الأربعاء، 19 ذو القعدة 1447 ، 06 مايو 2026

د/ ناهد عبد المقتدر الوحش تكتب: تكنولوجيا الأغذية الخضراء (Green Food Technology) وتوجهاتها الحديثة في صناعة الألبان

image
تكنولوجيا الأغذية الخضراء
أ أ
techno seeds
techno seeds
شهد قطاع الصناعات الغذائية خلال العقدين الأخيرين تحولاً نوعيًا نحو نماذج إنتاج أكثر استدامة بسبب التحديات البيئية والوعي الأستهلاكي المتزايد.

وفي هذا السياق برز مفهوم تكنولوجيا الأغذية الخضراء (Green Food Technology) كإطار علمي متكامل يهدف إلى تقليل الأثرالبيئي للعمليات الغذائية والحافظ على الموارد الطبيعية مع ضمان الجودة والسلامة الغذائية.

وتُعد صناعة الألبان من أكثر القطاعات ارتباطًا بهذا التحول  نظرًا لما تسببه من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري إلى جانب استهلاكها المرتفع للمياه والطاقة وإنتاجها لكميات كبيرة من المخلفات العضوية وعلى رأسها الشرش (Whey). ومن هنا أصبح تبني حلول تكنولوجية خضراء ضرورة استراتيجية وليس مجرد إجراء تقني.

مفهوم تكنولوجيا الأغذية الخضراء

تشير تكنولوجيا الأغذية الخضراء إلى تطبيق مبادئ الاستدامة عبر كامل السلسلة الغذائية  بدءًا من الإنتاج الأولي وحتى التصنيع والتوزيع وذلك من خلال:
تحسين كفاءة استخدام الموارد (المياه والطاقة)
تقليل الانبعاثات الكربونية
تبني نموذج الاقتصاد الدائري عبر إعادة استخدام المخلفات
استخدام تقنيات معالجة منخفضة التأثير البيئي
تطوير منتجات ذات بصمة بيئية منخفضة وقيمة وظيفية مرتفعة
دوافع التحول نحو التكنولوجيا الخضراء في صناعة الألبان

-التحديات البيئية

تعاني صناعة الألبان التقليدية من عدة إشكاليات بيئية أبرزها:
انبعاث غاز الميثان الناتج عن المجترات
الاستهلاك الكثيف للمياه والطاقة
إنتاج مخلفات سائلة ذات حمل عضوي مرتفع مثل الشرش
ويُعد الشرش تحديدًا مشكلة بيئية حادة بسبب ارتفاع قيم الطلب الحيوي للأكسجين (BOD) والطلب الكيميائي للأكسجين (COD) ما يجعله ملوثًا قويًا للمسطحات المائية عند التخلص غيرالآمن منه.

-التوجهات الاستهلاكية

بالتوازي مع الضغوط البيئية  يشهد السوق العالمي:
تزايد الطلب على المنتجات المستدامة
انتشار الأنظمة الغذائية البديلة
ارتفاع الوعي بالصحة والتأثير البيئي للغذاء
التقنيات الخضراء الحديثة في صناعة الألبان

- المعالجة غير الحرارية  (Non-Thermal Technologies)

تشمل تقنيات مثل الأشعة فوق البنفسجية والضغط العالي والموجات فوق الصوتية والنبضات الكهربائية والتي توفر بدائل فعالة للبسترة التقليدية من خلال:
تقليل استهلاك الطاقة
الحفاظ على المركبات الحساسة للحرارة
تحسين جودة المنتج دون الإضرار بقيمته الغذائية
وقد أثبتت هذه التقنيات فعاليتها في تحسين السلامة والجودة دون التأثير السلبي على المكونات الحيوية.
-التكنولوجيا الحيوية والتخمير الدقيق  (Precision Fermentation)
يمثل التخمير الدقيق  أحد أكثر الاتجاهات ابتكارًا حيث يتم إنتاج بروتينات الحليب (مثل الكازين) باستخدام كائنات دقيقة بدلاً من الحيوانات مما يحقق:
خفضًا كبيرًا في الانبعاثات
تقليل الاعتماد على الموارد الطبيعية
الحفاظ على الخصائص الوظيفية للبروتينات
وقد نجحت تقنيات حديثة في إنتاج جبن يمتلك نفس القوام التقليدي باستخدام هذه الطريقة

-استغلال مخلفات الألبان  (Valorization of Dairy By-products)

يُعد هذا المحور أحد أهم تطبيقات تكنولوجيا الأغذية الخضراء حيث يتم تحويل مخلفات التصنيع وخاصة الشرش إلى منتجات عالية القيمة عبر مسارات تكنولوجية متقدمة.
يمثل الشرش حوالي 85–90% من حجم اللبن المستخدم في صناعة الجبن ويحتوي على اللاكتوز وبروتينات عالية القيمة الحيوية وأملاح معدنية ومركبات نشطة حيويًا. ورغم هذه التركيبة الغنية، فإن التخلص غير المعالج منه يشكل خطرًا بيئيًا كبيرًا بسبب حمله العضوي المرتفع.

-إنتاج الببتيدات الحيوية

يمثل التحلل الإنزيمي لبروتينات الشرش أحد أكثر مسارات الاستغلال الحيوي تطورًا حيث يؤدي إلى تحرير ببتيدات كامنة ذات نشاطات فسيولوجية متعددة تشمل الخصائص المضادة للأكسدة والمثبطة لإنزيم ACE وخفض ضغط الدم وكذلك المضادة للميكروبات. وتنبع الأهمية الصناعية لهذه الببتيدات من قدرتها على تحويل مخلف عالي الحمل العضوي إلى مكونات وظيفية ذات قيمة مضافة مرتفعة مما يربط بين الاستدامة البيئية والابتكار الغذائي .وتُستخدم هذه الببتيدات في تطوير الأغذية الوظيفية والمكملات الغذائية مما يرفع القيمة الاقتصادية للشرش.
الاستخلاص الأخضر للبروتينات
تعتمد التقنيات الحديثة على وسائل فيزيائية صديقة للبيئة مثل:
الموجات فوق الصوتية، التي تعتمد على ظاهرة التجويف الصوتي حيث يؤدي انهيار الفقاعات الدقيقة إلى توليد قوى قص عالية تعمل على تفكيك التكتلات البروتينية وزيادة ذوبانيتها مما يحسن كفاءة الاستخلاص.
الميكروويف، الذي يوفر تسخينًا سريعًا وانتقائيًا يؤدي إلى تحرير المركبات المرتبطة داخل المصفوفة الغذائية.
وتتميز هذه الطرق بأنها:
تقلل زمن المعالجة
ترفع كفاءة الاستخلاص
تخفض استهلاك الطاقة والمذيبات

-إنتاج المواد الحيوية

يمكن تحويل مكونات الشرش إلى مواد صديقة للبيئة  مثل:
إنتاج حمض اللاكتيك ومنه بوليمرات قابلة للتحلل  (PLA)
تصنيع أغشية تغليف من بروتينات الشرش
وتمثل هذه التطبيقات خطوة مهمة نحو تقليل الاعتماد على البلاستيك التقليدي وتعزيز الاستدامة البيئية.
تندرج هذه العمليات ضمن مفهوم الاستخلاص الأخضر الذي يهدف إلى تعظيم الاستفادة من الموارد مع تقليل الأثر البيئي من خلال تقنيات منخفضة الطاقة وعالية الكفاءة.
-التغليف الحيوي المستدام (Biodegradable Packaging)
يُعد استخدام البروتينات اللبنية في إنتاج مواد تغليف قابلة للتحلل من الاتجاهات الواعدة حيث يساهم في:
تقليل النفايات البلاستيكية
دعم الاقتصاد الدائري
تحسين خصائص الحفظ الغذائي
وقد تم تطوير مواد تغليف قائمة على البروتينات اللبنية قابلة للتحلل الحيوي

- الميكروكبسلة  (Microencapsulation)

تُستخدم لحماية المركبات الحساسة مثل البروبيوتيك والفيتامينات مما يؤدي إلى تحسين ثباتها أثناء التخزين وزيادة فعاليتها الحيوية وتقليل الفاقد وزيادة القيمة الوظيفية للمنتجات.
وقد شهدت تقنيات الميكروكبسلة تطورًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة.

-البدائل الحديثة للألبان

تعد من أبرز تطبيقات التكنولوجيا الخضراء وتشمل :
المنتجات النباتية والمُصنّعة حيويًا  والمنتجات الهجينة والتي تهدف إلى تقليل البصمة البيئية وتلبية احتياجات المستهلكين
بالأضافة لتقديم خيارات غذائية مستدامة. وقد شهد هذا القطاع نموًا متسارعًا عالميًا مع توقعات بزيادة كبيرة
 في السوق خلال السنوات القادمة.
الاقتصاد الدائري في صناعة الألبان
يعتمد التحول الأخضر في هذا القطاع على تبني نموذج الاقتصاد الدائري  الذي يقوم على:
إعادة استخدام المياه داخل المصانع
تحويل المخلفات إلى منتجات ذات قيمة
تقليل الفاقد الغذائي . ويُعد استغلال الشرش نموذجًا تطبيقيًا لهذا المفهوم وتُظهر مشاريع صناعية مثل أنظمة إدارة المياه في مصانع الألبان إمكانية تحقيق استدامة عالية من خلال إعادة التدوير
التحديات التي تواجه تطبيق التكنولوجيا الخضراء
ارتفاع التكلفة الأولية للتقنيات الحديثة
محدودية البنية التحتية في الدول النامية
الحاجة إلى تشريعات داعمة
تقبل المستهلك للمنتجات الجديدة
ختاما : تمثل تكنولوجيا الأغذية الخضراء تحولًا جذريا في صناعة الألبان  حيث لم يعد التركيز مقتصرًا على الإنتاج بل امتد ليشمل تعظيم كفاءة استخدام الموارد وتقليل الأثر البيئي. ويبرز استغلال مخلفات الألبان وخاصة الشرش كنموذج تطبيقي يعكس هذا التحول  حيث يتحول من ملوث بيئي إلى مصدر غني بالمركبات الحيوية والمواد الصناعية المستدامة.
إن تبني هذه التقنيات لا يعزز فقط الاستدامة البيئية  بل يفتح آفاقًا اقتصادية جديدة مما يجعلها ركيزة أساسية لمستقبل صناعة  الألبان.

المراجع


Ashraf, M., Rahman, S., Ahmed, Z., & Kim, Y. J. (2026). Plant-based dairyalternatives:  Technological advances, sustainability challenges, and future perspectives.Trends in Food Science & Technology, 148, 104512.

Neocleous, M., Andreou, V., & Taoukis, P. S. (2022). Non-thermal processing technologies for dairy products: Applications, advantages, and sustainability aspects. Frontiers in Sustainable Food Systems, 6, 856199.


Waseem, M., Ali, S., Khan, M. K., Hussain, A., & Mahmood, T. (2024).

Green extraction technologies for valorization of dairy by-products: Recent advances and industrial perspectives.Food Chemistry, 430, 137085.

Liu, X., Zhang, H., Chen, Y., & Wang, J. (2026). Advances in microencapsulation technologies for dairy bioactive compounds and probiotics.Food Hydrocolloids, 156, 110245.

Khanashyam, A. C., Patel, R., Sharma, P., & Singh, A. (2025).

Emerging contaminants in dairy systems: Occurrence, environmental risks, and mitigation strategies. Journal of Dairy Science, 108(4), 3120–3138.

Kuo, Y. H., Lin, C. S. K., & Chen, H. (2024). Circular bioeconomy approaches for sustainable dairy waste valorization.
RSC Sustainable Food Technology, 2(4), 455–472.



د / ناهد عبد المقتدر الوحش
قسم بحوث الألبان - معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية
اشترك في قناة اجري نيوز على واتساب اشترك في قناة اجري نيوز على جوجل نيوز
icon

الأكثر قراءة