أكد الدكتور مصطفى جاد، خبير سلاسل الإمداد
والعمليات والتجارة الدولية، أن ارتفاع تكاليف الشحن البحري والتوسع السريع في
صادرات السيارات الصينية، بالتزامن مع ظهور ممرات برية وسككية جديدة بين الصين
وأوروبا، بدأت تعيد تشكيل خريطة التجارة العالمية وسلاسل إمداد السيارات، موضحًا
أن المنافسة لم تعد قائمة فقط على تكلفة التصنيع، وإنما أصبحت تشمل تكلفة النقل
وسرعته ودرجة المخاطر والمرونة اللوجستية.
وأوضح جاد في تصريحات خاصة لـ " اجري
نيوز" أن السعر النهائي للسيارة المستوردة لا يتحدد وفق تكلفة التصنيع وسعر
الصرف والجمارك والضرائب فقط، وإنما يتأثر بمجموعة واسعة من عناصر سلسلة الإمداد،
تبدأ من نقل السيارة من المصنع إلى الميناء، مرورًا بالمناولة والشحن والتأمين
والتخليص الجمركي والتخزين، وصولًا إلى تمويل المخزون والتوزيع داخل السوق.
وأشار إلى أن ارتفاع تكلفة الشحن أو زيادة زمن
الرحلة البحرية لا يعنيان فقط زيادة فاتورة النقل، وإنما يترتب عليهما أيضًا
ارتفاع تكلفة تمويل المخزون، وزيادة الحاجة إلى مخزون احتياطي، وتأخر وصول
السيارات وقطع الغيار والمكونات إلى الأسواق.
أزمة البحر الأحمر رفعت تكلفة الوصول
وقال خبير سلاسل الإمداد إن تداعيات أزمة البحر الأحمر كشفت بوضوح أهمية عامل الزمن في تحديد التكلفة النهائية للسلع، بعدما اضطرت شركات الشحن إلى تحويل جانب من رحلاتها من قناة السويس إلى طريق رأس الرجاء الصالح.
وأوضح أن بعض الرحلات البحرية بين الصين وشمال أوروبا قد تستغرق عبر قناة السويس نحو 31 يومًا، بينما يمكن أن يرتفع زمن الرحلة عند الالتفاف حول أفريقيا إلى نحو 41 يومًا، بما يعني زيادة تقارب 10 أيام، فضلًا عن زيادة المسافة واستهلاك الوقود والتأمين وتكاليف التشغيل.
وأضاف أن بقاء السيارة أو مكونات الإنتاج لفترة أطول في البحر يعني أيضًا تجميد رأس المال لفترة أطول، وهو ما يرفع ما يعرف بتكلفة الوصول أو Landed Cost، وقد ينعكس في النهاية على سعر المنتج داخل السوق.
7.1 مليون سيارة صينية في
2025
ولفت الدكتور مصطفى جاد إلى أن التوسع الكبير في صادرات السيارات الصينية يجعل كفاءة منظومة النقل عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على القدرة التنافسية للصناعة الصينية عالميًا.
وأوضح أن الصين صدرت خلال عام 2025 نحو 7.1 مليون سيارة، بزيادة تجاوزت 21% مقارنة بالعام السابق، وهو ما يعكس تنامي الدور الصيني في سوق السيارات العالمية.
وأكد أن هذه الزيادة الضخمة في الصادرات لا تتطلب فقط زيادة أعداد سفن نقل السيارات، وإنما تدفع الشركات إلى تنويع وسائل النقل والطرق المستخدمة للوصول إلى الأسواق.
وقال جاد إن النقل أصبح جزءًا من استراتيجية التوسع الدولي لشركات السيارات، موضحًا أن الشركة التي تنجح في إنتاج سيارة بسعر تنافسي لكنها لا تستطيع إيصالها إلى السوق في الوقت والتكلفة المناسبين قد تفقد جزءًا من ميزتها التنافسية.
القطارات الصينية مكمل للنقل البحري
وفيما يتعلق بشبكات السكك الحديدية بين الصين وأوروبا، أكد جاد في تصريحات خاصة لـ " اجري نيوز" أن القطارات لا تمثل بديلًا كاملًا للنقل البحري أو لقناة السويس، لكنها أصبحت خيارًا مهمًا لبعض أنواع الشحنات، خصوصًا المنتجات ذات القيمة المرتفعة أو الحساسة للوقت.
وأوضح أن عدد رحلات قطارات الشحن بين الصين وأوروبا تجاوز 20 ألف رحلة خلال عام 2025، فيما تخطى العدد التراكمي 130 ألف رحلة بحلول منتصف 2026.
وأشار إلى أن بعض خدمات القطارات تربط المدن الصينية بالمراكز الأوروبية، مثل مدينة دويسبورغ الألمانية، خلال نحو 11 يومًا، وهو ما يمنح النقل السككي ميزة في الشحنات التي تمثل السرعة عاملًا حاسمًا في اقتصادياتها.
وأكد أن المنافسة المستقبلية لن تكون بين السفينة والقطار بصورة مطلقة، وإنما بين مجموعة من البدائل اللوجستية، يتم اختيار الأنسب منها وفق طبيعة الشحنة، والتكلفة، والسرعة، والموثوقية، والتأمين، والمخاطر الجيوسياسية واستقرار الطريق.
شبكة البدائل هي التحدي الحقيقي أمام قناة
السويس
وبشأن تأثير الطرق الجديدة على قناة السويس، أكد الدكتور مصطفى جاد أن الحديث عن استبدال القناة بالطرق البرية والسككية في الوقت الحالي غير واقعي، مشيرًا إلى أن النقل البحري لا يزال الوسيلة الرئيسية لنقل الجزء الأكبر من التجارة العالمية، نظرًا إلى قدرته على نقل كميات ضخمة من البضائع بتكلفة منخفضة نسبيًا.
لكنه حذر في الوقت نفسه من التقليل من أهمية البدائل الجديدة، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي أمام قناة السويس لا يتمثل في ظهور طريق واحد قادر على استبدالها، وإنما في تكوين شبكة متنامية من البدائل أمام شركات الشحن وأصحاب البضائع.
وأوضح أن الصين تعمل على تطوير منظومة متكاملة تضم السكك الحديدية والموانئ والمراكز اللوجستية والممرات البرية والبحرية، بما يمنح الشركات قدرة أكبر على تغيير مساراتها عند حدوث أزمات سياسية أو أمنية أو ارتفاعات كبيرة في تكلفة النقل.
تراجع حركة قناة السويس خلال أزمة البحر الأحمر
وأشار جاد إلى أن بيانات قناة السويس خلال السنوات الأخيرة توضح مدى تأثير قرارات شركات الملاحة على حركة التجارة.
وأوضح أن القناة سجلت في عام 2023 أكثر من 26 ألف سفينة وإيرادات بلغت نحو 10.25 مليار دولار، قبل أن تتراجع حركة العبور خلال 2024 مع تداعيات اضطرابات البحر الأحمر وتحويل جزء كبير من حركة الملاحة إلى طريق رأس الرجاء الصالح.
وأضاف أن عدد السفن العابرة تراجع خلال 2024 إلى نحو 13 ألف سفينة، فيما انخفضت الإيرادات إلى حوالى 3.99 مليار دولار، وهو ما يعكس حجم التأثير الاقتصادي لتحويل مسارات السفن.
وأكد أن هذه الأرقام لا تعني فقدان قناة السويس لميزتها الجغرافية، وإنما تؤكد أن شركات الملاحة توازن بين المسافة والتكلفة من جهة، ومستوى المخاطر الأمنية والتشغيلية من جهة أخرى.
وقال جاد إن الشركات قد تقبل بتحمل رحلة أطول وأكثر تكلفة عندما ترى أن ذلك يقلل مستوى المخاطر، وهو ما يجعل عامل الأمان والموثوقية جزءًا أساسيًا من المنافسة بين الممرات التجارية.
تأثير مباشر وغير مباشر على أسعار السيارات
وعن انعكاسات هذه التطورات على المستهلك، أوضح أن ارتفاع تكلفة النقل لا ينتقل بالضرورة إلى سعر السيارة بنفس النسبة، نظرًا لتداخل العديد من العوامل الأخرى في تحديد السعر النهائي.
لكنه أكد أن استمرار ارتفاع تكاليف الشحن أو تأخر الإمدادات لفترات طويلة يمكن أن يفرض ضغوطًا واضحة على الأسعار، خاصة في الأسواق التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد السيارات الكاملة أو المكونات.
وأشار إلى أن تأخر شحنات المكونات قد يدفع المصانع إلى خفض الإنتاج أو زيادة مستويات المخزون، بما يرفع تكاليف التشغيل، كما أن تأخر قطع الغيار قد ينعكس على خدمات ما بعد البيع والصيانة.
مصر أمام فرصة لتعظيم القيمة من موقعها
وأكد الدكتور مصطفى جاد أن التحدي أمام مصر لا يقتصر على الحفاظ على حركة العبور في قناة السويس، وإنما يتمثل في تعظيم القيمة الاقتصادية التي يمكن تحقيقها من الموقع الجغرافي للقناة.
وأوضح أن المنافسة العالمية تتجه تدريجيًا من المنافسة بين الممرات البحرية إلى المنافسة بين المنظومات اللوجستية المتكاملة، وهو ما يتطلب ربط قناة السويس بالموانئ والمناطق الصناعية واللوجستية، وتطوير خدمات التموين والإصلاح والصيانة والتخزين والتوزيع وإعادة التصدير والخدمات الرقمية.
وأضاف أن الهدف الاستراتيجي يجب ألا يقتصر على مرور السفينة عبر قناة السويس، وإنما على حصول الاقتصاد المصري على أكبر قيمة ممكنة من حركة التجارة العابرة.
واختتم جاد بالتأكيد على أن قناة السويس ستظل أحد أهم الممرات التجارية عالميًا، إلا أن الجغرافيا وحدها لن تكون كافية للحفاظ على هذه المكانة في المستقبل.
وقال إن الشركات العالمية، بعد جائحة كورونا والأزمات الجيوسياسية واضطرابات البحر الأحمر، لم تعد تبحث فقط عن أقل تكلفة للنقل، وإنما أصبحت تبحث عن المرونة والبدائل والقدرة على استمرار سلاسل الإمداد أثناء الأزمات.
وأضاف: «الخطر ليس أن يظهر طريق جديد ينافس قناة السويس، وإنما أن يصبح أمام صاحب البضاعة عدد كبير من البدائل، بينما نظل نحن نعتمد فقط على الميزة الجغرافية».
وشدد على أن مستقبل المنافسة سيكون قائمًا على امتلاك الطريق الأكثر كفاءة وأمانًا ومرونة، وعلى قدرة الدول والممرات التجارية على تقديم قيمة مضافة حقيقية للتجارة العالمية.







