الجمعة، 24 صفر 1448 ، 07 أغسطس 2026

د. أمل تاج الدين تكتب.. زيت الزيتون درع طبيعي ضد مخاطر الأكريلاميد

هالة
د/ أمل رمضان إبراهيم تاج الدين
أ أ
techno seeds
techno seeds
 نظراً للتغيير الكبير الذي طرأ على النمط الغذائي وكذلك العادات الغذائية من الاعتماد على الأغذية المصنعة والمحفوظة والوجبات السريعة والتي أصبحت جزء لا يتجزأ من روتين الحياة اليومية وحتى الوجبات المنزلية لم تستطع الصمود امام هذا التغير وأصبح العديد منها غير صحي وبذلك أصبح الغذاء والذي من المفترض ان يعمل على امداد الانسان بالطاقة والمحافظة على صحته مصدراً لكم هائل من المركبات الخطيرة من حيث تأثيرها على الصحة.

- يلعب زيت الزيتون - وهو أحد المكونات الرئيسية للحمية الغذائية لسكان حوض البحر المتوسط - دوراً رئيسياً في حماية الجسم من تأثير كثير من هذه المركبات حيث يتميز زيت الزيتون، خاصة البِكر الممتاز، بإحتوائه على مجموعة من المركبات الفينولية النشطة  مثل الهيدروكسي تايروسول والتايروسول والأوليوروبين بالإضافة إلى الأحماض الدهنية الأحادية عدم التشبع، وعلى رأسها حمض الأوليك. وتُعرف هذه المركبات بخصائصها المضادة للأكسدة والالتهابات.

- ولذلك كان من الضروري التعرف على واحد من اهم هذه المركبات التي تحتويها كثير من هذه الأغذية والتي لها تأثيرات سلبية خطيرة على الصحة ألا وهي مادة الاكريلاميد وتتكون في الأغذية الغنية بالكربوهيدرات عندما تتعرض لدرجات حرارة عالية تزيد عن ⁰120 درجة مئوية، كما هو الحال أثناء القلي أو التحميص أو الخبز وذلك نتيجة تفاعل السكرات الأحادية المختزلة (الجلوكوز والفركتوز) مع الحامض الأميني الأسبارجين وهو ما يسمي بتفاعل ميلارد.   

- وتعتبر أطعمة مثل رقائق البطاطس المقلية والمحمصة والبطاطس المقلية والكيك والخبز والبسكويت والكورن فليكس (رقائق الذرة) والقهوة مصادر رئيسية للأكريلاميد. تدعو منظمة "الدفاع عن الغذاء الآمن في أوروبا" (SAFE) الإتحاد الأوروبي إلى فرض حدود إلزامية على مادة الأكريلاميد، وذلك بعد أن ثبت احتواء العديد من العلامات التجارية الإيطالية لرقائق البطاطس على نسبة من تلك المادة تفوق الموصى بها. وفي عام ٢٠١٧، أصدر الإتحاد الأوروبي لائحة جديدة تحدد مستوى مرجعيًا للأكريلاميد يبلغ ٧٥٠ ميكروجرام/كجم من المنتج، مع اتخاذ تدابير للتخفيف من آثاره.

نجد أن الخطورة لا تكمن في الأكريلاميد في حد ذاته وإنما في المركبات الكيميائية التي يتحول إليها بعد الامتصاص في الجهاز الهضمي، والانتشار في جميع اجزاء الجسم، حيث يتحول الى مادة الجليسيداميد والتي تعتبر أشد خطورة من الأكريلاميد نفسه وتسبب العديد من الآثار السلبية على الصحة:

1- يتفاعل الجليسيداميد مع الحمض النووي (DNA)، مُشكلًا نواتج قد تُسهم في الطفرات والسرطان. 

2- السمية العصبية: عُرف الأكريلاميد منذ عقود بأنه مركب سام للأعصاب حيث يسبب تلفًا في الجهاز العصبي ويؤثر على النبضات العصبية.

3- التأثير على الخصوبة ونمو الأجنة: تشير الدراسات على الحيوانات إلى أن الأكريلاميد يمكن أن يُضعف الخصوبة، ويُقلل عدد الحيوانات المنوية، ويؤثر على نمو الجنين. على الرغم من محدودية البيانات المتعلقة بالبشر، إلا أن هذه النتائج تُشير إلى مخاطر محتملة على الصحة الإنجابية.

4- الإجهاد التأكسدي والالتهاب: يؤدي التعرض للأكريلاميد إلى زيادة في إنتاج أنواع الأكسجين التفاعلية (ROS) والشقوق الحرة (FR)، مما يُسبب الإجهاد التأكسدي، وأكسدة الدهون، وتلف البروتينات والحمض النووي. يُعد هذا الخلل التأكسدي عاملاً حاسماً يربط التعرض للأكريلاميد بالأمراض المزمنة مثل السرطان، والاضطرابات العصبية، وأمراض القلب والأوعية الدموية.

ونظرا لما تقدم ذكره من آثار سلبية للاكريلاميد على الصحة وخاصة أن أهم الفئات المستهدفة هي الأطفال والشباب من خلال تناول كميات كبيرة من الأغذية المحتوية على الأكريلاميد بتركيزات مرتفعة فقد توجب علينا العمل على الحد من هذه التأثيرات السلبية وذلك من خلال محورين رئيسيين وهما:

محور وقائي: وهو يرتكز على تقليل تكوين الأكريلاميد في الأغذية اثناء الإعداد والطهي بطرق عديدة من أهمها استخدام زيت الزيتون كعامل مُخفف حيث يُعد زيت الزيتون، المُستهلك على نطاق واسع في النظام الغذائي لسكان البحر المتوسط، ليس مجرد وسط للطهي، بل هو أيضًا غذاء وظيفي معروف بفوائده الصحية.

فهو يحتوي على مستويات عالية من الحمض الدهني الأوليك (أحادي عدم التشبع) والمركبات النشطة بيولوجيًا مثل مضادات الأكسدة الفينولية وفيتامين هـ والكاروتينات. تشير الأبحاث إلى عدة آليات يُمكن من خلالها لزيت الزيتون تقليل تكوين الأكريلاميد في الأطعمة:

تقليل الإجهاد التأكسدي حيث تعمل المركبات الفينولية مثل الهيدروكسي تايروسول والتايروسول والأوليوروبين في زيت الزيتون على إزالة الشقوق الحرة الناتجة عن التعرض للأكريلاميد كما يتميز زيت الزيتون بمقاومة أكبر للأكسدة عن العديد من زيوت الطهي الأخرى نظرًا لمحتواه العالي من الدهون الأحادية عدم التشبع.

وهذا يُقلل من التحلل التأكسدي للدهون والكربوهيدرات، والتي يُمكن أن تُعزز إنتاج الأكريلاميد. وقد أظهرت العديد من الابحاث أن الأطعمة المُحضّرة بزيت الزيتون غالبًا ما تحتوي على مستويات أقل بكثير من الأكريلاميد مُقارنةً بتلك المُقلية بزيت دوار الشمس أو زيت النخيل.

تعزيز أنظمة الدفاع الخلوية مثل زيادة نشاط الإنزيمات المضادة للأكسدة.

الحماية من تلف الحمض النووي الناتج عن المركبات السامة.

تحسين وظائف الكبد والمساعدة في عمليات إزالة السموم.

التفاعل السطحي: يُمكن لزيت الزيتون أن يقلل من تكوّن مادة الأكريلاميد عن طريق تكوين طبقة واقية حول الطعام عند القلي، مما يحدّ من تعرض السكريات والأسباراجين للحرارة المباشرة، ويقلل من التلامس بينهما وهو ضروري لتفاعل ميلارد الذي ينتج الأكريلاميد.

مع مراعاة ان تغيير العادات الغذائية يلعب دورًا رئيسيًا في تقليل مستويات الأكريلاميد التي يتعرض لها الجسم كما في حالة طرق الطهي مثل السلق أو الطهي على البخار، وتقليل استهلاك الأطعمة المقلية أو المخبوزة بكثرة.

محور علاجي: ويتضمن التركيز على محاولة تقليل الأثار السلبية الناجمة عن مادة الاكريلاميد نفسها بعد دخولها للجسم وكذلك بعد تحولها لمركبات أكثر سمية خاصة الجليسيداميد.

 ويعتبر الجلوتاثيون المختزل هو خط الدفاع الأول عن الجسم ففي حالة وجود مثل هذه المركبات سابقة الذكر اما ان يرتبط الجلوتاثيون مباشرة بالاكريلاميد او يرتبط بالجليسيداميد الناتج عن الاكريلاميد حيث يتم تحويلها الي مركبات كبريتية ويتم التخلص منها في البول وتفادي الاثار السلبية الناجمة عنها.

وهنا يأتي الدور العلاجي لزيت الزيتون حيث يعمل على تحويل الجلوتاثيون المؤكسد الى الصورة المختزلة وهي الصورة النشطة وذلك من خلال المركبات الفينولية التي يتميز بها زيت الزيتون فيقلل من تلك المخاطر بشكل كبير وكذلك يُسهم زيت الزيتون بفوائد صحية إضافية تتجاوز تخفيف الأكريلاميد، فهو يرتبط بانخفاض مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، وتحسين مستويات الدهون، وتأثيراته المضادة للالتهابات، مما قد يحمي بشكل أكبر من الأمراض المزمنة التي قد يفاقمها التعرض للأكريلاميد.

 وفي النهاية لا يزال الأكريلاميد مصدر قلق للصحة العامة نظرًا لخصائصه المُسرطنة، والسمية العصبية، والمؤكسدة. ونظرًا لأنه يتشكل أثناء ممارسات الطهي الشائعة، فإن وضع استراتيجيات للحد من وجوده في الطعام أمرٌ ضروري.

ويُعتبر زيت الزيتون تدخلًا غذائيًا طبيعيًا وفعالًا، سواءً من خلال تقليل تكوين الأكريلاميد كعامل وقائي أو من خلال تقديم فوائده الصحية العلاجية لتقليل الاثار السلبية الناتجة عنه.

إن دمج زيت الزيتون في الطهي اليومي لا يتماشى فقط مع مبادئ النظام الغذائي المتوسطي، بل يُمثل أيضًا نهجًا عمليًا لتحسين سلامة الغذاء.

د/ أمل رمضان إبراهيم تاج الدين
قسم بحوث الزيوت والدهون
معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية – مركز البحوث الزراعية
اشترك في قناة اجري نيوز على واتساب اشترك في قناة اجري نيوز على جوجل نيوز
icon

الأكثر قراءة