحفظ كل ندبة على ظهره كما يحفظ مجراه.في تلك الليلة، بينما كانت أمطار غير مسبوقة تضرب مقاطعة ليمبوبو منذ ثلاثة أسابيع، شعر التمساح العجوز بتغير في نبض المياه. لم يكن مجرد فيضان موسمي، بل كان شيئاً أعمق. المياه ارتفعت أربعة أمتار ونصف فوق مستواها الطبيعي، وتجاوز معدل الجريان ثلاثة آلاف متر مكعب في الثانية (هي تقريب للرقم 2,800). الأرقام كانت مجردة، لكن التمساح شعر بها في اهتزاز عظامه السنمية، تلك الصفائح العظمية التي تحمل في طبقاتها سجلاً مناخياً يعود لسبعة عقود.
الصغار والطوفان
على بعد كيلومترين شمالاً، كانت الأنثى التي رافقت التمساح العجوز في مواسم التزاوج الأربعة الأخيرة، تحرس عشاً يحتوي على ستين بيضة. لقد اختارت الموقع بحكمة سلالية موروثة: متر واحد فوق مستوى الفيضان المتوقع، في تربة تحافظ على حرارة ثابتة عند 31-32 درجة مئوية - الدرجة الدقيقة التي تنتج الإناث.لكن حساباتها، المبرمجة في جيناتها عبر 95 مليون سنة من التطور، لم تكن محسوبة لمطر بلغ 450 ملم في أسبوع واحد. المياه تجاوزت العش، والبيض الذي كان يحتاج لخمسة وتسعين يوماً من الحضانة، غرق في غضون ساعات.
التمساح العجوز، الذي كان يذكر كيف نجت أمه من فيضان مماثل قبل سبعين عاماً، شعر بفقدان لم يكن مكانياً فقط بل جينياً. كل بيضة غارقة كانت تحمل 2.3 جيجابايت من المعلومات الوراثية - شفرة تعود إلى العصر الترياسي، عندما انفصلت التماسيح والطيور عن سلف مشترك.
رحلة الجينات
جرف الفيضان التمساح العجوز كما تجرف ورقة شجر. قوته العضلية الهائلة - 5,000 باوند لكل بوصة مربعة - لم تكن تنفع ضد طاقة مائية تتحرك بسرعة 18 كيلومتراً في الساعة. لكن جسده، الذي صممته القرون، عرف كيف ينجو.رئتاه، المتصلتان بحجاب حاجز يسمح له بالتحكم الطافي، ملأتهما بالهواء. غدته الدمعية الملحية، التي اكتشف العلماء أنها تفرز محلولاً بتركيز ضعف ملوحة مياه البحر، بدأت تعمل على تنظيم أملاح جسمه. وكانت كليتاه المتخصصتان تنقيان الدم من اليوريا مع الحفاظ على الصوديوم.
لكن أهم أسلحته كانت ذاكرته المغناطيسية. ففي جمجمته، بين العينين والأذنين، توجد بلورات مغناطيسية دقيقة. هذه البلورات، المكونة من أكسيد الحديد، تتفاعل مع المجال المغناطيسي للأرض، مكونة بوصلة بيولوجية تمكنه من العودة إلى موطنه من مسافة خمسين كيلومتراً.
المشكلة كانت أن الفيضان حمله لمسافة مائة وعشرين كيلومتراً.
العالم الذي يحمله في دمه
بينما كان يسبح في مياه غريبة، حمل التمساح معه عالماً كاملاً في شرايينه. دماء الزواحف تحمل سراً قديماً: خلايا دم حمراء تحتوي على نواة، على عكس الثدييات. هذه الأنوية تحمي الحمض النووي الذي يخبر قصة أفريقيا بأكملها.جينوم التمساح النيلي، البالغ 2.5 جيجابايت، يحمل تاريخ القارة:
جينات تتذكر عندما كانت أفريقيا متصلة بأمريكا الجنوبية في قارة غندوانا العظمى
تسلسلات وراثية تكيفت مع خمس دورات جليدية كبرى
بروتينات متخصصة تسمح بإصلاح الحمض النووي بكفاءة تجعل السرطان نادراً جداً بين التماسيح
الأهم من ذلك، كان يحمل تنوعاً جينياً مذهلاً. فبينما يملك البشر تنوعاً جينياً ضئيلاً مقارنةً بالعديد من الأنواع، ظلت مجموعات التماسيح متنوعة وراثياً رغم كل الضغوط. هذا التنوع هو تأمين على المستقبل، مكتبة من الحلول التطورية للتحديات التي لم تأت بعد.
مواجهة في المياه الغريبة
وجد التمساح نفسه في نظام مائي مختلف تماماً. هنا، في هذه البركة المؤقتة التي خلفها الفيضان، التقى بأنواع لم يعرفها من قبل.من بين المياه الموحلة، ظهر تمساح نحيل الخطم. كان أرق بنسبة 30% من التمساح النيلي، وفكه الطويل المتخصص في اصطياد السمك يشبه الملقط. هذا هو تمساح غرب أفريقيا النحيل (Mecistops cataphractus)، النوع الذي انخفضت أعداده 80% في القرن الماضي، ولم يتبق سوى خمسمائة فرد بالغ في البرية.
النحيل والضخم تبادلا نظرات. كل منهما يمثل استراتيجية تطورية مختلفة: التخصص مقابل التعميم، الخطم الطويل لصيد السمك مقابل الفك العريض للإمساك بفرائس كبيرة.
لكن الليلة، جمعتهما رابطة أعمق: كلاهما ضحايا لفوضى مناخية لم يخلقاها. النحيل اختفى 35% من موطنه الأصلي من غابات المانغروف، والضخم تجرفه فيضانات لم تعد موسمية بل أصبحت كارثية.
رسالة العظام السنمية
بعد أسبوعين، بدأت المياه تنحسر. التمساح العجوز، مستخدماً بوصله الداخلية، بدأ رحلة العودة. لكن شيئاً في كيمياء الماء أخبره أن العودة لن تكون إلى نفس المكان.في طريقه، مر بمنطقة كانت قبل شهرين أراضي زراعية. الآن أصبحت بركة مؤقتة، وفيها سبح تمساح صحراوي نادر. هذا النوع، المنعزل في واحات موريتانيا والجزائر، انفصل وراثياً عن أقربائه منذ عشرة آلاف سنة، عندما كانت الصحراء سهلاً أخضراً. لم يبق سوى مائتي فرد منه، يعيشون في برك تصل حرارتها إلى 45 درجة مئوية.
العظام السنمية للتمساح الصحراوي كانت تحكي قصة مختلفة: حلقات نمو متباعدة، مؤشرات جفاف، تكيفات فريدة للبيات الصيفي. كل تمساح كان يحمل في هيكله سجلاً مناخياً مختلفاً، كأن كل مجموعة كانت صفحة في سجل مناخي متعدد المجلدات.
العودة إلى المختلف
عندما وصل التمساح العجوز أخيراً إلى موطنه، وجد أن النهر قد أعاد تشكيل نفسه. الضفة التي عرفها اختفت، والعش الذي كانت تحرسه الأنثى لم يعد موجوداً. الأشجار التي كان يستريح تحتها ملقاة على جانب النهر مثل عظام عملاقة.لكن شيئاً واحدا لم يتغير: دورته في النظام البيئي. التماسيح، رغم سمعتها كمجرد مفترسات، هي مهندسات نظم بيئية. جحورها التي تحفرها في موسم الجفاف تصبح ملاذاً للأسماك والبرمائيات. فضلاتها الغنية بالنيتروجين تغذي العوالق النباتية في بداية السلسلة الغذائية. وأجسادها المتحللة، عندما تموت، تطلق مغذيات تدعم الحياة لعقود.
التمساح العجوز استقر في جزء جديد من النهر. صغار جديدة فقست، رغم كل شيء. الإحصاءات تقول أن 85% منها لن تعيش حتى العام الأول. لكن الـ 15% الباقية ستكمل الدورة.
السجل الحي الذي يسبح
اليوم، يطفو التمساح العجوز في نهر لم يعد يعرفه تماماً، لكنه لا يزال بيته. في عظامه السنمية، سجل جديد يضاف: طبقة نمو لعام 2024، تحمل بصمة كيميائية لمطر لم يسبق له مثيل.هذا السجل لن يقرأه علماء المستقبل فحسب، بل هو جزء من ذاكرة حية. كل نبضة قلب في صدر التمساح تضخ دماءً تحمل جينات رأت القارات تنقسم، والمناخات تتغير، والأنهار تعيد رسم خرائطها.
الفيضانات ستأتي مرة أخرى، والتماسيح ستجرف مرة أخرى. لكن في جينومها المكون من 2.5 مليار حرف وراثي، تحمل التماسيح درساً أعمق: التكيف ليس مجرد البقاء، بل هو الذاكرة. الذاكرة التي تسمح للأنواع أن تواجه ما لم يحدث من قبل، لأنها في طبقاتها الجينية تحمل سجلاً لما حدث مرات لا تحصى.
والتمساح العجوز، الذي رأى عالمه يختفي تحت المياه ليظهر عالم مختلف، يظل سجّان النهر. ليس سجّاناً بالمعنى الحرفي، بل حافظاً للسجل. سجل مكتوب لا على ورق، بل في عظام، وجينات، وفي طريقة سباحة كائن يحمل في فكه قوة تفوق كل قوة بشرية، لكنه في النهاية مجرد جزء من نسيج الحياة الهش الجميل الذي نسميه أرضاً.
ثالثا: المرآة المائية - تأملات في حدود الطبيعة والإنسان
الفيضانات في جنوب إفريقيا تقدم لنا مرآة مزدوجة: من ناحية، ترينا هشاشة سيطرتنا على الطبيعة، ومن ناحية أخرى، تظهر مرونة الحياة البيولوجية التي تستمر حتى في ظل الظروف القاسية.التماسيح التي تسبح في شوارعنا اليوم هي رسل من عالم آخر، عالم لا يعترف بحدودنا السياسية ولا بمخططاتنا الحضرية. هم يذكروننا بأننا، كبشر، لم ننتصر على الطبيعة، بل تكيفنا مؤقتاً مع فترات استقرارها النسبي.
ربما تكون الرسالة الأعمق هي أن التغير المناخي لا "يخلق" كوارث جديدة، بل يكشف هشاشة الأنظمة التي بنيناها على افتراض استقرار لن يعود. التماسيح في الشوارع ليست غزواً، بل هي عودة: عودة الطبيعة إلى أماكن اعتقدنا أنها أصبحت ملكنا الحصري.
في النهاية، قد نكتشف أن الخطر الحقيقي ليس في التماسيح التي تجرفها المياه إلى مدننا، بل في الوهم بأننا منفصلون عن النظام البيئي الذي نشارك فيه هذه الزواحف القديمة الفضاء، والماء، والمصير المشترك على هذا الكوكب الذي لا يعترف، عندما يفيض، بأي حدود صنعناها بأنفسنا.
وعندما تعود المياه إلى مجاريها، ويختفي آخر تمساح من شوارع بريتوريا، يبقى السؤال عالقاً في الهواء الرطب: هل تعلمنا الدرس، أم أننا ننتظر فيضاناً آخر لنذكرنا بأننا، في النهاية، مجرد ضيوف على هذا الكوكب، وليس أسياده؟
الدكتور إيهاب محمد زايد
رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية- مركز البحوث الزراعية



