الأربعاء، 09 شعبان 1447 ، 28 يناير 2026

د. فوزي محمد أبودنيا يكتب.. الزراعة في مصر بين نموذجيين

د-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered-Recovered
د. فوزي محمد أبودنيا
أ أ
techno seeds
techno seeds
ما يحدث الآن في الزراعة المصرية يطرح مقارنة جوهرية بين مدرستين في إدارة الأصول الزراعية، الأولى المدرسة الاجتماعية (النموذج الناصري) التي ركزت على العدالة التوزيعية وصارت عليها مصر حتى عصر مبارك ممثلا فيما حدث بقرى النوبارية.

الثانية، المدرسة الرأسمالية (نموذج مستقبل مصر) وهو النموذج الذي تتبناه الدولة المصرية حاليا محدثة تغيرات كبيرة في كيان الزراعة المصرية حيث تركز على الكفاءة الإنتاجية والريع الرأسمالي.

وبالتحليل للدلالات الإيجابية والسلبية والتأثيرات المتوقعة للنموذج الاستثماري الذي يقوده جهاز مستقبل مصر حاليا فإننا يمكن أن نعطى أنفسنا فرصة لنظرة أكثر شمولية يمكن البناء عليها للوصول الى اعلى قدرات إنتاجية وتطوير في المجال الزراعي بمصر.  

أولاً: الدلالات الإيجابية لنموذج "مستقبل مصر"


نموذج جهاز مستقبل مصر يعالج في الواقع مجموعة من السلبيات التي وصلنا إليها وأثرت سلبا بالفعل على الكيان الزراعي المصري وصدر لنا مجموعة من المعوقات البيئية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها وكان له أثر واضح وجلى ظللنا نتحدث عنه ونشكو منه خلال سنوات طوال ولم يحرك أحد ساكنا لعلاج هذا الشأن خاصة في خضم مواجهة ظاهرة تغير المناخ وشح المياه وزيادة السكان.

كان من الضروري أن تعيد الدولة المصرية النظر في طريقة مجابهة الواقع الزراعي المصري الذى يفرض نفسه علينا مما اضطرنا في النهاية كدولة لمواجهة تلك التحديات بإصرار وعزيمة وتفكير خارج الصندوق.

ومن الدلالات الإيجابية لتحرك الدولة ممثلة في جهاز مستقبل مصر للتغلب على التحديات التي تواجه الزراعة المصرية يمكن تضمينها في النقاط التالية:

–علاج تفتت الحيازة: يتبنى المشروع نموذج الزراعة الواسعة (Large-scale farming)، مما يسمح باستخدام الميكنة الحديثة وتنفيذ نظم الزراعة الدقيقة، وهو ما يرفع الإنتاجية مقارنة بالحيازات المفتتة (المساحات الصغيرة) التي خلفها قانون الإصلاح الزراعي.

–تعظيم العائد من الأصول: تحويل الأرض من مورد اجتماعي خامل إلى "أصل مالي" يدر ريعاً مرتفعاً للدولة، مما يساهم في سد عجز الموازنة من خلال عقود حق الانتفاع والإيجارات الاستثمارية.

–السرعة في الاستصلاح: بفضل "كاسحة الألغام" العسكرية والسيادية، يتم تجاوز البيروقراطية التقليدية، مما أدى لإدخال ملايين الأفدنة للخدمة في وقت قياسي (الدلتا الجديدة، محور الضبعة).

–تطوير البنية التحتية: المشروع يوفر طرقاً، ومحطات معالجة مياه عملاقة (مثل محطة الحمام)، وشبكات طاقة، وهي استثمارات تفوق قدرة صغار المزارعين، وكذا المستثمرين الذين نالوا العديد من الفرص في توشكا وشرق العوينات ولكن النتائج لم تكن في الإطار المأمول لها.

ثانياً: الدلالات السلبية والمخاطر


وبالرغم من كل تلك الإيجابيات الجالية فان تلك التوجه بالطبع كما لكثير من التوجهات والنظريات والتخطيط البشرى دلالات سلبية يمكن أن تحدث تحديات جديدة من نوع أخر.

ويمكن رصد بعد الدلالات السلبية المتوقع ظهورها في النقاط التالية:

–الإقصاء الاجتماعي: على عكس النموذج الناصري الذي جعل الفلاح "مالكاً"، يعيد نموذج مستقبل مصر الفلاح إلى وضع "العامل" أو "الأجير" لدى الشركات الكبرى، مما يقتل فكرة "التمكين الاجتماعي".

–المنطق الريعي لا الإنتاجي: الجهاز يعمل كمدير للأراضي وليس كزارع مباشر في أغلب الأحيان، مما يرفع تكلفة الدخول (Entry Cost) على المستثمر، والتي تُحمل في النهاية على سعر السلعة.

–إضعاف التنوع البيولوجي المحلي: التركيز على محاصيل تصديرية موحدة (Monoculture) يخدم الربح السريع ولكنه قد يضر بالأمن الغذائي المحلي المرتبط بالتنوع الذي كان يحققه صغار الفلاحين.

–تآكل "الأمان التعاقدي": الاعتماد على آليات السوق والمزايدات في الإيجارات (كما حدث في أراضي الأوقاف) يجعل الزراعة مهنة غير مستقرة للمستأجرين القدامى.

ثالثاً: التأثيرات المتوقعة على الأطراف الثلاثة (الفلاح الصغير، الزراعة كقطاع إنتاجي والمواطن كمستهلك)


في نهاية المطاف نحن أمام نموذج القى بحجر أحدث حركة في الماء الراكد للزراعة المصرية وأصبح هناك أطراف عدة سوف تتأثر بهذا النهج وهذا النسق وعلينا أن نضعهم في الصورة بشكل أوضح حتى تتضح لنا الأمور بشكل جيد ومفهوم.

1. الفلاح (صغير المنتجين)


 بالنظر لتأثير هذا النهج الاستثماري سيجد الفلاح نفسه محاصراً بين إيجارات مرتفعة في الأراضي القديمة، واستبعاد من الأراضي الجديدة بسبب شرط "المساحات الكبيرة".

ومن المتوقع أن تكون النتيجة، تسارع وتيرة "نزوح الفلاحين" من الريف إلى المدن أو الهجرة للخارج، وتحول الزراعة من مهنة عائلية متوارثة إلى قطاع استثماري جاف.

2. الزراعة (كقطاع إنتاجي)


على الجانب الأخر فان تأثير هذا النهج على الزراعة كقطاع إنتاجي يشير الى التحول من "زراعة الإعاشة" (توفير القمح والذرة للبيت والسوق المحلي) إلى "زراعة التصدير" (الفراولة، الموالح، الخضروات الفاخرة).

ومن المتوقع أن تكون النتيجة تحسن في أرقام الصادرات الزراعية المصرية عالمياً، ولكن مع زيادة "الهشاشة" أمام تقلبات السوق العالمي للحبوب.

3. المواطن (كمستهلك)


بينما نجد أن التأثير على المواطن كمستهلك سوف يلاقى وفرة في المنتجات الطازجة، لكن بأسعار خاضعة "للمقارنة السوقية العالمية".

وبالتالي فان النتيجة المتوقعة بما أن المنتج يزرع بهدف التصدير أو استرداد تكلفة الإيجار المرتفعة، فإن المواطن المحلي سيضطر لدفع ثمن يواكب أسعار السوق، مما قد يرهق القدرة الشرائية للفئات المتوسطة والدنيا.

ومما سبق يمكن القول، إذا كان النموذج الناصري قد أخطأ في تفتيت الأرض الزراعية مما أعاق الميكنة، فإن نموذج مستقبل مصر يواجه خطر "تفتيت المجتمع الريفي" لحساب الكفاءة المالية.

وإذا كان النموذج الناصرى خلق "فلاحاً يمتلك أرضه ولكنه فقير تقنياً"، فان النموذج الحالي سوف يأسس لخلق "أرض غنية تقنياً ولكن بلا فلاحين ملاك".

اشترك في قناة اجري نيوز على واتساب اشترك في قناة اجري نيوز على جوجل نيوز
icon

الأكثر قراءة